29/04/2005

رسالة صغيرة إلى الشاعر مظفر النواب

 

 قال تعالى: وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

 

بقلم :د. ابراهيم علوش

 

لا أعرف لك عنواناً كي أسألك: هل صحيحٌ يا شاعر الثوار أنك ظهرت على فضائية «الحرة» الأمريكية لتدعو العراقيين للانتخابات في ظل الاحتلال؟ كم رددت الأفواه عنك «القدس عروس عروبتكم»، ولكنه أنت، فما كنت أحسب أنك ستصمد في زمن الردة لتنتهي في زمن المقاومة من الشرفاء المهزومين!

 

العراق يقاتل وأنت تنام في الجيش الآخر والجيش يحارب...

 

أذكرك: من هرب هذي القريةَ من وطني؟!

 

من ركب أقنعةً لوجوه الناسِ وألسنةً إيرانية؟؟!!

 

من هرَّب ذاك النهر المتجوسق بالنخل على الأهوازِ

 

أجيبوا....

 

فالنخلة أرضٌ عربية؟

 

كل العراق نخلة عربية! ولكنك، يا طير البرق، لا ترى كيف يلتحق الجنوب بالأهوازِ، وتتمطى الألسنة والأقنعة غرباً كأن العراق رجع يجثم تحت النير الساساني والبيزنطي في آنٍ معاً؟ كأن كل ثقل العالم يرزح على صدره! أهو وقت الانتخابات أم القتال من أجل العراق وقد قلت فيه: يا بلداً يتناهشها الفرس، ويجلس فوق تنفسها الوالي العثماني وغلمانُ الروم؟

 

وقد صدقتك إذ دعوتَ: أن هذي الأمة لا بد لها أن تأخذ درساً في التخريب!

 

وناديتَ معلمَك: إن غيابك قد كشف العالم، وروج للذين يدفئون بيضةً فاسدة! فلماذا أنت في الغيبة وكأنك تشارك يا معلمي؟!

 

فلماذا تشارك أنت يا مظفر؟ الحرة؟! الاحتلال؟!

 

لا بأس عليك! سأواسي نفسي بقولك:

 

لم ينصرك هذا اليسار الغبي

 

كان اليمين أشدُ ذكاءً

 

فاشعل أجهزة اللوث بين اليسار

 

يقلب في حيرةٍ معجمه

 

كيف يحتاج دمٌ بهذا الوضوح

 

إلى معجمٍ طبقيٍ لكي يفهمَه؟

 

اكفروا بيسارٍ كهذا

 

ينكر حتى دمَه

 

ولكن، أخي مظفر، إذا سقط الشاعر، هل يسقط شعره؟ هل نتبرأ منه ومن كلامه؟ أم يسقط شعره بعد السقوط فحسب، ليبقى شعره قبل السقوط، رغماً عنه، شاهداً ضده؟ إذا انشق الشاعر على شعره، ألا يصبح وكأنه يهجو نفسه؟ سنظل نسجل أننا عربٌ، ولو سقط قائلها. فهي ردتُه على الروح، والشعر ما بعد السقوط كاللوث الذي يحاول الشاعر أن ينظف به نقاءَ شعره الأول، فلن أصدق ما تقوله بعد الآن، ولن أمزق قصائدك، ولم أقرأك خطأً، ويبقى شعرك بعدك معنا ضدك. وقد احتججتَ يوماً: «قتلتنا الردة، يا مولاي، قتلتنا الردة! إن الواحد منا يحمل في الداخل ضده...». ظننت وقتها أنك تتحدث عن أهل الردة لا الثوار... وتبرأتَ منهم، وكتبتَ على دمعةٍ سابلة:

 

يا ملكَ الثوارِ!

 

أنا أبكي بالقلب لأن الثورةَ يُزنى فيها

 

والقلب تموت أمانيه

 

يا ملك الثوارِ أنا في حِلٍّ

 

فالبرق تشعب في رئتيَّ

 

وأدمنت النُفرة

 

والقلب تعذر من فرط مراميه

 

فأين أنت الآن من الثورة والثوار يا مظفر؟ تقول «السفير» اللبنانية في 31/1/2005 أنك شاركت بالتصويت من خارج العراق في الانتخابات العراقية تحت الاحتلال بشعور «يتجاوز الفرح والحزن لأنني أشعر بمسؤولية كبيرة تقرر مصير العراق والمنطقة أيضاً»، حسب قولك، وأن علينا «المطالبة بخروج قوات الاحتلال، ولكن الكفاح المسلح ليس وقته الآن!... حتى يتأكد الشعب تماماً من أن الأمريكيين والقوى الأجنبية يرفضون طلب الحكومة بالانسحاب»! فهل هي ردةٌ جديدة، وماذا كان سيقول فيها بدر شاكر السياب؟ وماذا سيقول كل من كتبت عنهم من أطفال الحجارة إلى محمد درة إلى الطيارين العرب الذين دعوتهم للتمرد؟

 

أقرؤك بهدوء:

 

والقلب حمامةُ برٍّ لألأها الطلُّ

 

تشدو،

 

والشدو له ظلُّ

 

والظلُّ يمد المنقار لشمس الصحراء

 

لغةٌ ليس يحل طلاسمها غيرُ الضالعِ بالأضواء

 

والظلُّ لغاتٌ خرساء

 

وأنا في هذي الساعةِ

 

بوحٌ أخرسُ

 

فوق مساحاتٍ خرساء

 

أتمنى عشقاً خالصاً للهِ

 

وطيب فمٍ خالص للتقبيل

 

وسيفاً خالصاً للثورة...

 

ولكنك لم تعد هكذا يا مظفر! لقد خسرتك نفسك، وبقيت كلماتك معنا ضدك. فالصحراء هي العرب، والشدو هو الدعوة للحقيقة، تأتي من القلب حمامةُ برٍّ لأنها مخلصة خيِّرة، تقطر بالطلِّ أي بالندى في الصحراء، لتروي العطش، والظلُّ للشدوِ هو انعكاس الدعوة على الأرض، وهي لغةٌ ليس يحل طلاسمها إلا الضالع بالأضواء أي بالوعي، والظلُّ لغاتٌ خرساء أي رمزية كالشعر، والبوح الأخرس هو الخارج من أعماق الكبت، فوق مساحاتٍ خرساء أي مقموعة كالصحراء العربية، ليتمنى التزاماً بالمثل الأعلى لا شائبة فيه وبالإنسان وبالثورة! وكانت من أجمل ما كتبت، وكنت....

 إلى صفحة المقالات