ائتلاف السيستاني واختبار العلاقة مع الاحتلال

 

بقلم :ياسر الزعاترة

 

كما كان متوقعاً فقد حصل الائتلاف المدعوم من المرجع الشيعي علي السيستاني على النسبة الأكبر من الأصوات، فيما كان الاحتمال الآخر غير المستبعد هو حصول اللوائح الأخرى مجتمعة، وعلى رأسها لائحة التحالف الكردي على ما يكفي من المقاعد التي توفر إمكانية التجديد لإياد علاوي، رئيس الحكومة المؤقتة الحالية، الأمر الذي لم يحدث حيث حصلت لائحة السيستاني على أكثر من نصف المقاعد، رغم حصولها على أقل بقليل من نصف الأصوات، وذلك بعد توزيع أصوات اللوائح التي لم تتجاوز نسبة الحسم كما ينص قانون الانتخابات الذي لا يعرف عملياً إلا في الدولة العبرية.

 

لعل الملمح الأول في الأرقام المعلنة هو ذلك المتعلق بنسبة التصويت المتدنية قياساً بالحشد المذهبي في الوسط الشيعي والعرقي في الوسط الكردي، وفي هذا الملمح بعدان، يتعلق الأول بالمقاطعة الواسعة في صفوف العرب السنة بسبب موقف هيئة علماء المسلمين وقوى المقاومة، لكن الأهم من ذلك هو البعد الآخر المشكك بدوره في مصداقية الأرقام المتداولة بشأن نسب كل طائفة من طوائف الشعب العراقي.

 

الحقيقة الأساسية التي أثبتتها الأرقام هي أن من العبث الجزم بأية أرقام للطوائف والفئات العراقية ما لم يصار إلى تنفيذ إحصاء سكاني محايد يأخذ في الاعتبار التوزيعات السكانية المتداولة، أكان على أسس عرقية أم مذهبية. أما اعتماد الأرقام المتداولة فهو عبث لا يجب التعامل معه، لا سيما وهو يشير إلى ظلم واضح للعرب السنة، إذ يأخذ الشيعة أكثر من نسبتهم، وكذلك حال الأكراد الذين تقول التقديرات إنهم لا يتجاوزون في أعلى التقديرات 15% من السكان فيما يتداول بشأنهم رقم الـ(20%)، وها هم يحصلون في الانتخابات على 26% من المقاعد.

 

 

بحسب قانون اللائحة الانتخابية واعتماد العراق كله دائرة واحدة، فقد توزعت أصوات العرب السنة الغائبة على الشيعة والأكراد، وإذا أخذنا الحالة الكردية الأكثر وضوحاً، من حيث حصولها على أكثر من 40% إضافية على رصيدها الطبيعي، فإن بالإمكان نقل ذلك إلى الحالة الشيعية أيضاً، ومع ذلك فإن حسم مسألة الأرقام لن يحدث كما قلنا من دون إحصاء حقيقي ينبغي أن يتم قبل الانتخابات التالية مطلع العام القادم.

 

ما يهمنا الآن الواقع على الأرض ممثلاً في أن اللائحة التي دعمها المرجع الشيعي قد حصلت على الغالبية التي تؤهلها لتشكيل الحكومة، رغم أن ذلك قد لا يحدث بالضرورة، أكان قناعة من غالبيتها بحسنات الاختباء في هذه المرحلة خلف رجل محروق من الناحية السياسية مثل إياد علاوي، أم بسبب خلافات بين فرقائها، وهم بالمناسبة من أطياف عديدة وبينهم من التناقضات ما لا يحصى، وقد لا يجمعهم شيء سوى البعد المذهبي، «الأصولي» منه وغير «الأصولي»، الأمر الذي يعني إمكانية تحلل التحالف إلى عناصره ا لأولية، ما يتيح لعلاوي فرصة اقتناص الكثير من فرقائه بعد التحالف مع الأكراد الذين سيفضلونه على سواه من الآخرين.

 

لكن أياً من الاحتمالين لن يغير من طبيعة السؤال المطروح على هذه اللائحة والأحزاب الكبيرة المنضوية تحت لوائها (المجلس الأعلى، حزب الدعوة)، وبالضرورة على المرجعية الشيعية التي منحتها الغطاء المطلوب، وعلى رأسها السيد السيستاني، والسؤال الذي نعنيه هو إلى أين سيقودون البلاد خلال المرحلة المقبلة؟ هل سيبادرون إلى التمديد لقوات الاحتلال أم سيطالبونها بالرحيل، وأقله جدول انسحابها خلال وقت قصير؟

 

لقد باع هؤلاء طوال ما يقرب من عامين مواقفهم على الشارع العراقي، وعلى العالم العربي والإسلامي بحكاية المقاومة السلمية التي ستخرج الاحتلال، ومع أننا لم نر لهؤلاء مقاومة سلمية من تلك التي تعارف عليها العالم أجمع من مظاهرات واعتصامات ومقاطعة للاحتلال، إلا أن المعادلة اليوم لن تحتمل اللف والدوران، فهم إما أن يكونوا مع رحيل قوات الاحتلال، وإما أن يكونوا مع التمديد لها، بما ينطوي عليه ذلك من التبعية للاحتلال والحرص على مصالحه.

 

من المؤكد أن بوسعهم الاحتجاج بعدم قدرة الحكومة على الحفاظ على الأمن، لكن الوضع سيكون أسوأ بوجود قوات الاحتلال، ذلك أن قوى المقاومة التي تستهدف الاحتلال هي الأصل، ومن يستهدفون العراقيين هم الأقلية التي يمكن عزلها، لكن تبعية الحكومة للاحتلال ومطالبتها بالتمديد له سيضعها في مربعه ويجعل استهدافها أكثر قبولاً واتساعاً على اعتبار أنها تمارس عمالة طوعية لا تعاوناً يمكن الحديث عن مكان له في دائرة الاجتهاد السياسي.

 

إنهم أمام الاختبار ولن تسعفهم التبريرات السياسية بعد اليوم، فهم إما تابعون للاحتلال حريصون على وجوده ومصالحه، وإما عراقيون يحافظون على مصالح شعبهم وأمتهم، الأمر الذي لا يمكن أن يستوي مع وجود الاحتلال وفقدان السيادة والاستقلال الحقيقي.

 

إلى صفحة المقالات