29/04/2005

البروفيسور نعوم جومسكي يتحدث عن الفلوجة حديثا يجب ان يقرأه كل عراقي وعربي
 

اجرى المقابلة: جنيد علام* ... ترجمة: ماجد مكي الجميل



في السابع عشر من ديسمبر 2004 التقيت بالبروفيسور نعوم جومسكي في مكتبه بالمعهد التقني بجامعة ماسوشوسيتس MITكيّ أقف على أفكاره حول "حرب أميركا ضد الإرهاب" ومبرِّراتها العقائدية، وحقائقها التاريخية. مضى البروفيسور تشومسكي نصف ساعة يتحدث عن "المدنيّة" ضد "البربرية،" مشيرا إلى الفظائع الغربية، وبشكل خاص، تلك التي ترتكبها الولايات المتحدة. موضّحاً الطبيعة الخطيرة لجرائم الحرب التي ترتكب ضد العراق، مُهاجِماً ثقافة المفكرين اليمينيين التي قادت إلى مآسٍ جماعية، ومفسِّرا فهم النخبة لجذور الإرهاب.

وفيما يلي نسخة طبق الأصل للمقابلة دونتها بنفسي، وأجرى عليها البروفيسور تشومسكي تعديلات بسيطة من أجل التوضيح.

علام: بروفيسور تشومسكي، أشكرك لهذه المقابلة التي منحتها لـ (لفت هووك Left Hook). خلال ما نملك من وقت، أريد أن أناقش مَعك نتائج وتعقيدات حالة الحرب الأمريكية الراهنة، كيف أن بعض برامجها أو أهدافها ربما كانت متداخلة مع بعضها البعض.

أول شيء أرغب إثارته هنا، أن الصورة العامة لعقيدة الحرب التي رَسَمَتها لنا الإدارة والمحافظون تشير إلى أن المفهوم الواسع لما يُسمى بالحرب الشاملة ضد الإرهاب هو أنَّ العالم "المُتحضِّر" يقاتل "البَربرية،" هذا الموقف أشارت إليه مؤخرا مجلة (بزنيس وويك Business Week). بأي طريقة، أو بأي طرق تعتقد أن هذا غير دقيق تاريخياً أو سياسياً، وبخاصة ما يتعلق بنطاق وكثافة الجرائم المرتكبة من قِبلنا نحنُ أنفسِنا ضد "البرابرة،" الذين افترضناهم إسلاميين، ووطنيين في العراق وفلسطين؟

تشومسكي: حسناً، مستوى العنف الذي نرتكِبه لا يُمكن حتى مقارنته مع نطاق ما نتحدث عنه. أقصد أن مستوى التدمير والإرهاب والعنف الذي نفّذته الدول القوية يتجاوز إلى حد بعيد أي شيء يمكن أن نتصوّر أن بمقدور المجموعات التي تُسمّى إرهابية أو وطنية أن تقوم به أو تُلحقُهُ بنا.

أريد أن أقول، خُذ فقط، لِنَقُل العراق كمثال. أفضل التقديرات الراهنة عن القتلى بعد الغزو هي بِحدود 100.000، رُبما أكثر، رُبما أقل. الإرهابيون الإسلاميون سيحتاجون وقتا طويلا ليقتلوا 100.000 شخص. خُذ، لنقل، أكبَر عمل إرهابيّ نُسِبَ إلى الإرهابيين الإسلاميين، في 11 سبتمبر حوالي 3.000 شخص قُتِلَ، وهو عمل وحشي وفظيع إلى حدٍ كبير. لكن مع استمرار الأعمال الوحشية التي أعقَبَت ذلك، لم يَعُد هذا الرقم يُمثّل شيئاً كبيراً.

خُذ على سبيل المثال، ما يَطلُق عليه الناس المقيمون في جنوب ريو كراند Rio Grande {نهر في جنوب البرازيل يُشار إليه كحدٍ فاصل بين شمال وجنوب أميركا الجنوبية ـ المترجم ـ} بـ 11 سبتمبر الآخر. أنه 11 سبتمبر 1973، الذي تورّطت فيه الولايات المتحدة إلى أذنَيّها ـ ذلك هو قصف قصر الرئاسة {في سانتياغو عاصمة شيلي} والانقلاب العسكري، وموت الرئيس {سلفادور الليندي}، وتدمير الديمقراطية الرائدة، وهي أقدم ديمقراطية في أميركا اللاتينية. العدد الرسمي لقتلى الحادي عشر من سبتمبر {1973} يتجاوز 3000، والرقم لا يضُم سوى الجثث التي تمكنوا من إحصائها فعلاً. أعداد القتلى ربما تتجاوز ضعف هذا الرقم. إذا نظرنا إلى الرقم من وجهة نظر مبنية على أساس المقارَنة النسبية comparative population terms، أقصد مقارنة عدد السكان، فسيعادل الرقم مقتل حوالي 50 إلى 100.000 شخص في الولايات المتحدة. لم نكن نعرف حتى لوقت متأخر الأرقام التفصيلية لعدد الأشخاص الذين خضعوا للتعذيب، أنها بحدود 30.000، هذا يعني 700.000 في الولايات المتحدة، الآلاف من حالات الاغتصاب والإساءات الأخرى، الكثير من الناس اختفوا، هكذا بكل بساطة، لا أحد يعرف ماذا حلَّ بهم.

تم أيضا تأسيس عمليات إرهابية دولية تحت ما أطلق عليه في حينه اسم عملية كوندور Operation Condor، التي جَمعت خلالها الولايات المتحدة أجهزة الأمن والاستخبارات في الدول المجاورة {لشيلي} مع بعضها البعض لتشكّل منها منظمة إرهابية واحدة… لقد شبّهت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مؤسسة (دينا DINA)، وهي المنظمة الإرهابية الشيلية التي تديرها الدولة، بالمخابرات السوفيتية (كي. جي. بي. KGB) لم تَرَ الولايات المتحدة عيباً في هذه المؤسسة، ولم تَرَ أنها إرتكبت فظاعات عندما كانت تخدم مصالحها وتقوم بمساندتها، وبريطانيا أيضا ساندتها بحماسة، وهكذا. في الحقيقة أن نشاطاتها الإرهابية الدولية لم تتوقف إلا بعدما ذهبت خطوة واحدة أبعد مما كان مقرراً لها. لقد اغتالت دبلوماسياً معروفاً في واشنطن العاصمة وهذا أمر لم يكن مسموحاً به، وعليه فقد تمّ تنبيهها للتهدئة، غير أنّها بقيت وحشية إلى حدٍ ما لكن ليست بدرجة سيئة جداً.

حسناً، هذا مجرّد حدث واحد جرى في 11 سبتمبر 1973. حدَثَ هذا في عملية واحدة كانت الولايات المتحدة متورطة فيها بصورة غير مباشرة. إذا ما أخذنا العمليات التي نفّذتها الولايات المتحدة بنفسها فلن يكون بمقدورنا إحصاء نطاق القتل والتدمير. أريد أن أقول، خُذ حالة واحدة أدينت فيها الولايات المتحدة فعلا لأعمال تتعلق بالإرهاب الدولي وأُمِرَت أن تُنهي الجريمة. إني أتحدَّث هنا بشكل خاص عن الهجوم على نيكاراغوا الذي ذهب موضوعه إلى محكمة العدل الدولية. لقد توجَّبَ على المحكمة الدولية أن تبحثَ القضية في إطار ضيق جدا لأن الولايات المتحدة قد استثنت نفسها من الالتزام بالمعاهدات الدولية. وعليه لم يكن ممكناً جلب الولايات المتحدة أمام المحكمة الدولية. فعلى سبيل المثال الجرائم الدولية الكبرى، والغزو، وانتهاك ميثاق الأمم المتحدة، أو انتهاك المعاهدة الدولية ضد جرائم الإبادة، هذه أمور الولايات المتحدة مُستثناة منها، لأنها استثنت نفسها من أن تكون عِرضة للمساءلة أمام محكمة العدل الدولية حول انتهاكاتها للمعاهدات الدولية.

وعليه فقد تَوجَّب على محكمة العدل أن تتعامل مع قضية نيكاراغوا بأضيق نطاق ممكن، فقط من زاوية المعاهدات الثنائية المبرَمة بين نيكاراغوا والولايات المتحدة، وقانون الجمارك الدولي. وعلى الرغم من ذلك فقد أدانت المحكمة الولايات المتحدة لما أسمته بالاستخدام غير القانوني للقوة، وقد أعطت حُكماً أوسَع من ذلك بقليل جداً عندما ذهبت إلى أبعد من مدى النطاق الفعلي للقضية بإصدارها أمراً للولايات المتحدة بأن تُنهي الجرائم، وأن تَدفعَ تعويضات جوهرية لنيكاراغوا. بدورها تجاهلت الولايات المتحدة الحكم، واستخدمت حق النقض (الفيتو) مرتين ضد قرارين عُرضا أمام مجلس الأمن الدولي يؤكّدان قرار المحكمة الدولية، ثم مضت تواصل الحرب.

كانت النتيجة النهائية للحرب على نيكاراغوا كما يلي: مرة أخرى إذا ما أخذنا بمبدأ المقارنة النسبية من حيث السكان والثروات فقد قُتِلَ ما يعادل 2.5 مليون شخص في الولايات المتحدة. وهو رقم يتجاوز بكثير عدد القتلى الأمريكان في كافة حروبها على مدى التاريخ الأمريكي بضمن ذلك الحرب الأهلية، لقد دَمَّرَت البلاد وهي اليوم ثاني أفقر بلد في نصف الكرة الأرضية. وبعد أن استحوذَت الولايات المتحدة عليها ثانية في 1990، انحدَرَت البلاد نحو الجحيم أكثر فأكثر. والآن تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف الأطفال {في نيكاراغوا} دون سن الثانية يعانون من سوء تغذية حاد، يعني احتمالات إصابتهم بتلف في الدماغ.

في بداية الثمانينات، عندما بدأت الولايات المتحدة الحرب، تلقَّت نيكاراغوا تثمينا من المنظمات الدولية وحتى من البنك الدولي للتقدم الجوهري الذي حقّقته، لقد فازت بجوائز للتطور الذي حقَّقته، واحدة من صندوق الأمم المتحدة للأمومة والطفولة (يونسيف) للتحسن الذي أنجَزته في صحة الأطفال والتنمية عموما. الآن هي على النقيض تماما.

أريد أن أقول أن ما ذكرته يمثّل حالة منفردة واحدة، هو مجرد نموذج صغير يفوق في وزنه تماماً كافة النشاطات الإرهابية التي يمكنك أن تُعزوها لمن شئت من الناس، أن ما ذكرته غير قابل للنقاش والمجادلة.

هذا مجرد مثال صغير، أنا حتى لم أتحدّث عن الحروب الرئيسية مثل، لِنَقُل، فييتنام، والمِثال الفييتنامي يمثِّل عدوانا مباشراً، لا يمكننا أن نُسمّيه إرهاباَ مع مقتل، مَن يدري؟، ربما 4 ملايين شخص أو أكثر، والفييتنامييون مازالوا يموتون من تأثيرات الحرب الكيميائية الواسعة النطاق التي شُرِعَ باستخدامها منذ عهد جون كندي. هذا مجرد مثال للولايات المتحدة وحدها. ألق نظرة على دول غربية أخرى، ليست قوية كقوة الولايات المتحدة، لكن العنف الذي استخدمته فاقَ التصوّر، مثلاً فرنسا في أفريقيا، وبريطانيا في كينيا وأماكن أخرى، أن ما قاموا به يتجاوز بمسافة بعيدة جدا نطاق أي نشاط إرهابي آخر.

علام: إذاً، الأمر يتجاوز إطار "المدنية" ضد "البربرية."

تشومسكي: كلا، أنه أمر منافٍ للعقل، أعني أنظر، دعنا نسأل ما هي أسوأ وحشية جرت منذ الغزو المغولي {لبغداد}؟ مثلما تعرف، ذلك ما حصل في ألمانيا في أواخر الثلاثينات إلى الأربعينات بشكل خاص. ألمانيا كانت قِمَّة الحضارة الغربية. كانت تمثل المجتمع الأكثر تقدماً في العالم الغربي، في العلوم، في الفنون، في الآداب، كانت ألمانيا بمثابة النجم الساطع للحضارة الغربية. في الحقيقة لغاية الحرب العالمية الأولى، عندما تحوّل الناس ضد الألمان، وُصِفَت ألمانيا من قبل العلماء السياسيين الأمريكان بأنَّها أنموذج للديمقراطية. أنَّها قمة الحضارة الغربية… نعم إنها أسوأ بربرية منذ الغزو المغولي. أي نوع من العلاقة يمكن للمرء أن يؤسِّس بين ألمانيا قِمَّة الحضارة وألمانيا قِمَّة البربرية؟

علام: أنه لأمر جيد أن ألاحظ أنك أشِرتَ قليلا إلى رقم 100.000 ضحية، وهو أمر جدير بالاعتبار أن أشير بدوري إلى انه في الوقت الذي تُرَكِّزُ فيه أغلب وسائل الإعلام هنا الأنظار على مواضيع الإثارة، خاصة عمليات قطع الرؤوس الرهيبة التي راح ضحيتها ربما عشرات قليلة من الأجانب في العراق، نرى وسائل الإعلام نفسها صامتة تقريبا عن تقرير المجلة الطبية البريطانية لانسيت Lancet التي قالت أن ما يقرب من 100.000 مدني عراقي قد قُتلوا، أغلبهم بواسطة القصف الأمريكي. كذلك افتَقدّنا في وسائل الإعلام ذكر معدلات سوء التغذية بين الأطفال العراقيين التي تضاعفت في ما يبدو.

تشومسكي: بمقاييس بورندي، أنها أسوأ من أوغندا وهاييتي، كل هذا حصل منذ الحرب.

علام: في الواقع هذا يذكرني بـ…

تشومسكي: في الحقيقة الطريقة التي تعاملت فيها وسائل الإعلام مع تقرير لانسيت مثيرة للاهتمام. أقصد أنه تمَّ الاقتباس من التقرير لكن أمّا بتجاهل الحقائق الرئيسية أو بالتقليل من أهميتها. بالرغم من ذلك ردّة الفعل إزاء التقرير كانت جيِّدة، كان هذا مُجرَّد أنموذج.

علام: بالضبط.

تشومسكي: كيف يمكن أن نعرف أن التقرير كان دقيقاً، ربما كان العدد أقلّ وهم {لانسيت} قد أعطوا مسافة واسعة في التقدير هي بين 8.000 و 200.000، وهو…
علام: لقد استثنيت الفلوجة أيضا.

تشومسكي: حسناً، دعنا نرى كيف أعدّوا التقرير. أعلى الاحتمالات تُقدِّر الرقم بحدود 100.000. كان رد الفعل الفوري جيداً، ربما الرقم أقل من ذلك بكثير. نعم، ربما أنه أقل من ذلك بكثير، وربما يكون أكثر من ذلك بكثير. في الحقيقة أنهم عملوا الإحصائية بطريقة متحفّظة جداً. لقد استثنوا الفلوجة لأنها سترفع التقديرات، التقديرات الاستقرائية شملت أيضاً المناطق الكردية حيث لا يوجد قتال هناك، وبهذه الطريقة تمّ تقليص التقديرات إذا ما أريد بناؤها على النسب المقارنة في عدد السكان ومساحة البلاد…الخ، بشكل عام لقد عملوا تحليلا متواضعاً، أو بالأحرى متحفظاً.

مَهما يَكُن فهي مُجرد تقديرات، يُمكن أن تكون في الواقع أكثر من ذلك، هي مجرد تقديرات، وربما تكون أيضا أقلّ. في الحقيقة هذه هي الطريقة التي تقوم بها أي دراسة لتقدير الضحايا أو تقديم البيانات الصحيّة. لكن مهما كان الرقم، سواء 50.000 أو 150.000، أقول مهما كان الرقم فمن الجَليّ أنها وحشيّة كبيرة.

في الحقيقة، ليس صحيحاً على وجه الدقة أن نقول أن وسائل الإعلام لم تكتب عن جرائم الحرب. غالباً ما كَتَبَت وأذاعت عنها. خُذ على سبيل المثال غزو الفلوجة، وهو أحد جرائم حربها الرئيسة، جريمة الفلوجة مشابهة جداً لتدمير السلطات الروسية مدينة كروزني قبل عشر سنوات، وهي مدينة بنفس حجم مدينة الفلوجة تقريباً، تم قصفها وتمزيقها وتحويلها إلى أنقاض وتشريد أهلها.

علام: لقد حاصروا كل الذكور، أعتقد أنهم لم يتركوهم يهربون من المَمَر.

تشومسكي: هو حدث يتماثل إلى حد كبير مع سيربيرنجا، لكن ما جرى في سيربيرنجا تم إدانته عالميا واعتُبِرَ عملية إبادة جماعية ـ سيربيرنجا عبارة عن قطعة أرض صغيرة تحميها بصورة ضعيفة قوات الأمم المتحدة، لقد استخدمت هذه الأرض كقاعدة للهجوم على القُرى الصربية المجاورة. كان معلوماً بشكل واضح انه ستحصل هناك أعمال انتقامية. وعندما حصل الانتقام، كان بشعاً للغاية. لقد تم نقل كافة النساء والأطفال إلى خارج المنطقة، احتفظوا بالرجال في داخلها، وقاموا بنحرهم. قالت التقديرات أن آلاف الأشخاص قد نُحِروا.

حسناً، ما يتعلق بالفلوجة، لم تقم الولايات المتحدة بنقل النساء والأطفال إلى خارج المنطقة، لقد قصفتهم. كان هناك ما يقرب من شهرٍ كاملٍ من القصف، كان قصفاً شاملاً للمدينة، إذا كان هناك من تمكَّن من الخروج بطريقة ما، فهم ليسوا أكثر من مائتي ألف شخص فرّوا، أو خرجوا بطريقة ما، وكما أنتَ قلت فالرجال تم الاحتفاظ بهم في الداخل ونحن لا نعرف ماذا حصل بعد ذلك، نحن أنفسنا لم نقدّم تقديرات عن عدد الضحايا الذين كنّا مسؤولين عن قتلهم.

لكن المثير بالنسبة للفلوجة أن ما حصل فيها لم يَعُد سِرّاً. وعليه كان بإمكانك أن تشاهد على الصفحة الأولى لصحيفة نيويورك تايمز صورة كبيرة للخطوة الرئيسية الأولى للهجوم التي تمثّلت أساسا بالاستيلاء على المستشفى العام في الفلوجة. {هي نفس الصورة التي تشاهدها في أعلى هذا المقال ـ المترجم ـ} وهناك صورة لأشخاصٍ ممددين على الأرض، والجنود يحرسونهم، وهناك مقالة تقول أن المرضى والأطباء قد أخذوا… عفواً مرضى قد أخذوا من أسرَّة المرض، ومرضى وأطباء أجبِروا على الانبطاح على الأرض وقد غُلّت أيديهم بالقيود وهم تحت أقدام الجنود، الصورة تشرح نفسها.

رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مؤهل أن يكون عرضة لعقوبة الموت بموجب القانون الأمريكي بسبب تلك الجريمة وحدها. أعني أن هناك خرقٌاً خطيراً لمعاهدات جنيف، معاهدات جنيف تقول ضمناً وصراحة ومن دون لبس أو غموض أن المستشفيات ينبغي أن تكوم محمية،}المواد من 8 إلى 16 وبشكل خاص المادة 14 من الباب الثاني/القسم الأول للملحق الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف المعقودة في 12 آب/أغسطس 1949 ـ المترجم ـ{. المُستشفيات وكادرها الطبي والمرضى ينبغي أن يكونوا جميعاً من دون استثناء محميّين من قِبَل كافة الأطراف المتحاربة في أي نزاعٍ كان. لا يمكنك أن تعثر على خرقٍ لمعاهدات جنيف أكثر خطورة من هذا الخرق.

هناك قانون في الولايات المتحدة خاص بجرائم الحرب تم إقراره عام 1996 من قبل الكونغرس وكان ذا أغلبية جمهورية يقول أن عقوبة ارتكاب خروقات خطيرة لمعاهدات جنيف هي الإعدام. هذا لا يعني أن الجندي هو من يَخرُق المعاهدات، ذلك يعني القادة. بطبيعة الحال أن المُشرِّعين لم يستهدفوا الولايات المتحدة من هذا التشريع، لكن إذا ما أخذت النص التشريعي حرفيا، فستجد أنه يشمل الولايات المتحدة.

ثمّ الأكثر من هذا أنهم راحوا يشرحونَ لنا لماذا ارتكبوا جريمة الحرب هذه في المستشفى العام بالفلوجة. شَرَحَت النيويورك تايمز الأمر بهدوء بقولها: جرى الاقتحام لأن القيادة العليا للقوات المسلحة الأمريكية وصفت المستشفى العام في الفلوجة بأنه متنفَّس دعائي للمقاتلين، لأن المستشفى يَذكُر عدد القتلى والإصابات. أنا شخصياً لا أعرف إذا كان النازيون قد عملوا أعمالا مشابهة لتلك. بالطبع النيويورك تايمز قالت أن أعداد الإصابات كانت "منفوخة" أي مبالغ بها ـ كيف يمكننا أن نعرف أنها كانت منفوخة؟

علام: نحن حتى لم نقم بإحصائهم.

تشومسكي: حسنا، قائدنا الغالي our Dear Leader {تعبير يفيد معنى الأسى أو الدَّهش أو نفاد الصبر وحتى التهكّم ـ المترجم ـ} قال أن أرقام الإصابات كانت منفوخة، وعليه فهذا يعني أننا أصبحنا مثل كوريا الشمالية نخفي الحقائق أو لا نعلنها كي يأتي آخرون يضخِّمونها. لكن لنفترض جدلاً أنها كانت كذلك، المبدأ يعني ضِمناً أننا نُنَفِّذ جريمة حرب كُبرى لمجَرَّد أنَّ المستشفى كان بمثابة سلاح دعائي وذلك بتوزيعه أرقام الإصابات. أريد أن أقول أنكَ فعلاً تحتاج أن تبذُلَ مَجهوداً كبيراً كيّ تعثر على تفسير منطقي لهذا الكلام أو قياس مناظر له.

ثم مضت القوات تُدمّر المدينة بأكملها. وبعد أن انتهت من تدمير المدينة كلياً انتهت في آخر الأمر إلى القول: في الحقيقة ستواجه قوات مشاة البحرية (المارينز) تحديات خطيرة في إعادة كسب ثقة سكان الفلوجة. نعم ستكون هناك تحديات خطيرة ضخمة بعض الشيء. ثم وصفت القوات كيف سيواجه المارينز هذه التحديات، انهم يتحدثون الآن عن تأسيس دولة بوليسية.

علام: صحيح

تشومسكي: لن يُسمح لأي شخص الدخول للفلوجة حتى يخضع لمسح خاص بشبكية العين، وطبعات الأصابع، وسيتم إعطاء علامات للسكان، وتحديد هوياتهم. ستعمل القوات أي شيء باستثناء زرع رقائق إلكترونية بأجساد سكان المدينة، ربما سيقوموا بهذه الخطوة في المرة القادمة. سيتم تنظيم السكان حسب مجموعات عمل يتم بموجبها إجبارهم قسريّا على إعادة بناء ما دمرته الولايات المتحدة. أرجوكَ، حاول أن تجد نظيراً لهذا. وهذه ليست سوى جريمة حرب واحدة، وجزء صغير من مجازر عامة أكبر.

في الحقيقة ربما بإمكانك أن تُحاجج بالقول أن هذه الانتهاكات غير جديرة بالاعتبار. لكن طبقاً لمبادئ محكمة نورمبرغ، التي أطلقتها الولايات المتحدة ومَضت بها، فقد خَلصَت المحاكمات إلى نتيجة بأن الجريمة الدولية العظمى هي الغزو، والعدوان. وأن الجريمة العظمي تتضمن أيضا كل الشرور التي تعقب الغزو. وعليه فإن تضاعف معدلات سوء التغذية، وأعداد القتلى التي ربما تصل إلى 100.000 ضحية، وجرائم الحرب الخطيرة في الفلوجة، كلها مجرد حاشية، أقول، كلها مجرد هامش في كتاب الجريمة الدولية العظمى، هذا يعني أن أي عمل شرّير أرتُكِبَ عقب الغزو يقع تحت طائلة الجريمة الدولية العظمى.

هذه الجريمة لم تُؤخذ بتلك الجدية التي تستحقها. في نورمبرغ لم يُحاكموا الجنود، ولم يُحاكموا قادة الفصائل والسرايا العسكرية، انهم حاكموا من تم محاكمتهم وإعدامهم، لقد كانوا في أعلى هَرم القيادة. مثل وزير الخارجية الألماني الذي تم إعدامه. بسبب المشاركة في الجريمة الدولية العظمي التي تشمل كافة الشرور التي تعقب الغزو. هل سمعنا أي شيء عن هذا؟

علام: صحيح

تشومسكي: لكنك لا تقدر أن تقول أنها جرائم مخفيّة، ما تحدّثت عنه قبل قليل جميعه مَنقول من الصفحات الأُولى للجرائد، وفيها أمور أكثر إثارة للدهشة مما ذكرت.

في الوقت الحاضر، كما تعرف، مهما كانت فظاعة وبشاعة هذه الجرائم، إلا إن هناك تحسُنٌاً مقارنة عما كان عليه الأمر في الماضي. أقصد، كان قد حصل أسوأ من هذا بكثير في فييتنام لكن لم يكن هناك حتى أيّ اهتمام. يصعُب عليّ جداً أن أنطق بهذه الكلمة، لكن لا بد أن أقول أنه حصل كثير من التقدّم منذ ذلك الوقت. أريد أن أقول أنه على الأقل الآن هناك الكثير من الأشخاص ممن يجدون في هذه الأعمال رعباً مروّعا. لقد مضى هذا الرعب المروّع في فييتنام بهدوء بعد أن جرى بمستويات ومعدلات أعلى بكثير وعلى مدى سنوات، نعم على مدى سنوات بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ولم تكن هناك احتجاجات على الإطلاق. أقول أن الحرب في فييتنام بدأت عام 1962، كانت حرباً حقيقية ضد فييتنام الجنوبية شنّها كندي عام 1962، كانت حرباَ وحشية منذ بدايتها. كان هناك قصفٌ، وحربٌ كيماوية، كان هناك تدميرٌ كامل للتجمّعات البشرية بهدف قطع الدعم الذي يقدمه الناس لرجال حرب العصابات من سكان البلاد الأصليين، لقد تم سوق الملايين من الناس نحو ما يمكن أن نطلق عليه معسكرات الاعتقال أو الأحياء السكانية الفقيرة قرب المدن.

تطوّر الاحتجاج مع مضي الوقت، في 1966 أو 1967، تم تدمير فييتنام الجنوبية فعلياً وواقعياً. أريد أن أقول أن المحلل العسكري البارز والمختص بفييتنام والهند الصينية (بيرنارد فال Bernard Fall) وهو المحلّل الأكثر احتراما بين المحللين، وإن كان الأكثر قربا للصقور، كان يكتب خلال 1966 و1967 مستغرباً ما إذا كانت فييتنام ستنجو من الانقراض نهائيا ككيان تاريخي وثقافي لما شاهده من تعرّض البلاد لأعنف هجمات القصف والتدمير لم تتعرض له أي منطقة في العالم بمثل حجمها. في الواقع لم يكن هناك تقريبا أي احتجاج على مدى سنوات. الأمور الآن سيئة، لكن الكثير من التحسن طرأ على مدى السنوات الثلاث والثلاثين الماضية.

علام: هذا يعيد إلى الأذهان، بالنسبة إليّ على أي حال، نصاً مقتبسا من كتاب لمارك توين (يانكي كونيكتكت Connecticut Yankee) ربما ستجد شيئا فيه للتعليق عليه. كتب توين عن الثورة الفرنسية، أعتقد أنه كان يتكلم عن:

"كان هناك على الدوام ‘عهدان من الإرهاب ‘Two Reigns of Terror لو تذكرناهما وتمعنّا فيهما، إذا كان الأول يجري بانفعال قوي، فالآخر إرهاب بارد مروِّع يمضي دون رحمة أو شفقة. كلاهما إرهاب مهما اختلفت تسميتهما أو طريقة إعدادهما… إرهابٌ خاطفٌ سريع، وإذا ما أردنا شرحه فهو أينما كان يشبه الموت السريع بواسطة فأس. وسمة الآخر موت بطيء مستمر مدى الحياة، موت من الجوع، والبرد، والإهانة، والقسوة، والحسرة الساحقة للقلب. يمكن لمقبرة أيّ مدينة أن تكون مليئة بجثامين ذلك الإرهاب الخاطف السريع الذي علّمنا آباؤنا كيف نرتعش منه وكيف نتفجّع ونلبس ثوب الحداد على ضحيته. لكن فرنسا كلها نادراً ما تحتضن جثامين ذلك الإرهاب القديم والحقيقي، ذلك الإرهاب المُرّ والفظيع الذي لا يمكن وصفه لشدة بشاعته، الذي لم يُعلمنا أحدٌ كيف يتوجب علينا أن ننظر إلى سعته أو نرثي ضحاياه بالطريقة التي يستحقونها.

هل تعتقد أن من مهام الاتجاه السائد لوسائل الإعلام عدم السماح برؤية ضخامة النوع الثاني من الإرهاب بالصورة التي يستحق أن نراها، وعدم السماح بالترحّم على ضحايا جرائمه، وهل يعكس هذا بكل بساطة تحامل وعنصرية المجتمع الأمريكي، أو أنه يعمل في الوقت الحاضر على خلق حالة تحيّز في المجتمع الأمريكي؟

تشومسكي: وسائل الإعلام، في هذا المجال، هي مجرد جزء من الموروث الثقافي للطبقة المثقفة التي تضمنا نحن جميعاً، بضمنهم أنتَ وأنا. أقصد، نحن لا نفضّل عدم رؤية الجرائم المرعبة التي تجري طول الوقت والتي بمقدورنا أن نعمل شيئا ما إزائها. وعليه دعني أقول ما الذي جرى خلال الذكرى السنوية العاشرة لمذابح رواندا، التي كانت مرعبة إلى حد كبير، ربما 8.000 شخص قُتل في اليوم الواحد على مدى 100 يوم. أنها مذبحة مرعبة بحق. هناك اليوم الكثير من النواح والعويل حول هذه المجزرة، هناك من يندب لماذا لم نعمل شيئاً إزاءها، نحن لم نتدخل، نحن لم نرسل قوات عسكرية، أليس هذا مرعباً. في الحقيقة نعم، كان ذلك مرعباً إلى حد كبير، لكن دعنا نلقي نظرة على اليوم.

في هذا الوقت بالذات، هناك العدد نفسه من الأشخاص تقريبا، حوالي 8.000 شخص، حوالي 8.000 طفل في الحقيقة، يموتون في جنوب أفريقيا كل يوم بسبب أمراضٍ يسهل جداً معالجتها. معدل موت الأطفال في جنوب أفريقيا فقط يساوي معدل رواندا في القتل، لكن ليس لمدة 100 يوم، بل في كل يوم ولسنين مفتوحة. هناك طريقة سهلة جدا للتعامل معه، الحل يتمثل أساساً في إرشاء مؤسسات صناعة الأدوية لتزويدهم بالعقاقير، وحد أدنى من البنية التحتية التي يحتاجونها. لكن لا أحد تقريبا يتحدث عن ذلك. أقصد القول أن ما يجري في جنوب أفريقيا أسوأ بكثير من رواندا.

علاوة على ذلك، لو قطعنا خطوة إضافية إلى الأمام وسألنا أنفسنا، لماذا نتحدث عن البربرية، أي نوع من المجتمع نعيش حيث الطريق الوحيد الذي يمكننا أن نفكر فيه لمنع مستوى رواندا من القتل في صفوف الأطفال كل يوم هو طريق رشوة الطغاة من القطاع الخاص ليعملوا شيئا ما بشأنها. ما أريد أن أقوله أن هذا بحد ذاته يتجاوز البربرية إلى حد كبير.

لكننا قبلنا بذلك، نحن لم نُفكّر بذلك، بل فضّلنا ألا نُفكّر بذلك. ليس هذا ما يقلقنا، ما يقلقنا هو ذلك الاهتمام والانتباه الذي نوليه لأي شيء يُعمل ضدنا. أما ما نعمله نحن للآخرين فلا يَهُمّ. ما أتحدث عنه هنا ليس أمراً خاصاً بالولايات المتحدة فحسب، أنها قضية عامة. أنها تتعلق، لسوء الحظ، بمساوئ ثقافات التسلّط والمجتمعات القوية.

علام: مع كل هذا الكلام الطنّان المتسم بالمبالغة عن "البربرية،" من المفيد أيضا أن نلاحظ أن المجلس التنفيذي لهيئة العلوم التابع لوزارة الدفاع، المؤلف من كِبار القادة العسكريين ورموز من النخبة المثقفة، أصدر تقريراً قبل شهرين تقريباً أعلن فيه أن مشاعر الامتعاض في العالم الإسلامي تُعزي بالدرجة الأساس إلى دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، ودعم الولايات المتحدة للدكتاتوريات العربية، وليس بسبب كراهية داخلية أو كراهية للقيم الغربية نفسها. لكن السؤال الآن، إذا كان كبار المسؤولين في البنتاغون والجيش يفهمون هذا، إذاً لماذا ينفصلون عن حقيقة ما سلموا به وقالوه بأنفسهم، أقصد ما هي تلك الضرورات الاستراتيجية الملحة التي جعلتهم يجلبون على أنفسهم كل هذا الحنق؟

تشومسكي: كان ذلك تقريرا مهماً، تقرير البنتاغون هذا الذي يتمتع بأهمية هو في واقع الأمر تِكرار، تقريبا تكرار حرفي، لتقرير أعدّه مجلس الأمن القومي عام 1958 عندما أثار الرئيس أيزنهاور الموضوع مع أركان إدارته، سألَ لماذا هناك حملة من الكراهية ضدنا في العالم العربي، وهي كراهية ليست من الحكومات بل من الشعوب. جاءه الجواب على شكل تحليل من مجلس الأمن القومي عام 1958 بالشكل التالي: لأنه يوجد فهمٌ لدى العرب أن الولايات المتحدة تساند الأنظمة الوحشية والقمعية، وهي تعيق الديمقراطية والتنمية، ونحن نقوم بذلك لأننا نريد أن نسيطر على النفط ومصادر نفطهم. كان ذلك في عام 1958. وذهب المجلس إلى القول، نعم فهم العرب دقيق، وسنواصل من جانبنا سياستنا هذه. إن هذا أمرٌ معروف جيداً منذ عدة سنوات بأن القضية كانت بهذا الشكل.

لقد تفاقم الأمر أكثر من ذلك بسياسات محددة بعينها. بعد 11 سبتمبر مباشرةً، طبقاً لما أعرفه، قامت واحدة من الصحف في الولايات المتحدة باستقصاء متكامل الجوانب للرأي العام في العالم الإسلامي، أنها صحيفة (وول ستريت جورنال). ركّزت الصحيفة في استقصائها على ما أسمتهم بالمسلمين الأثرياء، مدراء شركات متعددة الجنسية، محامون دوليون، أنت تعرف نموذج الصحيفة من الناس. في الاستطلاع لم يكن هناك قلقٌ من العولمة أو أي شيء آخر، فهؤلاء جزء من النظام الأمريكي، لكن الصحيفة توصَّلت إلى النتيجة نفسها بالضبط التي تم التوصل إليها عام 1958 عندما كتب البنتاغون تقريره. أنهم يكرهون ويخافون بن لادن، الذي يحاول تدميرهم، لكن بالرغم من ذلك عبّروا عن تفهّم للموقف الذي أعلنه بوضوح، وهُم يكرهون سياسات الولايات المتحدة، لأنها تُساند الأنظمة الوحشية والقمعية، وتعيق الديمقراطية والتنمية، وبسبب دعم الاعتداءات الإسرائيلية والممارسات الوحشية التي ارتكبتها في ذلك الوقت، وبسبب العقوبات على العراق أيضاً، التي كانت تقتل مئات الآلاف من الأشخاص وتدمّر المجتمع وسبّبت غضبا هائلاً.

تقرير البنتاغون هو مجرّد تكرار لما يعرفه كل شخص لديه عينان مفتوحتان. في الحقيقة أعتبر التقرير بمثابة مفاجأة في الولايات المتحدة، وهذا بحد ذاته يُظهر إلى أي درجة فٌضّل المثقفون أن يُبقوا أعينهم مُغلقة. ما قالوه في التقرير كان صحيحاً، فضلاً عن ذلك بإمكانك أن تقرأه ـ لقد وُضعت مفاصل التقرير وعباراته بنفس الطريقة تقريبا التي وُضع بها تقرير عام 1958، يمكن أن تعثر عليه في أي دراسة منذ ذلك الحين. علاوة على ذلك يمكنك أن تعثر عليه في أي كتاب عن الإرهاب، في أي كتاب جاد عن الإرهاب، ليس في كتاب يتحدث بصخب أو يصرخ، لكن في كتاب يتناول الإرهاب بجد وموضوعية، لنقل في دراسة ياسون بيرك Jason Burke عن القاعدة، وهو أفضل كتاب عن الموضوع، أو في أي كتاب تلتقطه من المكتبة.

إنهم لا يكرهون حريتنا، كما تعرف، أنهم يكرهون سياسات الولايات المتحدة لسبب قوي، لأن هذه السياسات قد سحقتهم لسنوات. وعليه، نعم، إنهم يكرهون السياسات. البنتاغون اكتشف ذلك للتو، لقد أعاد أكتشاف ما كان يعرفه أصلا كل شخص ذي عينين مفتوحتين، إضافة إلى ذلك فإن تقارير عام 1958 هذه قد رُفِعَت عنها السرية منذ 15 عاما تقريباً، وأنا كنت أكتب عنها في عام 1990. قراءة التقرير أفضل بكثير من مجرد الوقوف على منصة والصراخ حول الفاشية الإسلامية وكيف تحاول تدميرنا.

إضافة إلى ذلك فإن ما يُطلق عليه في الحقيقة إرهاباً بشكل عام لا يُعتبر بالضرورة هنا إرهاباً، خذ على سبيل المثال الجيش الجمهوري الايرلندي السري الذي ساندته الولايات المتحدة بشكل كبير، إنها موّلت إرهاب الجيش الجمهوري الايرلندي السري، أنه أمر مثير أن يتلقى تمويلا من الولايات المتحدة بضمن ذلك هبات الكنيسة. الأكثر من هذا أن مكتب التحقيقات الاتحادي FBI عرف ذلك دون أن يعمل شيئا. أنه أمر فظيع للغاية، لكنه ليس من دون سبب، لقد اعتمدوا على خزين من التعاطف بين صفوف السكان الذين فهموا أن المظالم التي يتحدث عنها الايرلنديون كانت حقيقية… في الحقيقة عندما استجاب البريطانيون في آخر الأمر إلى نبذ العنف ومنحوا إذنا صاغية للمظالم قاد هذا إلى تحسن جوهري، في الواقع إلى تحسن كبير. بالطبع بلفاست الآن ليست جنة، لكنها تحسنت كثيراً مقارنة مع السنوات العشر الماضية.

هذه هي القضية عموماً، وإن كل متخصص جاد بقضايا الإرهاب يعرفها. يمكنك أن تلقي نظرة لما قيل بشأنها من الاستخبارات الإسرائيلية، أقصد الرئيس السابق لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شين بيت) فقد تحدث عن هذا ـ الرؤساء الراهنون للاستخبارات لا يقدرون أن يتكلموا لكن السابقين تحدثوا، أقصد الرؤساء السابقين للاستخبارات العسكرية، وقد قال الجميع الشيء نفسه: ما لم يكن بمقدورك أن تُعامل الفلسطينيين باحترام، وما لم تمنحهم حقوقهم الأساسية، لا يمكنك أبداً أن تُوقف الإرهاب. هذا هو الطريق الذي ينبغي عليك أن تمضي به، أن لديهم مظالم، المظالم حقيقية، نحن نعاملهم بازدراء واحتقار وتدمير، نحن نسرق أرضهم ونصادر ثروتهم. هناك اليوم شيء ما يشبه الإجماع العالمي حول هذا الأمر بين الناس ممن يهتمون بهذا الموضوع.

علام: شكراً جزيلا بروفيسور، شكراً للوقت الذي منحتني.


* جُنيد علام هو نائب رئيس تحرير صحيفة (لفت هووك Left Hook) التي نشرت المقابلة بتاريخ 27 كانون الأول/ديسمبر 2004. ويمكن قراءة نص المقابلة باللغة الإنكليزية على الرابط التالي http://www.zmag.org/content/showarticle.cfm?SectionID=11&ItemID=6925

 

 إلى صفحة المقالات