20/07/2005

 

الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر عصب النظام السياسى الاسلامى 

بقلم: مجدي حسين

 

" و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون " 104 آل عمران

"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله "  110 آل عمران

كتبت دراسة مطولة على ضوء هاتين الآيتين "الجهاد صناعة الأمة - بحث فى فريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر " فهل يمكن أن نزيد عليها الآن . نعم و لكن من زاوية كشف طبيعة النظام السياسى الاسلامى ، فقد كان بحثى السابق ينصب على فريضة المعارضة السياسية فى الاسلام ، و وجوب و حتمية مواجهة الظلم و الظالمين الاستكبار و المستكبرين ، و ان ذلك ليس جزءا متمما للعقيدة فحسب بل هو فى جوهرها .

 

أما الزاوية التى نركز عليها فى هذه الدراسة ، فهى اكتشاف ملامح النظام السياسى الاسلامى من خلال هذه الفريضة الجوهرية ، التى أعتبرها الله سبحانه و تعالى دليل و قرينة و شرط أن تكون أمتنا هى خير أمة أخرجت للناس ، بحيث ان التخلى عن هذه الفريضة يفقدنا صفة الخيرية . و يفقدنا بالتالى عبوديتنا لله عز و جل .

إن تدبر المعانى العميقة لـ " الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر " يصل بنا الى الجهاز العصبى الذى يحكم جسد المجتمع المسلم ، و انه نظام اجتماعى شامل على جوهره و محوره يقوم نظام الشورى ، و من الملفت للانتباه أن آية الشورى سترد بعد قليل فى سورة آل عمران و كأننا أمام عملية تركيبية متصاعدة لهيكل النظام الاسلامى : (1) العدل أساس الحكم .  (2) شروط و مواصفات الحاكم بعد العدل : العلم - الكفاءة - السلامة الجسدية و الصحية .  (3) لا إكراه فى الدين.  (4) سنة التدافع.  (5) الأمر و النهى .  (6) الشورى .

و يتفق العلماء و المفسرون و الفقهاء بلا خلاف حول المعانى الأساسية لفريضة الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ، و يمكن أن نجملها فى التالى :

أولا : أن دائرة الأمر و النهى أوسع من دائرة الحلال و الحرام ، فاذا كان من الطبيعى ان يشمل المعروف الحلال ، و المنكر الحرام ، و الحلال بين و الحرام بين ، و بينهما أمور متشابهات يحسمها العلماء . إلا ان المنكر قد يشمل أمورا مباحة فى حد ذاتها ، و لكنها فى زمان و مكان محددين تكون ضارة بالمجتمع . مثلا لا شك أن تعمير الصحراء حلال و مطلوب ، إلا ان دراسة جدوى لمشروع محدد (كمشروع توشكى مثلا ) يمكن ان تثبت أنه اهدار للمال العام دون جدوى اقتصادية من أجل صناعة مجد شخصى زائف للحاكم ، و من هنا يكون انتقاد المشروع و النهى عنه أمر واجب شرعا

اذن فان دائرة المعروف و المنكر تمتد لتشمل كل جوانب الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية  و من بينها أمور قاطعة تمس دائرة الحلال و الحرام و لا تحتاج لأى إجتهاد ، و هناك أمور تحتمل وجهات النظر و تحتاج للعلماء و المتخصصين كى يحسموها ، و هى الأمور المتعلقة بالمصلحة ، و لكننا سنجدها فى النهاية تنضبط بقواعد الشرع ، و لاشك أن كثيرا من هذه الأمور سيرد تفصيلها عند الحديث عن نظام الشورى .

و هناك إعجاز بلاغى فى تحديد هذين المصطلحين "المعروف" و "المنكر" ، فالمعروف هو الشئ الذى يعرفه الناس و المنكر هو الشئ الذى يجهلونه ، كما نقول ببساطة فى حديثنا اليومى : هذا شخص معروف و هذا شخص نكرة . و هذا المعنى يشير الى أن فطرة الانسان تدله على الخير و تعزفه عن الشر ، و لذلك جبل الانسان على انكار الأعمال الشريرة التى يرتكبها ، و لا يوجد انسان عاقل و متزن يجاهر بأعماله الشريرة ، بل هو ينكرها أمام الناس و ليس فقط عندما يقع فى يد العدالة .

إذن دائرة الأمر و النهى تشمل شتى أمور المجتمع و تتطابق مع ما نسميه الآن العمل السياسى و لكن بالتسلح بالمنهج الربانى ، و عموده الفقرى : الحلال و الحرام و لكنه يشمل أيضا الأمور و القضايا و المشكلات المستجدة التى تحتمل وجهات  نظر لكن لابد ان تحسم باستبيان الأمر الشرعى من العلماء و المتخصصين و استقرار المجتمع بوسائل الشورى على تصنيف المسألة المستجدة بين المعروف و المنكر ،لأنها كما ذكرنا قد تكون أمور ليست محرمة فى حد ذاتها . لذا نرى الآية الكريمة "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر" جاءت لتشمل كافى مناحى الحياة ، و ليست كما اختزلها البعض فى عدد من النقاط التى تمس العبادات و الأخلاقيات فحسب (كالخمور و اللهو الحرام و ارتداء الحجاب و ايقاف العمل أثناء مواعيد الصلاة ، و معاقبة المفطر علنا فى شهر رمضان ( .

 

ثانيا : ان الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر واجب على كل مسلم و مسلمة و ليس مجرد حق ، و هذا ما يرفع مستواه الى أعلى من مستوى الحقوق فى المفهوم الديموقراطى الغربى ، فالحق يمكنك ان تستخدمه أو لا تستخدمه ، أما الواجب فيتعين عليك القيام به كى يصح اعتقادك الدينى ، و بالتالى فان ممارسة "الأمر و النهى " قربى لله سبحانه و تعالى الذى يحض عليها ، و يعتبرها من جوهر عبادته ، و اعتبار ان هذا واجب "و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يقيمون الصلاة " يرفع من مستوى الأداء الاصلاحى للمجتمع ، لانه لا يحتمل التقصير فيه ، و لا يجعله اختيارا ، فتزداد عناصر مقاومة الجسد للأمراض الاجتماعية ، فيصبح "الأمر و النهى " هو كرات الدم البيضاء التى تطرد الخبث من الجسم و تحصاره ، تصبح جهاز المناعة الطبيعى عندما يعمل فى أقصى درجات فاعليته .

فى التجربة الديموقراطية الغربية ، أنت غير مطالب بمواجهة الاعوجاج فى المجتمع ، فأنت حر طالما تتصور ان الاعوجاج لا يمسك فى عدم الالتفات إليه و اصلاحه .

مثلا عندما تنشر الصحف الأمريكية عن فساد تشينى ورامسفلد (استغلال علاقتهما بشركة هاليبورتون) و فساد بوش نفسه (فضيحة أثرون ) ، فمن السهل أن تطوى هذه الصفحة و كأن شيئا لم يكن ، و لا يشعر أى مواطن أمريكى بأنه مطالب بمتابعة القضية الى النهاية ، و لا يوجد فى المعتقد الدينى أو السياسى ما يحض على ذلك .

و أثناء زيارتى للولايات المتحدة دار حوار ذا مغزى بينى و بين مرافقتى ، فقد لاحظت استيائى الشديد من السائق الذى لا يخفى شذوذه الجنسى ، و انه يريد ان ينتهى من توصيلنا حتى لا يفوته موعده مع صديقه . و أخذت أسألها هل يمكن للشاذ جنسيا أن يكون عضوا فى الكونجرس ، قالت نعم يمكن خاصة فى مناطق تمركزهم مثل هنا فى سان فرانسيسكو.

و سألتها هل يمكن للوزراء و الرئيس أن يكونوا من الشواذ ، قالت : ليس بعد .

و لكنها عادت لتسألنى : لماذا أنت مهتم و منزعج من الأمر لهذا الحد . فقلت لها : ما رأيك أنت هل ترين أن الشذوذ الجنسى أمر طيب و طبيعى . قالت : لا  ، و لكن لا أهتم بهذا الأمر فسألتها ما هو شعورك اذا كان شقيقك مثلا شاذ جنسيا ، قالت : ان الأمر لا يعنينى فى شئ و لا يهمنى إن كان شاذا أم لا .

فهكذا رغم أنها لا تقر الشذوذ الجنسى فى حد ذاته ، إلا انها محايدة إزاء المنكر ، الذى تحول فى عرفها - و عرف كثيرين فى الغرب - الى مجرد اختيار و حرية شخصية ، لا يستأهل حتى تغيير المنكر بالقلب . أما فى عقيدتنا فاننا مأمورون بتغيير المنكر و مقاومته سواء ارتكبه القريب أو البعيد، الصغير أو الكبير ، الذى نعرفه أو الذى لا نعرفه . فأى المجتمعات أكثر إصلاحا و رقيا و حصانة و أخلاقية .

 

ثالثا : و هذا ينقلنا الى النقطة الأكثر جوهرية ، و هو عموم الالتزام بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر لكل المواطنين . لاحظ تعبير (كنتم خير أمة ) أى انه يشمل الأمة بأسرها . فنحن أمة "يسعى بذمتهم أدناهم" يحكمنا الحديث الشريف (كلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته ... ) بدءا من الحاكم حتى الخادم . و (الدين النصيحة ) . يفتخر النموذج الفكرى الغربى بأنه يعلى أكثر من شأن الفرد و الفردية ، و نحن ندعى ان النموذج الاسلامى يعلى أكثر من شأن الفرد و لكن بصورة تخدم الفرد و الجماعة معا و تعلى من شأنهما ، فكما رأينا فان التقويم واجب (و ليس مجرد حق ) لكل فرد فى المجتمع  ، و أن كل فرد لديه حصانة و هو يقوم بذلك ، حصانة مباشرة من الله و رسوله، و لا توجد فرقة بعينها أو كهفوت بعينه ، يختص بهذا الأمر ، كما ان المقامات رغم أنها محفوظة إلا أنها لا تعيق أى فرد من ممارسة الدعوة و النقد تجاه أى فرد ، حتى و ان كان الأخير حاكما أو كبير المقام . و على خلاف وصف أحد مفكرى الغرب بأن المجتمع الرأسمالى الغربى هو حرب الجميع ضد الجميع ، فان المجتمع الاسلامى هو إصلاح الجميع للجميع .

(و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر ) كما جاء فى سورة العصر التى قال عنها الامام الشافعى : (لو تدبر الناس سورة العصر لكفتهم ) و تواصوا بالحق أى أوصى بعضهم بعضا . و هو نفس المعنى الذى ورد فى نقد بنى اسرائيل (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كان يفعلون ) أى لم ينه بعضهم بعضا .

و لاشك أن النموذج الديموقراطى الغربى - من هذه الزاوية - أقرب الى الاسلام من النموذج الاستبدادى و لكنه لا يرقى الى المستوى الاسلامى الذى هو أكثر "ديموقراطية" ان جاز التعبير ، اذا كان الفهم الشائع لـ "الديموقراطية" هو الحريات الأكبر للناس ، للمساهمة فى ادارة المجتمع ، و المشاركة السياسية . فالنموذج الاسلامى يكرس ما يسمونه الآن " المجتمع المدنى " أى " الأهلى" ، يكرس مسئولية الجميع فى المشاركة السياسية ، و انها واجبة كأمر مقدس من الله عز و جل ، و ليس مجرد حق قانونى يمكن استخدامه بصورة اختيارية .

و يكشف تاريخ حضارتنا الاسلامية أن الأمة (بمعنى المجتمع الأهلى ) كانت تتولى إدارة المؤسسات الدينية و التعليمية و الصحية و الخدمية بصورة لا مركزية و أن الدولة لم تحتكر هذه المهام كما هو الحال الآن فى زمن الردة عن أصولنا الحضارية .

و عندما نقول ان كل الناس يشاركون فى الاصلاح (الأمر و النهى) فاننا نعنى ذلك بصورة حرفية : كل مسلم و مسلمة . و أشار عديد من الفقهاء الى أن مرتكب المنكر مطالب أيضا بممارسة الأمر و النهى ، ليس على سبيل النفاق ، و لكن باعتبار ان مرتكب المنكر ليس فى حالة دائمة من الانحراف ، و فى مختلف المجالات و فى كل الأوقات ، و باعتبار أنه يشجع نفسه على الاقلاع عن المنكر حين يدعو قرناءه للكف عن المنكر ، كما قد يكون ارتكب منكرا مرة ثم أقلع عنه ( كل ابن آدم خطاء و خير الخطائين التوابون.(

و فى هذا يقول عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه "لو أن كل امرئ لا يأمر بالمعروف و لا ينهى عن المنكر حتى يلزم بذلك نفسه ، لما كان هناك أمر بالمعروف ولانهى عن المنكر و لقل الواعظون و الساعون لله بالنصيحة " .

إن "الأمر و النهى" أشبه بالماكينة الهائلة ، لها أذرع فى كل مكان ، لادارة المجتمع و تصحيح مساره يشارك فيها كل الناس ، و هى مهمة مقدسة ، اذ هى قضية دين قبل أن تكون قضية دنيا ، فهى تستهدف اصلاح الدنيا إرضاء لله سبحانه و تعالى ، و هى أيضا طريق لأن تصبح الحياة أكثر تراحما و تكافلا و انسانية .

و هذه الماكينة تعمل بشكل رأسى و أفقى و دائرى على مختلف المحاور و المستويات ، بشكل رأسى أى بين الحكام و المحكومين ،  بين الرؤساء و المرؤسين و بصورة متبادلة ، وبشكل أفقى أى بين الناس بعضهم بعضا من مستويات اجتماعية و سياسية واحدة أو متقاربة ، و بشكل دائرى أى بين أى مجموعة من الناس ( أسرة - مجموعة أصدقاء - ركاب حافلة أو طائرة - رواد أى مكان عام أو خاص .. الخ ) نجد جميع الثغرات فى المجتمع و قد تم سدها ، فى عملية اصلاح و تقويم تجرى بصورة هادئة سليمة على مدار الساعة ، كالشهيق و الزفير . و لعل الحديث الشريف هو الأفضل وصف لهذه الحالة .. "الدين النصيحة قالوا : لمن ؟ قال : لله و لرسوله و لأمة المسلمين و عامتهم " و بطبيعة الحال فان الشق الأول أى "لله و لرسوله " تعنى إتباعهم و إتباع تعاليمهما. و كذلك الحديث "جاهدوا الناس فى الله تبارك و تعالى القريب و البعيد و لا تبالوا فى الله لومة لائم و أقيموا حدود لله فى الحضر و السفر " . و الحديث:" لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرا عليه فيه مقالا ثم لا يقولوه فيقول الله ما منعك أن تقول فيه فيقول رب خشيت الناس فيقول و أنا أحق أن يخشى " . و الحديث " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة و الصيام و الصدقة قالوا: بلى قال: اصلاح ذات البين و فساد ذات البين هى الحالقة " .

اذن الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر أشبه بأجهزة الجسم التى تنظم عمله و صحته و تنقى السموم منه و تفرزها، و لكن "الأمر و النهى" لا يعمل بصورة آلية كهذه الأجهزة ، و لكن بالوعى و المعرفة و الادراك كل فى حدود علمه ، فاذا أدرك الناس مسئولياتهم أمام الله ، لأصبح "الأمر و النهى " أشبه بهذه الأجهزة التى تعمل - و كأنها - تعمل بصورة آلية تلقائية بدون طقوس خاصة أو استعداد خاص أو تحديد لفئة خاصة تتولى ذلك دون غيرها .

و تثار هنا مسألة الخشية من سوء أداء هذا الواجب ، كممارسة الأمر و النهى بفظاظة ، أو بدون علم ، أو باستعلاء و غرور ، و كل هذه المخاوف وان كانت حقيقية و يجب التوصية بالحذر منها و لكن لا محل لها اذا كان المقصود هو نزع هذا الواجب (ليس مجرد الحق) من أى مسلم . فسوء الأداء يمكن تقويمه ، و لا يؤدى الى حظر أو تقييد هذه الفريضة بشكل تحكمى ، فالانسان الفظ ينفض الناس من حوله ، و الذى يتحدث بغير علم يزور الناس عنه فورا أو بعد حين و يتجهون لمن هو أكثر علما .. و هكذا فان المجتمع ينظم نفسه بنفسه فى هذا المجال .

أما فى مجال السياسة و الدعوة العامة، فان الاسلامى الأكثر ورعا و الأكثر علما هو الذى تكون كلمته مسموعة أكثر ، و آراءه أكثر تأثيرا ، و نحن فى هذا المجال أمام حالة من الانتخاب الطبيعى . فأبو حنيفة بمجرد أن استقل بدائرة خاصة بالمسجد حتى ألتف الناس حوله و تركوا استاذه لان أبى حنيفة لديه علم أغزر . و الامام الشافعى ألتف حوله فى بغداد ستة أفراد فى البداية و لكن مع دخوله المسجد الكبير تلاشت قرابة خمسين حلقة و لم تعد هناك إلا حلقة واحدة حول الامام الشافعى .

و فى حياتنا المعاصرة نشهد نماذج قريبة من ذلك ، فالناس تتجه فى كل حى و قرية الى المسجد الذى فيه الخطيب الأغزر علما ، و تنفض عن الخطباء قليلى البضاعة ، و فى إطار الأحزاب السياسية الاسلامية فان الناس تلتف بصورة أكبر حول الأكثر إخلاصا و علما و التزاما بالاسلام ، خاصة فى الأحوال التى تكون فيها أنشطة هذه الأحزاب و الجماعات غير مقموعة ، و يمكن للجمهور التعرف عليها بسهولة و المفاضلة بينها .

 

رابعا : المسئولية الخاصة للأئمة:

اذا كان الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فريضة عامة شائعة لكل أبناء الأمة ، فمن باب أولى أن تكون مهمة الخاصة من العلماء و الأئمة و أولى الأمر من أهل العقد و الحل . و هذا ما تشير إليه الآية الأولى (و لتكن منكم) أمة أى جماعة . و كما جاء فى الآية الكريمة (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين  ( .

و المسئولية أمام الله أعظم ، و المسئولية أمام الناس و المجتمع أكبر للأئمة و القادة بقدر علمهم و معرفتهم ، و بحكم مسئوليتهم و تأثيرهم فى المجتمع ، و باعتبار أنهم النخبة القدوة للناس . فاذا لم يكونوا أمناء تحق عليهم أوصاف أحبار بنى اسرائيل ، (صنفان من أمتى : إن صلحتا صلحت الأمة و ان فسدتا فسدت الأمة : الأمراء و العلماء ( .

فهناك أمور لا يصح الأمر و النهى فيها بدون علم و تفقه خاص فى أمور الدين ، و تحتاج لاجتهاد خاص فردى أو جماعى ، كذلك يجب على العلماء عدم استخدام علمهم فى لى الحقائق و الثوابت (المعلوم من الدين بالضرورة ) لارضاء الحاكم ، أو لدنيا يصيبونها ، و يجب عليهم ألا يستشكلوا و يجهلوا الأمور الثابتة على عامة الناس . كالقول بان اتفاقية الكويز ( مع أمريكا و اسرائيل المحاربتين) حلال ، أو القول بالسماح بالخمور لتشجيع السياحة .

و لأن الاسلام لا يعرف الكهنوت ، فان أهل العقد و الحل ، من قادة الجماعات و الأحزاب ، و المفكرين الاسلاميين ، و المتخصصين من الأتقياء المؤمنين فى شتى مناحى العلوم الطبيعية و الاجتماعية ، عليهم واجب التصدى بالرأى و المشورة ، و الأمر و النهى ، و عدم ترك الأمور فى يد مجموعة من "العلماء " خاصة بعد أن أصبح العلماء تابعين للسلطان ، و يعينون من قبله ، و ترفع درجاتهم و تخفض وفقا لأوامره ، مع جهله بأصول الشرع و الشريعة .

لذلك فان مهمة الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فى القضايا الكلية التى تمس المجتمع ككل (التشريعات - السياسات الاقتصادية ، و السياسات الداخلية و الخارجية ) تتوزع على كل هؤلاء : البرلمان - الأحزاب - و الصحف - و وسائل الاعلام - و الجماعات السياسية - و الجمعيات العلمية فى شتى التخصصات. مثلا عندما يسعى وزير لردم أجزاء من نهر النيل ، فان القول الفصل فى ذلك يكون لعلماء البيئة ، الذين يقولون إن ردم جزء من النهر يؤثر سلبا على مجمل حياة الكائنات به ، و يؤثر سلبا على مساراته الطبيعية بما يضر بالبيئة العامة للوادى . ان النظم الاستبدادية التى تضرب المؤسسات الشعبية السياسية و الأهلية و العلمية أو لا تحترم آراءها تضرب واحدة من أبرز آليات "الأمر و النهى" ، أى آليات إصلاح المجتمع .

كذلك فان العلم الشرعى فى حد ذاته ليس حكرا على طائفة محددة من العلماء فان المفكرين الاسلاميين الذين تفقهوا فى الدين بصورة عصامية خاصة فى زمن ازدهار المطبعة و المطبوعات ، بامكانهم أن يفتوا فى الدين ، فى حدود علمهم، خاصة بعد أن أصبحت مؤسسات اعداد العلماء تحت قبضة الحكام غير الملتزمين بشرع الله . و بالتالى فان جوهرية ( الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ) تحتم أن يكون النظام السياسى الاسلامى ، ملتزما بحرية الرأى و التعبير ، و ملتزما برعاية و إزدهار شتى مؤسسات العمل الشعبى و الأهلى  و النقابى و العلمى ، و على رأسها البرلمان الذى له دور رقابى و لا يقتصر على التشريع ، ثم الأحزاب و الجماعات و الهيئات الشعبية كالنقابات ، و الجمعيات العلمية (جمعيات المهندسين - علماء الطبيعة - الأُثار .. الخ ) ، و أيضا هيئات الحكم المحلى الشعبى التى تجمع بين الادارة و الرقابة . و أن تكون كل هذه الهيئات بالانتخاب . و من نافلة القول التأكيد على اعادة الاستقلال للمؤسسات الدينية كالأزهر و الافتاء ، بحيث ينتخب العلماء شيوخهم  ، و  تحرير الأوقاف من سيطرة الدولة ، لأن الأوقاف فى الأصل مؤسسات شعبية .

باختصار فان ما يسميه الفقه السياسى الغربى (توازن السلطات ) هو اختراع اسلامى فى الأصل و ان هيمنة الحاكم ( أو السلطة التنفيذية) على مقدرات البلاد و العباد هى بالتحديد ضد أبسط قواعد النظام الاسلامى ، و احتكار السلطة أو ادعاء العصمة محرمتين فى الاسلام باتفاق العلماء .

و بالتالى فان المصلحة و السنن الاجتماعية تقتضى أن تكون هناك جماعات قوية و مستقلة عن السلطان حتى يمكن "للأمر بالمعروف و النهى عن المنكر " ان يزدهر و أن تكون هذه الفريضة مشمولة بالضمانات .

و اطلاق هذه الحريات لن يؤدى إلى فوضى كما يخشى البعض ، لأن الشورى - كما سنفصل فيما بعد - تأتى لتنتهى الى قرارات بالاجماع أو الأغلبية أو التوافق و التراضى فتصبح القرارات ملزمة للجميع . و بالتالى فان اطلاق "الأمر و النهى" يؤدى الى تفجير طاقات الأمة فى ابداء الرأى و الفكر ثم توحيد هذه الطاقة فى اتجاه التنفيذ بعد اكتساب القناعة الداخلية ، التى تعطى للتنفيذ ضمانات الاخلاص و الاندفاع الواثق ، و ليس عن طريق الاكراه ، الذى هو طريق و عنوان الفشل فى تطبيق أى سياسة أو قرار .

 

خامسا : ممارسة الأمر و النهى مع الحكام هو الأهم :

يقصر فقهاء السلطان ، و بعض العاملين فى الحقل الاسلامى ، الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر على الأفراد و فى أمور شخصية ، بينما أهم ما فى هذه الفريضة هو ممارستها مع الحكام ، لأن الحكام هم الذين يصلحون أو يفسدون المجتمع ككل ، ذلك ان انحراف المواطن الفرد يعود بالوبال عليه و على دائرة محدودة من المتعاملين معه ، فى حين ان انحراف الحاكم يؤدى الى انحراف المجتمع بأسره ، بما يملكه من سلطات و هيمنة عامة على شئون المجتمع .

و قد ذكرنا ان تواصى الناس بعضهم ببعض أمر أساسى لحماية قاعدة المجتمع ، و لا خلاف حول ذلك ، و لكن الخلاف حول إسقاط هذا "التواصى" مع الحكام و المتنفذين و أصحاب السطوة و الصولة و الصولجان ، خشية العواقب الوخيمة . (يا بنى أقم الصلاة و أمر بالمعروف و أنهى عن المنكر و اصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الأمور ) أى ما أصابك من الأمر و النهى . و قد توجه الأنبياء و الرسل أول ما توجهوا الى الحكام و أولياء الأمر لإصلاحهم و ادخالهم فى دين الله ، فمنهم من استجاب و أصلح و منهم من عاند و استكبر و هم الأكثر ، و لكن فى كل الأحوال لم يتخل الرسل عن مجاهدة الحكام طوال مسيرتهم ، و المقصود هنا اصلاح الحكم ، و حتى يكون الحكم لله.

جاء فى الحديث الشريف ( اذا رأيت أمتى لا يقولون للظالم منهم أنت ظالم فقد تودع منهم ) . (أفضل جهاد قولة حق عند سلطان جائر )  -  (سيد الشهداء حمزة و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله ) ، نحن اذن أمام صورة من أرفع صور الجهاد ، و الجهاد هو ذروة سنام الاسلام .

و لن نستزيد فى هذه النقطة رغم جوهريتها ، لأنها كانت أساس موضوع دراسة (الجهاد صناعة الأمة) و فيها تفصيل شديد لكل هذه المعانى ، استنادا لمئات من الأدلة الشرعية من القرآن و السنة .

 

سادسا : الأمر و النهى ليس مجرد ابداء النصيحة :

و من خصائص فريضة "الأمر و النهى" ، انها ليست مجرد ابداء النصيحة ، بل هى تستهدف تغيير المنكر بعمل فعال ، و تستهدف الوصول الى نتيجة ، و هى الاصلاح .

"من رأى منكم منكر فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه ، فان لم يستطع فبقلبه و هذا أضعف الايمان"

نحن هنا أمام حديث جامع يوضح أن الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر يتطابق مع ما نسميه الآن "العمل السياسى" ، حتى و ان كان يتضمن المفهوم الأشمل  المشار إليه الذى يتضمن شتى مناحى الحياة الاجتماعية و الشخصية بين كل الناس بعضهم مع البعض فى مسلكياتهم الشخصية الظاهرة (لاحظ تعبير "من رأى" ) أى ان المسلم لا يتتبع عورات أخيه المسلم  ، و لكن له الظاهر من سلوكه، و قد قتل الفقهاء هذا الجانب بحثا من حيث آدابه و شروطه ، و لكننا نركز - فى هذه الدراسة - على ملامح النظام السياسى الاسلامى . و تتغيير المنكر فى هذا الحديث يضع الأساس لمفهوم العمل السياسى ، و بالأخص فى مجال تغيير المنكر باليد ، و قد ركز العلماء الرسميون فى ردهم على بعض ممارسات بعض الجماعات الاسلامية ، على انتفاء حق المواطن فى تغيير المنكر باليد ، باعتبار ان ذلك من اختصاص السلطات الرسمية ، و خوفا من شيوع الفوضى . و الواقع ان هذه حقيقة منقوصة ، و ربما تنطبق على مسألة اقامة الحدود ، أى تطبيق القانون و هو بالفعل من تخصصات : الشرطة - النيابة - المحاكم .

و لكن العمل السياسى أوسع من ذلك ، فهناك سياسات للحكومة قد تتعارض مع الشريعة الاسلامية ، و هناك قوانين تتعارض مع الشريعة الاسلامية ، و ممارسات حكومية أيضا تقع فى نفس الخانة .

و بالتالى فان عقد المؤتمرات ، و تنظيم المواكب و المسيرات ، و تدبيج العرائض ، و الاعتصامات و الاضرابات ، و الحملات الصحفية ، و اسقاط النواب السيئيين خلال الانتخابات (ان وجدت انتخابات حرة! ) ، و شن حملات صحفية و سياسية لإقصاء مسئول تنفيذى أو المطالبة بمحاكمته ، كل هذه الوسائل من وسائل تغيير المنكر باليد - و قد اختبرناها و مارسناها فى حزب العمل - فى مجال المنكر الذى ترتكبه الحكومة ، و هو الأمر الأكثر أهمية فى الاصلاح العام للمجتمع .

و كذلك فيما يتعلق بتغيير التشريعات المنافية للشريعة الاسلامية ، من خلال نضال سياسى قانونى من أجل تغييرها ، عبر البرلمان (اذا كان منتخبا بشكل حر ) ، أو عبر تنظيم حملة تعبئة للرأى العام من أجل إحداث التغيير المطلوب .

و تغيير المنكر باللسان هو أحد مكونات العمل السياسى (الصحافة - الاعلام - الخطب ) و لكنه لا يتوقف على اللسان (الكلام) و لكن باستخدام شتى آليات الضغط المعروفة فى العمل السياسى المعاصر و التى أشرنا إلى أمثلتها . و بذلك يندمج تغيير المنكر باللسان مع اليد و حتى تغيير المنكر بالقلب فهو ليس بعيدا عن العمل السياسى ، لأن تغيير المنكر بالقلب يعنى - فيما يعنى - مقاطعة الظالم و عدم التعاون معه أو التودد له ، فهو نوع من المقاطعة الايجابية التى تشعر الظالم بظلمه ، و إن ظلمه يؤدى الى وجود جفوة بينه و بين الناس .

و قد مارس العلماء الأتقياء عبر التاريخ نماذج من ذلك ، حتى سعى الحكام إليهم من أجل مجرد أن يلتقوا بهم ، أو يرضوا بأى منصب من المناصب .

إذن فان "الأمر و النهى" فى المفهوم الاسلامى ليست كلمة عابرة تقال أحدثت أثرا أم لم تحدث ، فاذا جاز ذلك فى المعاملات الشخصية بين الناس ، فانه لا يجوز مع الحاكم ، فاذا أصر على منكره ، فلابد للأمة ان تواصل ضغوطها عليه من أجل تغييره ، أو خلع الحاكم ذاته ، اذا تحولت منكراته إلى خط رئيسى فى مجمل السياسات العامة ، و إلا فان المجتمع الاسلامى ذاته سيصبح فى مهب الريح . و قد عزا الأستاذ / محمد قطب فى كتابه "واقعنا المعاصر" تراجع النموذج الاسلامى فى عهود الأمويين ثم العباسيين ثم العثمانيين الى تراجع ممارسة فريضة الأمر و النهى و هو الأمر الذى أدى الى الانهيار الشامل للنظام الاسلامى فى نهاية المطاف .

 

سابعا : هل يحب تأسيس جماعات خاصة بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر :

حفل التاريخ الاسلامى بتجارب تأسيس منظمات خاصة تتخصص فى الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و هو أمر لاغبار عليه من حيث المبدأ ، شريطة ألا تحتكر هذه المنظمات هذه الفريضة التى هى سمة خيرية هذه الأمة ، و التى هى فريضة على كل مسلم و مسلمة ، حتى و ان لم يكن منتميا لأى تنظيم أو هيئة ، و هو ما نسميه فى العمل السياسى المعاصر (المستقلين)

و تجربة "الحسبة" فى التاريخ الاسلامى و دور المحتسب الذى تخصص فى هذا الأمر ، عابها أنها كانت منظمة حكومية تتبع الوالى أو الحاكم لذلك فقد كانت تراقب المحكومين دون الحاكم ! و فى التجارب المعاصرة (كالسعودية) عرفت جماعة الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و لكنها تخصصت كما حدث فى التاريخ فى مراقبة المحكومين .

و فى المؤسسات المعاصرة فى مصر "الجهاز المركزى للمحاسبات" و "جهاز الرقابة الإدارية" لمراقبة الهيئات العامة و صغار و متوسطى الحكام ، و لكنهما لا يتعرضا لكبار الحكام ، و أيضا يمكن الإشارة بنفس الأوصاف لجهاز الكسب غير المشروع . و رغم هذا القصور فلا بأس من وجود هذه الهيئات فى النظام الاسلامى ، و لكن دون أن تحتكرها ، فلابد من قيام هيئات شعبية مستقلة عن ارادة الحاكم حتى تستطيع أن تراقبه بحق . و ليس بالضرورة ان تسمى هذه الهيئات باسم "الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر" المهم أن تقوم بجوهر الوظيفة ، و يجب ألا تحتكر هذه المهمة منظمة أهلية واحدة .

و الحقيقة ان شمول مفهوم "الأمر و النهى" - فى اعتقادى - يجعل من الخطأ ان يتخصص فيه أحد أو هيئة ، بل هو داخل فى تخصصات و عمل شتى الهيئات الحكومية و الشعبية ، و لذلك فان هذه المهمة كما ذكرنا من قبل تتوزع على : البرلمان - الأحزاب و الجماعات السياسية - وسائل الاعلام - النقابات - الجمعيات العلمية ، كل فى مجال تخصصه. مع ملاحظة ان الأحزاب السياسية الاسلامية و التى تمثل فى البرلمان هى التى تنشط فى اطار التصورات العامة لتنظيم المجتمع ، و بالتالى فهى الأكثر أهلية فى التصدى لمهمة الأمر و النهى فى القضايا الكلية ، و لكن دون أى احتكار ، فالأمر و النهى فريضة عامة على كل المسلمين لا يحتكرها أحد أو جهة أو تنظيم أو حكومة . و هذا يضعنا على بداية الطريق للحديث فى النظام الشورى فى الاسلام (ذلك ان هناك تداخلا حتميا و علاقة عضوية بين مبدأ الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و الشورى فان كان الأول هو الأساس فى وجوب الشورى فان الشورى هى الطريق الوحيد لتنظيم الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ) توفيق الشادى - فقه الشورى صــ59

و هذا ما سنأتى إليه فى الآية التالية مباشرة حول الشورى ، التى وردت بعد ذلك ، وفقا لترتيب الآيات فى القرآن الكريم و فى سورة آل عمران بصورة تعكس الترتيب المتراكم للتصور السياسى الاسلامى ، و هو احدى الحكم التى نكتشفها فى ترتيب القرآن على النحو الحالى ،  رغم انه ليس ترتيب نزول الآيات . فبعد توضيح ان "الأمر و النهى" هو الجهاز العصبى و العظمى للنظام ، يأتى نظام الشورى و كأنه الشحم و اللحم و الأعضاء و سائر ملامح الجسد (فكسونا العظام لحما ( .

و لكن قبل الانتقال لمفهوم نظام الشورى فى الاسلام لابد من توضيح هذه النقطة :

 

ثامنا : رفض الحزبية المقيتة :

نهج الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر يكرس الأسلوب الرشيد فى ممارسة العمل السياسى و يرفض الحزبية الممجوجة و المقيتة ، و المقصود بها ذلك التحزب لحزب محدد أو جماعة أو قبيلة بالحق و الباطل و معاداة الآخرين سواء أكانوا فى الحكم أو المعارضة بالحق و الباطل ، و هذا أسوأ ما يصيب الحياة السياسية الحزبية المتعددة بالفساد و العفن . و كذلك أن تكون المواقف متغيرة حسب المصالح و الأهواء و ليس على أساس معايير مبدئية .

أما نهج الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فليلزم المسلم بجادة الصواب فلا يؤيد إلا معروفا و لا يعارض إلا منكرا و يزن موقفه من كل حدث أو واقعة أو قرار أو سياسة بمعايير و ضوابط الشرع ، و ليس بالأهواء أو بالرغبة فى احراج الحاكم أو الرغبة فى تملقه ، و لا الرغبة فى التميز عن المعارضين الآخرين أو التقرب منهم .. الخ الخ و هى الحكمة الشائعة "نقول للمحسن أحسنت و للمسيئ أسأت" .

مع ملاحظة انه فى السياسات العامة و بالأخص فى مجال الموقف العام من نظام سياسى معين ، فلا يجوز تحديد المواقف بالقطعة أو بشكل انتقائى ، فى كل واقعة بمعزل تام عن باقى الوقائع الأخرى .

فاذا كان السياق العام لنظام الحكم فى اطار التبعية و موالاة أعداء الأمة ، فيجب عدم المبالغة اذا أخذ موقفا جزئيا على خلاف ذلك هنا أو هناك . و اذا كان السياق العام لنظام الحكم فى اطار استبدادى  فيجب عدم التهليل لأى خطوة جزئية هنا أو هناك .

و لنضرب مثلا توضيحيا فى مصر فان النظام فى ظل حالة الطوارئ لمدة ربع قرن اعتقل قرابة ربع مليون مواطن منهم 25 ألف فى المعتقل بدون تهمة منذ أكثر من 15 عاما و يتعرضون للتعذيب بما فى ذلك الكهرباء و التحرش الجنسى (وفقا لتقرير المجلس الحكومى لحقوق الانسان برئاسة بطرس غالى ! ) فى هذا السياق لا يمكن ان نعير انتباها لخبر يظهر أحيانا بالصحف تحت عنوان (موقف انسانى لوزير الداخلية ! ) و يتضح انه سمح لمعتقل بزيارة أمه التى تحتضر لمدة ساعتين و العودة مرة أخرى للمعتقل !!

اذن فى مجال السياسة العامة لا يصح ان نعمم شعار "نقول للمحسن أحسنت و للمسيئ أسأت" إلا اذا ربطنا الواقعة الجزئية بالحالة العامة حتى لا نسقط فى موقع النفاق .

أى لابد من تحديد الموقف العام من النظام الحاكم و علاقته بالصلاح أو الفساد بشكل عام قبل تحديد الموقف من واقعة محددة أو تشريع محدد ، أو سياسة معينة .

* * * * * * *  

1