05/05/2005

لماذا هذه المعاداة لعروبة العراق ؟

حاطب أبو يحيى

سؤال مطروح على العرب في العراق اولا وفي الوطن العربي ثانيا، وكذلك لغير العرب في العراق وللمسلمين غير العرب. اسمحوا لي جميعا ان اثبت هذه التحديدات التي حتمتها ضرورة هذا المقال لبلوغ الغاية مما نطرحه.

لا نظلم احدا عندما نشير الى ان نظرة الاخرين من غير العرب (ارجو ان لا ينصرف الذهن الى التعميم فالمعنيون معروفون)، الى العراقي العربي الذي يفتخر بقوميته (عروبته) هو اتهامه بالشوفينيه والعنصرية. لكن غيره (الكردي، التركماني، الاثوري) له كل الحق لان يفتخر بقوميته من خلال ممارسات عدة، من التسمية باسماء قوميه الى ابسط الامور في العادات والتقاليد والثقافة. بالطبع لا عيب في ذلك والحقوق في هذا المجال مكفوله قانونا وشرعا، وحتى العادات والتقاليد العراقية المتوارثه جيل عن جيل لم تتصد او لنقل تعرقل هذه الحقوق. لكن ان يصل الامر الى التعمد في هذا الامر بما يعكس مواجهة الطرف الاخر واتهامه على اساس "انا قابل عنصريتك بالتعصب لقوميتي" فانه يحمل بتهانا كبيرا. ان ابداء التعصب القومي تجاه تعصب مفروض من قومية تمثل الاغلبيه من الشعب لا غبار عليه، ولكن لما لم تبد قومية الاغلبيه أي تعصبا تجاه القوميات الاخرى، فان تعصب هذه القوميات لا مبرر له على الاطلاق؛ وان أي تعصب تبديه هو بالاساس ذي قصد سيء يراد به تمزيق وحدة الشعب وتفضيل مصالح ضيقه لا تخدم احد، حتى متبنيها، على المدى البعيد.

ان اعتزاز العربي بعروبته اصبح عيبا يمارسه هذا العربي، لكن تفاخر غير العربي بقوميته هو اعتداد ومأثره. لماذا هذا التناقض ؟ هل العرب ابادوا الكرد على اساس عرقي؟ ام ان الحال هو اجراءات حكومات متعاقبه تجاه احزاب سياسية مارست اعمالا ذات عماله عميقة لاعداء العراق منذ تأسيسه وحتى اللحظه وروعت السكان بما فيهم الكرد تحت ذرائع شتى. لو كان الامر مقتصرا على زمان حكم صدام حسين لربما قلنا ان ما تعرضوا اليه قد دفعهم الى هذا الموقف؟ ولكن كيف يبرر موقفهم ايام الحكم الملكي وايام حكم قاسم وايام حكم العارفين؟

ام انها عادة وصفة متأصله في سلوك هذه الاحزاب؟. لماذا ينكر هؤلاء رفع البعث شعار امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، ويعدونه شعارا يمثل قمة الشوفينية؟ اليس العرب امة واحدة، اليست رسالتهم معروفة للقاصي والداني... لا بل بلغت الوقاحة باحد الكرد باتهامه العرب بانهم امة مارقة ودليله اية في القران الكريم "انا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون"، فاساء للاية واساء لنفسه في عدم فهمها. "لماذا يعيبون على عد العراق في دستوره قبل الاحتلال انه جزء لايتجزأ من الامة العربية؟ اليس هو كذلك؟ ام ان من اجل خاطر زمرة عميلة نطمس الحقائق ونتنكر لعروبتنا؟.

ان حقد هذه الاحزاب على العروبة هو الذي دفعها لان ترتمي في احضان اعداء العراق سواء الولايات المتحدة الامريكية او بريطانيا او الكيان الصهيوني او ايران، ووصل بهم التمادي لان يكونوا اداة طيعه في ايدي هؤلاء الى حد مقاتلة الجيش العراقي، سواء في التمرد في مناطق شمال العراق او في الحرب العراقية الايرانية، او في العمل مع الكيان الصهيوني واخرها الدور الوضيع في مشاركة الاعداء في احتلال العراق عندما لم يبقوا على شعرة معاوية.

نعلم جيدا ان هذه الاحزاب منذ تأسيسها تعمل على تحقيق الانفصال عن العراق لكنها كانت تدرك جيدا ان الظروف لا تسمح بذلك، ولانها ادت الدور المطلوب منها في تدمير العراق واحتلاله من الامريكان والانكليز، فقد رأت بان الفرصة سانحة. مع هذا فهي لم تطالب مباشرة، وعلى خلاف الامنيات، بالانفصال وانما طالبت وما تزال بالفدرالية على حساب وحدة العراق ارضا وشعبا. فانهم لم يتعضوا من دروس التاريخ، ويعتقدون ان هذا الزمان هو فرصتهم الذهبية لتحقيق اهدافهم، ولايبالون بالتطورات التي قد تدفع بمن يحميهم ويدفعهم ينقلب عليهم اذا ما شاءت مصالحه ذلك.

ليعلم هؤلاء والاخرين ممن يعادون العروبة، ان العروبة لم تكن في يوم من الايام ذات توجه عنصري، لانها لو كانت كذلك لما استطاعت ان تحمل راية الاسلام التي شرفها بها الله تعالى من خلال نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. رسولنا الكريم الذي لم يدع مجالا لان تتهم هذه الامة بهذا النعت الظالم حينما اطلق قوله المأثور "ليست العربية من احدكم بدم او (بأم او اب) وانما باللسان "او كما قال صلى الله عليه وسلم. وهذا القول مفهوم وابعاده وغاياته معروفة، فاين العنصرية من ذلك؟ ولكن لمن لا يريد ان يسمع او يفهم بالتأكيد لا يبالي به، واذا ما قال احدهم ان هذا قول نبي وواقع الحال غير ذلك، فنقول له كذبت. فبأرادة الله تعالى لم يشهد العراق ولا غيره من ارض العروبة صراعا عرقيا دمويا او معنويا بين العرب وغير العرب، ولن تصل الامور ان شاء الله الى هذا الحد. وكل خطط من يريد ايصالنا الى العيش في اجواء صراع عنصري ستقابل الفشل ما دامت مبادئ الاسلام الحنيف هي الأساس في الحكم على الفعل والسلوك.

الامل في شعبنا بتنوع اتجاهاته ان لا يسمح للمؤامرة ان تمر وان يتصدى لنيات ومخططات هؤلاء في جر الامور لخلق هوة كبيرة من الكراهية والبغض بين العرب والكرد. فهؤلاء لا يمثلون كل الكرد ولن يمثلون الشرفاء والاغيار منهم، فهم يريدون ان تجر مواقفهم الى دفع الاخرين (العرب وغيرهم) الى اعطاء صفة الاطلاق في التعامل مع الكرد وكأنهم حالة واحدة، فهذا هو هدفهم وهدف اسيادهم.

وهنا لابد من الاشارة الى وجهات نظر بعض القوميين العرب من اهل العراق بشأن ادعاء هذه الاحزاب بالفدرالية، فالبعض بدأ يغازلهم على حساب وحدة العراق واستقرار امنه وسلامة ارضه حاليا وفي المستقبل لاسباب معروفه، في مقدمتها الحصول على مكاسب آنية مادام قادة تلك الاحزاب يتمتعون بالحضوة عند سيدهم الامريكي. اما الاخرون فهم ينظرون الى ان الظروف التي يعيشها العراق بقساوتها وتعقيداتها اذا ما تطورت باتجاه فرض الفدرالية، فهم يفضلون الانفصال الذي يجدونه يخدم العراق في اجواء احسن بكثير من وجود تلك الاحزاب فيه. فهؤلاء يبررون هذا الموقف بانهم ليسو على استعداد لان يروا الكرد يتمتعون بحقين، حق في العراق ككل، كعراقيين، وحق اخر في منطقة كردستان الفدرالية ككرد، بينما العراقي الاخر يتمتع بحق واحد. وآخرين يدعون الى ان يتمتع الكرد بالفدرالية من اجل ان لا يخسروا وحدة العراق ارضا وشعبا ما دامت الظروف الحالية مهددة بشدة لهذه الوحدة واستمرارها.

مع هذا فان اصحاب الرأيين الاخيرين، يتمسكون بشرط اساسي ومهم، وهو انه في حالة الانفصال او الفدرالية فان منطقة كركوك لن تكون ضمن اراضي الدولة المنفصلة او الفدرالية. فلن تكون هذه المنطقة ضمن حصتهم على اساس خارطة الارض التي تحلم بها هذه الاحزاب (وعلى هذا المنوال بدأت حملات كبيرة لتهجير العرب من مناطق عدة تحت ذريعة الاصول الكردية لتلك المناطق) وانما على حقيقة خارطة العراق التي تجسد الواقع التاريخي والجغرافي. فاذا ما اتهمت هذه الاحزاب الحكومات العراقية المتعاقبة باقدامها على تغيير ديمغرافية كركوك، فلنعود الى تقرير اللجنة التحقيقية في الالوية الشمالية بشأن قضية الموصل والمعينة من عصبة الامم في 30 ايلول 1924 . يشير هذا التقرير الذي رفع الى مجلس العصبة في 16 تموز 1925 الى ان نفوس كركوك بين الالوية الشمالية كالاتي*:

عرب 35650
اكراد 47500
اتراك 26100
يزيديون –
يهود –
مسيحيون 2400
المجموع الكلي 111650

التقرير واضح فلا النظام الملكي تدخل في املاء ارقامه ولا الحكومات المتعاقبة، واغلبية السكان هي ليست كردية، فأي حق تاريخي تطالب به تلك الاحزاب بشأن كركوك؛ اما اذا كان مراهناتهم على دعمهم للاحتلال، فهذا امر خاضع للتساؤل من العراقيين جميعا، بما فيهم الكرد المخلصين لعراقيتهم.

ان عروبة العراق هي حجر الزاوية في مواجهة الاحتلال ونفوذ الشعوبيين، لذا يعمل الاثنان على تقويض العروبة وطمس هويتها ما استطاعوا الى ذلك سبيلا. فالعربي والكردي والتركماني كلهم معنيون بالأمر، فإضعاف العروبة هو إضعاف لهم جميعا لأنها الغطاء الذي يغطي الجميع بغض النظر عن الانتماءات المذهبيه او السياسية.


* عبد الرزاق محمد اسود "موسوعة العراق السياسية" الملحق رقم 37- الدار العربية للموسوعات.

 

إلى صفحة المقالات