29/04/2005

 إسلامية.. أم.. وطنية ؟!

 

 

بقلم :د. محمد عياش الكبيسي

 

تتشكل حركات المقاومة الشعبية في بلادنا الاسلامية تحت عناوين متعددة منها الاسلامي ومنها الوطني، ومع أن هذه الحركات تجمعها الأهداف الكـبيرة والتحديات المشتركة الا أن هناك تساؤلات كثيرة تطرح حول مستقبل العلاقة بين هذه الحركات بل وعن طبيعة العلاقـة بين«الاسلام» و«الوطن» مما يتطلب بداية توضيح بعض المفاهيم والمصطلحات:

 

أ- حينما نتحدث عن المقاومة في بلد اسلامي لا يمكن أن نتخيل وجود حواجز حقيقية بين التيار الاسلامي والتيار الوطني فهم في الغالب مواطنون مسلمون، ومثلما لا يجوز أن نشك في وطنية المسلم لا يجوزأيضا أن نشك في اسلامية المواطن.

 

ب- ينطلق المقاومون الاسلاميون «المجاهدون» من رؤية خاصة للاسلام باعتباره عقيدة وشريعة ونظام حياة متكامل «اليــوم أكملت لكم دينــكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا» «المائدة:3» وحينما يتعرض أي بلد مسلم للعدوان فان الجهاد يكون واجبا اســلاميا مقدسا على جميع المسلمين بالقدر الذي يندفع به العدوان، ولا يخفى ما لهذه العقيدة من أثر كبير في دفع المجاهدين للتنافس الحقيقي في ميادين الجهاد والاستشهاد. ج- كما ينطلق الاسلاميون من رؤية خاصة لمفهوم «الوطن»، فالوطن عـندهم ليس تلك الحدود المرسومة من قبل «سايكس-بيكو» وانما الوطن الحقيقي هو الوطن الذي يتسع للامــة الاسلامية جميعها «ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون » «الأنبياء:92» وليس الوطن الذي يتعارف عليه الناس اليوم الا جزءا من الوطن الاسلامي الكبير، ويتخوف الاسـلاميون من أن تكسب هذه الحدود«المصطنعة» شرعية بالتقادم وتصبح بديلا عن مفهوم «الأمة» في الاسلام، وهذا عندهم لا يشكل خرقا عــقيديا فحسب وانما يمثل محــاولة لــتــــفتيت الأمة واضعافها في الوقت الذي تواجه فيه تحالفات وتكتلات عالمية كبيرة، من هنا ندرك طبيعة الحساسية التي يتعامل بها الاسلاميون مع هذه القضية، لا سيما بعد ما تم محاصرة قضية «فلسطين» ومنع الأمة من القيام بواجبها الاسلامي المقدس، وما يحدث اليوم في العراق يعيد الصورة نفسها حيث تتعالى الأصوات المـــشبوهة لطرد كل عربي ومسلم وتشــــويه سمعته وموقفه بينما يتم الترحيب بالأجانب الغزاة !!

 

د- ان الحركات الوطنية المقاومة هي الأخرى لها مبرراتها المشروعة في رفع الشعار الوطني لأنه الشعار الوحيد القادر على أن يضم أبناء الوطن على اختـــلاف معـــــتقداتهم وتوجهاتهم ، لا سيما أن أغلب بلادنا الاسلامية فيها اثنيات متنوعة دينيا وعرقيا، وهــم في الوقت الذي يتخوفون فيه من تفكيك هذه الاثنيات بضعف الشعور الوطني ويخشون من أن تتحول الشعارات الشمولية الكبيرة الى استقطابات وولاءات خارجية كما حصل لبعض الفئات العراقية ذات التوجهات الدينية التي داهنت وربما وقفت مع المحتل لتحــقيق مآرب طائفية واقليمية بعيدة كل البعد عن مصلحة العراق الحقيقية. وأمام هذه النظرات المتقابلة نحاول - وليس بغرض التقريب والتوفيق وان كنا نعتقد مشروعية هذا الغرض - أن نرسم معالم المنهجية الاسلامية كما هي في التعامل مع هذه التحديات ومن خلال النقاط الآتية:

 

أ- ان حب الوطن حتى ولو كان بمعناه الجزئي وهو البلد الذي نشأ فيه الانسان لـــيس بدعة في الاسلام، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم والمهاجرين من أصحابه التي تثبت حبهم وحنينهم لمكة ووديانها ومرابعها كثيرة جدا، والعلماء استنبطوا منها حكما شرعيـا مهما فقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله «وفي الحديث دلالة على مشروعية حب الوطــن والحنين اليه» فتح الباري 3/621 ومثله أيضا في تحفة الأحوذي 9/283 وقال السهيلي «ومــا ذكر من حنينهم الى مكة ما جبلت عليه النفوس من حب الوطن والحنين اليه» شرح الزرقاني 4/ 288 فحب الوطن أمر فطري لا يتعارض بحال مع الولاء للاسلام وأجمل ما قرأت في هذا الصدد مقولة السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله «اذا كان النصارى يحبون أوطانهــم فنحن نحب ديننا الذي يأمرنا بحب الوطن» مذكراتي السياسية 1/172.

 

ب- ان الدفاع عن أي وطن من أوطان المسلمين واجب على أهله أولا ثم على بقيـة المسلمين حتى تتحقق الـكفاية ويدفع العدو، ومعنى هذا أن مـفهوم الوطن الأصغر ضمن الوطن الأكبر مؤصّل في الاسلام وتنبني عليه أحكام شرعـية تفصيلية كثيرة، جاء فــي المغني لابن قدامة الحنبلي:«ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع.. الثاني: اذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم» 9/ 197، فابن قدامة هنا يتحدث عن البلد وأهله بالمفــــهوم الأضيق ومثل هذا ماجاء في الفقه الحنفي: «ان كل موضع خيف هـجوم العدو منه فرض على الامام أو على أهل ذلــك الموضع حفظه، وان لم يقدروا فرض على الأقرب الــيهم اعانتهم الى حصول الكفاية بمقاومة العدو» حاشية ابن عابدين 4/ 124، ومعنى كل هذا أن أهل البلد عليهم مسؤولية خاصة تجاه بلدهم وهذا يمنع من تمييع القــضية الوطنية بالمفاهيم أو الولاءات العامة وهذا ما يتخوف منه«الوطنيون»، وبهذا التأصيل يمكن نسبة الــمقاومة الى أهل البلد أنفسهم فنقول «مقاومة فلسطينية» أو «مقاومة عراقية» ومن ثم فهي«وطـنية» وهي في الوقت نفسه «اسلامية ».

 

ج- ان الاسلام أصّل مبكرا مبدأ «المقاومة الوطنية» ودعا الى تحالف أبناء الوطــــن حتى من غير المسلمين للدفاع عن وطنهم فقد جاء في دستور المدينة الأول«الوثيقــــــــة النبوية » :«ان اليهود - أي من أهل المدينة- ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين..وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة..

 

وأن بينهم النصر على من دهم يثرب» السيرة النبوية الصحيحة، د.أكرم العمري 1/284، وجاء في السيرة النبوية للدكتور الصلابي تعليقــا على بنود الوثيقة:«وبهذا نرى أن الاسلام قد اعتبر اهل الكتاب الذين يعيشون في أرجائه مواطنين وأنهم أمة مع المؤمنين.. فاختلاف الدين ليس سببا للحرمان من مبدأ المواطنة «1/401 فالاسلام هنا لا يتحدث عن عقائد و«آيديولوجيات» وانما عن سياسة دولة تضم المسلمين مع غيرهم فلا بد من توضيح العلاقة بين مكونات هذه الدولة وتحديد مسوؤلياتهم تجاه دولتهم، وهذا ما يبدد مخاوف «الوطنيين» حول موقف الاسلام من الأقليات الدينيـــة وحقهم المشروع في الدفاع عن بلدهم.

 

د- ان رفع شعار «الوطنية» لا يعكر الغاية الأخروية التي يسعى لها «المجاهد» وهـــي «الشهادة» بل الربط بينهما مؤصّل شرعا، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم «من قتل دون ماله فهو شهيد» البخاري 2348 و«من قتل دون أهله فهو شهيد» أحمد وابو داود والبيهقي وغيرهم.

 

وروى البيهقي في السنن الكبرى«من قتل دون ماله مظلوما فله الجنة» 8/335 فهذه الأحاديث ونحوها كثير تثبت الشهادة والجنة لمن يقتل دفاعا عن ماله وأهله فكيف بالوطن الذي فيه الأرض والعرض والمال ؟!

 

من هذه النقاط نستنتج أن المقاومة المشروعة في الاسلام لها ثلاث صور:

 

1- مقاومة اسلامية في مشروعيتها، اسلامية في أهدافها، اسلامية في أشخاصها، وهذه لا تكون الا في قيام المسلمين بالدفاع عن دينهم حينما يتعرض للعدوان، ومن المعلوم أن من أهداف العدوان على العراق المعلنة تغيير المناهج التعليمية والتدخل في شؤون الاسرة و«تجفيف مصادر الارهاب الفكرية» وهذه كلها أهداف تمس دين المسلمين ويكفي تصريح بوش«أنها حرب صليبية» فقتال المسلم لدفع هذا العدوان داخل في هذه الصورة قطعا.

 

2- مقاومة اسلامية في مشروعيتها، اسلامية في أشخاصها، وطنية في أهدافها، وهذه حينما يستهدف العدو بلدا من بلاد المسلمين طمعا في ثرواته وخيراته، وهنا يقاوم المسلمون لدفع هــذا العدوان فيكون لهذه المقـــاومة جانبان جانب اسلامي وآخر وطني.

 

3- مقاومة اسلامية في مشروعيتها، وطنية في أشخاصها وأهدافها، وهذه المقاومة هي الحق الذي يمنحه الاسلام لكل مظلوم حتى لو كان غير مسلم في الدفاع عن أرضه وماله وعرضه. ونخلص من هذا الى أن المقاومة من الممكن أن تكون «اسلامية وطنية» في أكثر من صورة ولأكثر من اعتبار وكلها مشروع. هذا من حيث التأصيل والاستدلال ، أما اذا تحدثنا بلغة المقاصد والمصالح الشرعــية فيمكن أن نضيف نقاطا جديدة ومنها:

 

أ- ان حب الوطن والدفاع عنه غريزة بشرية قد تكون هي الدافع الأهم للكثير من من شعوب العالم للتضحية والمـــقاومة، ونموذج «المقاومة الفيتنامية» ما زال حاضرا ، وهؤلاء لم يكونوا يقاتلون من أجل الشهادة أو الجنة، وبالتالي فان على المقاومة الاسلامية أن تفكر بالاستفادة من هذه الغريزة الفطرية وبالاساليب المشروعة.

 

ب- ان حذف شعار«الـوطنية» من قبل المـقاومة الشـــرعية يفسح المجال للعمـــلاء والمأجورين أن يرفعوا هم هذا الشعار ولأهداف رخيصة ومن بينها حصولهم على اعتراف دولي أواقليمي على أنهم هم الممثلون الشرعيون للبلد لأنهم هم الذين يتكلمون باسمه، وأما «المجاهدون » فهؤلاء لهم أهداف بعيدة لا علاقة لها بالبلد، وبكون هذا في الغالب طريق سرقتهم للسلطة وحرمان المقاومة الحقيقية.

 

ج- ان حذف شعار«الوطنية» يخدم الاحتلال في اخراجه من مأزقه القانوني، فالاحتلال فاقد الشرعية في مقابل مقاومة تمتلك كامل الشرعية، والاحتلال لا يمكن ان يتكلم باسم البلد الذي يحتله، لكن اذا تخلت المقاومة عن شعارها الوطني فسيجد الاحتلال نفسه أمام مقاومة هي الأخرى لا تمثل هذا البلد ولا تتكلم باسمه!! ان هذه العوامل مجتمعة تجعل من الضرورة أن ترفع المقاومة شعار الاسلام والوطنية لجمع الكلمة وتوحيد الطاقات ورص الصفوف وسد الثغرات في مواجهة اعتى قوة احتلال في التاريخ مدعومة بتحالفات دولية واقليمية ومحلية.

 

    إلى صفحة المقالات