05/05/2005

سراب القفز على عروبة العراق

سعد داود قرياقوس

تضمَّن الخطاب السياسي للعديد من القوى السياسيَّة التي أفرزها الاحتلال مفردات تعكس معاداة العرب والعروبة. وغدت عبارة "القومجيَّة" المفردة الأكثر استخدامًا في الأدبيَّات السياسيَّة للعراق الجديد! وغدت معاداة الأقطار العربيَّة، ولا سيَّما المجاورة للعراق، هدفًا معلنًا للقوى السياسيَّة التي ساهمت تلك الأقطار وللأسف في انبثاقها وانتعاشها أصلاً.

منذ نشأت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة كدولة مستقلَّة عن الإمبراطوريَّة البريطانيَّة، شنَّت الإدارات الأمريكيَّة المتعاقبة سلسلة حروب عدوانيَّة قامت على مبِّررات زائفة، وتحقيقًا لأهداف استعماريَّة وتوسعيَّة، ابتداء من الحرب الأمريكيَّة- المكسيكيَّة عام 1846، وانتهاء بحربها العدوانيَّة الأخيرة على شعب العراق.

لا جدال في أنَّ مشروع احتلال العراق هو مشروع تُختزل فيه كلُّ عناصر الهيمنة الاستعماريَّة التوسعيَّة. مشروع متعدِّد الأهداف والمصالح والجهات المستفيدة منه. مشروع تداخلت فيه الأهداف النفطيَّة والأمنيَّة للولايات المتَّحدة مع الأهداف التوسعيَّة الصهيونيَّة، وأهداف دول إقليميَّة ومصالحها مع أهداف حركات سياسيَّة تدَّعي الهويَّة العراقيَّة مكوِّنة خلطة تدمير العراق.

من البديهي أنَّ تحقيق هذه الأهداف يستلزم توفير مستلزمات سياسيَّة محدَّدة، ويتطلَّب ليس فقط تغيير الخارطة السياسيَّة للمنطقة العربيَّة، بل يتطلَّب أيضًا تغيير الهويَّة الوطنيَّة والقوميَّة لشعبها العربي.

لقد طرح أركان الإدارة الأمريكيَّة، ولا سيَّما الناطق الرسمي باسم المحافظين الجُدد جورج بوش الثاني، وفي أكثر من مناسبة إعلاميَّة عن عزمهم على إعادة تعريف المنطقة العربيَّة، وتغيير إطارها السياسي تحت مسوِّغات نشر قيم الحريَّة وبناء المؤسَّسات الديمقراطيَّة، ورفع معدَّلات الرخاء الاقتصادي وغيرها من الأهداف المزيَّفة والمطروحة ضمن ما يُطلق عليه "مشروع الشرق الأوسط الكبير"!

التقاء أهداف المشروع الاستحواذي الأمريكي في العراق والمنطقة، مع مصالح بعض دول الجوار وإيران تحديدًا، ومصالح بعض الحركات والأحزاب العراقيَّة ذات النزعات العرقيَّة والطائفيَّة والانفصاليَّة لم يكن غير متوقَّعٍ أو غريبًا. فقد سخَّرت إيران، العدو التاريخي لشعب العراق وعروبته، المنظَّمات والأحزاب الطائفيَّة التابعة لها للعب دورًا في تدمير العراق، وتغيير هويَّته القوميَّة، وخلق امتداد إيراني في الوسط الشرقي للعراق وجنوبه. ومهَّدت الأحزاب الكرديَّة الانفصاليَّة لدخول القوَّات المحتلَّة وعملت على تخريب وتدمير المدن العراقيَّة، وعلى سلب المنشآت الصناعيَّة العراقيَّة وتدمير أسلحة الجيش العراقي وتنفيذ عمليَّات التطهير العرقي وتغيير هويَّة المناطق العربية في شمال العراق وشمال شرقه.

هذا التزاوج الشاذ مثلَّث الأبعاد تمحور على تدمير دولة العراق الوطنيَّة والقوميَّة ومصادرة سيادتها، وعلى تغيير هويَّة شعبه العربيَّة. فحقَّقت الولايات المتَّحدة ما عجزت عن تحقيقه في حربها على شعب العراق عام 1991، واحتفلت إيران بنشوة عنصرية في انتصارها على العراق بوساطة قوَّات "الشيطان الأكبر"، بعد أن عجزت عن تحقيق انتصار على العراق خلال ثمان سنوات من حرب عدوانيَّة شنَّتها على العراق. واستثمرت قيادات الأحزاب الكرديَّة الغزو الأمريكي في تحقيق خطوة لتحقيق أحلامها الانفصاليَّة بعد أن فشلت في تحقيق هوسها العنصري عبر سلسلة من حركات العصيان المسلَّح.

أدرك مصمِّمو المشروع الأمريكي في العراق ومنفِّذوه حقيقة أنَّ نجاح مشروعهم يتوقَّف على توفير جملة من المستلزمات المترابطة. أهم هذه المستلزمات:
1. تمزيق وحدة شعب العراق وتقسيمه إلى كيانات مهمَّشة ومجرَّدة السيادة ومستندة إلى معايير طائفيَّة وعرقيَّة مغلَّفة بصيغ الفدراليَّات العرقيَّة والإداريَّة وغيرها من آليات التقسيم.

2. تغيير هويَّة شعب العراق الوطنيَّة والقوميَّة وبث الشعور العرقي والشعوبي بشكل يساعد على تحقيق النتائج السياسيَّة والاقتصاديَّة المتوخَّاة من الاحتلال، وفك ارتباط العراق التاريخي من محيطه العربي.

المطلوب إذًا تغيير هويَّة العراق كشرط ملزم لإنجاح مشروع الاحتلال. انطلاقًا من هذه الأهميَّة فإنَّ جميع القرارات والخطوات التي أصدرتها واتَّخذتها سلطة الاحتلال بما فيها قانون تفتيت وحدة العراق المعرف بـ "قانون إدارة الدولة العراقيَّة"، إذ أنَّ جوهر هذا القانون ونصوصه تشير بوضوح إلى هدف تغيير هويَّة العراق. الفقرة (ب) من المادَّة السابعة تنصُّ على أنَّ "العراق متعدِّد القوميَّات والشعب العربي فيه جزء لا يتجزَّاء من الأمَّة العربيَّة."

تشير الفقرة بشكل مغالط أنَّ الشعب العربي في العراق فقط جزء من الأمَّة العربيَّة وليس العراق برمَّته.

إنَّ المراقب والمتابع للخطاب السياسي وللمفردات السياسيَّة المتداولة منذ الاحتلال يلاحظ استخدام مفردات شاذَّة وغريبة عن الأدبيَّات المُتعارف عليها في الصحافة العراقيَّة. فقد انتشرت العبارات والصيغ الطائفيَّة والعنصريَّة، وتضمَّن الخطاب السياسي للعديد من القوى السياسيَّة التي أفرزها الاحتلال مفردات تعكس معاداة العرب والعروبة. وغدت عبارة "القومجيَّة" المفردة الأكثر استخدامًا في الأدبيَّات السياسيَّة للعراق الجديد! وغدت معاداة الأقطار العربيَّة، ولا سيَّما المجاورة للعراق، هدفًا معلنًا للقوى السياسيَّة التي ساهمت تلك الأقطار وللأسف في انبثاقها وانتعاشها أصلاً.

ليراجع القاري، على سبيل المثال لا الحصر، الخطاب الذي ألقاه جلال الطالباني يوم تعيينه رئيسًا "لبلديَّة المنطقة الخضراء". وليلاحظ عباراته المغالطة وإنكاره الواضح لعروبة العراق وشعبه ووصفه العراق بأنَّه جزء من الأمَّة الإسلاميَّة بدلاً من وصفه جزءًا من الأمَّة العربيَّة.

إنَّ عروبة العراق مسلَّمة وحقيقة تاريخيَّة لا تستطيع قوى هامشيَّة ولدت خارج رحم التاريخ من تغيرها. وإنَّ محاولات تغيير هويَّة العراق القوميَّة تبقى محاولات عبثيَّة غير مجدية. وإذا كان الاحتلال قد خلق مناخًا شاذًّا ملائمًا لنموِّ الطفيليَّات العنصريَّة وتكاثرها، فإنَّ هذا الوضع، استنادًا على كلِّ الحسابات يبقى وضعًا مؤقَّتًا وزائلاً لا محالة.

لقد شهد العراق خلال القرون الماضية العديد من التجارب الاحتلاليَّة. واستبيحت بغداد وسيطر عليها أقوام هجينة ومتخلَّفة ومعادية للعرب والعروبة، ابتداء من الفرس، مرورًا بالبيزنطيِّين والتتار والمغول والسلاجقة والصفويِّين والجلائرين والعثمانيِّين الذين امتدَّ احتلالهم لما يزيد على الأربعمائة عام. وانتهاء بالاحتلال البريطاني المقيت. وعلى الرغم من تلك التجارب المريرة، إلاَّ أنَّ شعب العراق استطاع إن يتجاوز تداعياتها،وحافظ على عروبته وعلى هويَّته الحضاريَّة المعطاء. وخرج من كلِّ تلك التجارب أكثر إصرارًا وعزيمة على مواصلة دوره الحضاري.

نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق لن تكون أفضل حظًّا من كلِّ سابقاتها، فالعراق كان وما يزال وسيبقى عربي الانتماء والهويَّة، شاءت القبيلة المحافظة في واشنطن ووكلاؤها من باعة الوطن أم أبوا. فالقفز على عروبة العراق سراب ووهم تاريخيَّين.

عن موقع دورية العراق

إلى صفحة مقالات وأراء