20/07/2005

صدام اسمك هز أمريكا

بقلم د . عمر ظاهر

 

في يوم قائظ عام 1973. كنت وصاحبي نبتسم أحدنا للآخر ساخرين إذ مررنا بمجموعة من الناس البسطاء يرفعون لافتات وصور ويرددون منفعلين "صدام اسمك هز أمريكا". علقنا تعليقات لاذعة على الرجل الذي يحسب ان " اسمه يهز أمريكا!" أنا أعتذر الآن عن تلك السخرية! صدقوني أني أشعر اليوم باهتزاز أمريكا وصدام حسين قابع في أسره. لم يخطر ببالي أني سأعبر في يوم من الأيام عن احترامي العميق لشخص صدام ومواقفه.

قبل أكثر من مائة وخمسين عاماً كتب كارل ماركس وفريدريك انجلز في البيان الشيوعي أن هناك شبحاً يحوم في أوربا، وترتعد له فرائص الطبقات الرجعية، اسمه "الشيوعية". وقد تنبأ الرجلان بأمور كثيرة ملؤها التفاؤل والإيمان بمستقبل الطبقات العاملة وبالانهيار الحتمي للرأسمالية، حتى لكأنهما كانا يريان المستقبل رؤيا العين. شيء واحد لم يكن بإمكانهما التنبؤ به أبداً، ذاك هو أن بيانهما بعد كل سنوات الكفاح المرير في القرنين التاسع عشر والعشرين سيحتفظ بقوته وفحواه المرعب مع تغيير في غاية البساطة وهو أن الشبح الذي سترتعد له فرائص القوى والطبقات الرجعية في أوربا لن يكون اسمه بعد كل ذلك الوقت الشيوعية، بل سيكون اسم رجل من بادية العرب انتزع من فسحة الصحراء ورحبها وألقي به في ظلمات الأسر والسجن. نعم يا كارل ماركس، هذه هي الحقيقة فقد وصلت رجعيات أوربا ومعها الامبريالية الأمريكية إلى أرذل العمر وأصابها الخرف فصارت تعاني من الهذيان، وصارت تتوهم وتختلق الأشباح وكأن قدرها هو أن تعيش خائفة من شبح ما، فإن لم يكن شبح الشيوعية فشبح رجل أسير رأه العالم ويداه خاليتان من السلاح يستخدمهما لغسل بنطاله وهو في زنزانته.

وأنا أراقب هذه الضجة التي تثار في أوربا عن الشبح الجديد، تعود بي الذاكرة إلى يوم قائض في عام 1973. كنت وصاحبي نبتسم أحدنا للآخر ساخرين إذ مررنا بمجموعة من الناس البسطاء يسيل العرق من جباههم، يرفعون لافتات وصور ويرددون منفعلين "صدام اسمك هز أمريكا". وبعد أن تجاوزنا منطقة الخطر – المسيرة - علقنا تعليقات لاذعة على ذاك الذي وضع تلك الكلمات الفارغة على ألسنة أولئك الناس البسطاء، وعلى الرجل الذي يحسب نفسه ان " اسمه يهز أمريكا!" أنا أعتذر الآن عن تلك السخرية! صدقوني أني أشعر اليوم باهتزاز أمريكا وصدام حسين قابع في أسره. لم يخطر ببالي أني سأعبر في يوم من الأيام عن احترامي العميق لشخص صدام ومواقفه. صحيح أني دعوت الله في عام 1991 أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عندما استرجع قضاء الكويت، ولكن لم أغفر له أنا أنه أعتدى على بطل تحرير العراق عبدالكريم قاسم في وقت كانت الامبريالية والرجعيات العربية تتآمر على ذلك الزعيم. كان يومها غراً سامحه الله. لا لم يخطر ببالي أني سأتنبه يوماً من الأيام إلى خصال صدام حسين الحميدة، فبصرف النظر عما نشعر تجاهه لما عانينا منه (بل ربما لما عانينا من المنافقين الذين كانوا يهتفون له "بالروح بالدم"، ونجدهم اليوم يقومون بنفس الدور في صفوف مرتزقة فيلق بدر) فإن قلوبنا تتحسس الهزة فيصحو وعينا على حقيقة مدوّية وهي أن صدام حسين هو الزعيم العربي الوحيد في هذا العصر الذي قال "لا" للأمبرياليين، وبهذه الصفة لا غير فإن حذاء صدام حسين أكثر قيمة وكرامة من رؤوس حكام العرب مجتمعين.

لم يكن اولئك البسطاء الذين سمعتهم عام 1973 يبالغون، بل إنهم لم يكونوا وبكل بساطة يعرفون أنهم إنما يتنبأون بالمستقبل، فأمريكا وحليفاتها تهتز الآن تحت ضربات المقاومة العراقية التي أضرمت نارها "لاء" صدام حسين. أمريكا تعيش الآن باكورة هزائمها على أيدي العرب بعد عقود من الانتصارات السهلة التي حققتها بلا خسائر لأنها كانت تتعامل مع حكام تنقصهم الرجولة ويفتقرون إلى عزة النفس والكرامة، وكم أضاعوا تضحيات شعوبهم لأن شعوبهم غائبة أصلاً عن تفكيرهم وتخطيطهم. إن صدام حسين ظاهرة فريدة بين الحكام العرب، وسواء كرهناه أو أحببناه، فإن التاريخ سيضعه في مكان لم يرق إليه حاكم عربي، وسيعيش في ضمائر أجيال لا انقطاع لها من العرب وكل رافضي الذل والهوان عنواناً لإباء وشموخ الإنسان العربي.

بشائر الهزيمة

لم تحوّل صدام إلى شبح حل محل الشيوعية؟ البلدان التي شاركت في حرب الكذب على العراق وفي اقتراف الجرائم بحق الشعب العراقي لها كل الحق في أن تخاف من الأشباح، فمن قال أن القاتل سينام مليء جفنيه لا ترعبه الكوابيس؟ ومن قال أن الصدمة والترويع التي أرادها العجوز الحاقد رمسفيلد للعراق سيصيب أطفال العراق وحدهم؟ سبحان الله. إن الرعب والخوف لهما رائحة تنتقل في فضاءات الإنسانية عبر كل الموصّلات. والرعب الذي يعيشه الجنود الأمريكيون اليوم في فيافي العراق وفي شوارعه وعلى طرقه الخارجية هو شيء يسير من نصيب أمريكا من الصدمة والترويع التي أرادها رمسفيلد الخرف للعراقيين. للمعتدين كل الحق في أن يخافوا من الأشباح، فضحايا بهرز وتلعفر وسامراء والفلوجة والكرابلة وغيرها سيؤرقون نوم وصحوة القتلة وسينتقل الخوف والرعب في جينات هؤلاء إلى أجيال لا حصر لها في أمريكا وغيرها. ستكون صورة الفتى العربي كابوساً يلف بوش ورمسفيلد ومن لف لفهما تماماً كما كان خبر ولادة طفل عربي كابوساً للمقبورة غولدا مائير.

هذا الخوف من الأشباح هو من علائم الهزيمة الوشيكة. يقول المثل الشعبي العربي أن من لدغته حية يخاف من الحبل. حقاً فالذي أصابته ضربات المقاوم العراقي سيخاف من كل عراقي، حتى لو لم يكن هذا العراقي يحمل بندقية، إذ يكفي ليكون خطراً على الأمبرياليين أنه يكره الغزاة ويطالبهم بالرحيل. بل وقد يكون خطراً حتى لو سكت سكوت الحبل، حتى يصل الأمر إلى أن يخاف القاتل من خياله نفسه. إن القاتل وبكل بساطة لا يريد أن يذكر أحد جريمته فقد يكون ذلك محفزاً لأحد لإنزال حكم العدالة به. فلينم فتيان بهرز قريري الأعين في بساتينها التي حولها الاحتلال إلى مقابر جماعية، ليناموا ويطمئنوا فإن صورهم وهم مضرجون في دمائهم كافية لوحدها لبعث الرعب في قلوب قتلتهم. بلا شك فمن يخاف من صدام حسين وهو مقيد في الأغلال يخاف من فتيان يافعين ساروا على خطاه حتى ولو باتوا شهداء على ضفاف ديالى وفي بساتين بهرز.

لنفهم خوف القتلة

هكذا أفهم أنا الضجة التي أثيرت مؤخراً في بعض البلدان الأوربية حول قيام أنصار صدام حسين بتشكيل تنظيمات في أوربا. وقد تحدث هؤلاء عن هذا الشبح ليوم واحد ثم صمتوا، ربما لأن بعض العقلاء نبهوهم إلى أن الحديث عن خطر صدام وهو في السجن، بلا "أسلحة دمار شامل" وبلا "حرس جمهوري" وبلا "مخنبرات متحركة تكون جاهزة لاستخدام الأسلحة الكيمياوية في غضون 45 دقيقة" حديث فج يكشف رعباً داخلياً في النفس أكثر مما يشير إلى خطر ملموس في أوربا، فسكتوا. لكن الذي لا نجد له فهماً سهلاً هو أنه بينما الأوربيون سكتوا فإن غيرهم لا يسكتون، بل أعلنوا النفير العام في صفوفهم وراحوا يعرضون أنفسهم متطوعين لحماية أوربا من شبح صدام.

من هم الغير؟

لا بد أن التاريخ، في نفس الوقت الذي سيضع صدام حسين في مصاف القادة العظام الذين لم يبيعوا أوطانهم للغزاة، سيضع غيره في أماكن أخرى. إن التاريخ وضع من قبل أنور السادات إلى جانب أبي رغال، وسيضع آخرين في هذا الصف، إلا أنه سيفرد مكاناً خاصاً لأياد علاوي الذي يشترك مع السادات في أنهما كسرا حواجز نفسية، فالسادات كسر "حاجزاً نفسياً" عندما وقف بكل ذل تحت نجمة داود يعلن استسلام مصر للصهاينة. من كان يجرأ على ذلك قبل السادات؟ وأياد علاوي كسر هو الآخر "حاجزاً نفسياً" عندما وقف يتباهى بكل خسة بكونه عميلاً لأكثر من جهاز مخابرات في العالم. من كان يجرأ على هذا قبل أياد علاوي؟ لقد حوّل علاوي العار والخيانة والرذيلة إلى مفخرة. وأكثر من هذا فقد مهّد الطريق لغيره ليتباهى بالعمالة والارتزاق بطريقة أبشع، فالذي يأتي بعد علاوي سيذهب بلا شك خطوة أبعد، فربما كان أياد علاوي، على خسته ودناءته، قد سحب إلى العمل مع المخابرات الأجنبية في البداية عن طريق زلة أو صدفة (الله أعلم)، لكن الذي جاء بعده صار يتطوع ويعرض نفسه علانية وبكل رخص، لسان حاله يقول "يا سي آي أي، يا مخابرات العالم، ها أنا هنا سياسي عاهر، أكثر عهراً من علاوي والكلبي. ألا أنفعكم بشيء؟ خذوني بعشر دولارات .. بخمسة .. يلاّ بنصف دولار." هؤلاء هم الغير الذين أعنيهم، الذين تطوعوا وراحوا عبر مواقع على الإنترنيت (أولى بأسمائها أن تقبر من أن تنشر) يعرضون خدماتهم على المخابرات الأوربية يتوسلون بها لتستخدمهم ككلاب لتتبع العراقيين من "أنصار صدام حسين"!! والتبليغ عنهم، وراحوا يهتفون لرؤساء الوزارات في أوربا "بالروح .. بالدم نفديك يا ..". يا للقرود. حقاً ما يقال أن الطبع يغلب التطبع!

مع صدام أم مع المقاومة؟

إن مقاومة المحتل ليست فقط حقاً لكل إنسان يتعرض بلده للاحتلال، بل إنها ووفقاً للشرائع السماوية والقوانين الوضعية واجب مقدس، سواء كان هذا الإنسان بعثياً، شيوعياً، مسلماً، يهودياً، ملحداً، روسياً، عراقياً أو فلسطينياً، أو أو.. وعندما يكون هناك احتلال لبلد فإن كل القيم والمقاييس تتعطل وتصبح المقاومة أو التعاون مع المحتل المقياس الوحيد للشرف والمواطنة والتديّن والتقوى والحب وغير ذلك. فالعاهرة التي تقاوم الاحتلال تكون شريفة ورجل الدين التقي الورع الذي يتعاون مع المحتل يكون بمنزلة "القواد" الساقط. هذه قاعدة لم يضعها صدام حسين أو فرد غيره، بل وضعتها شعوب وأمم عاشت على ظهر هذا الكوكب من قرون عديدة. ومن لا يصدق اهمية مقاومة الاحتلال عليه أن يعود إلى تصريحات السيد رئيس وزراء الدنمارك مثلاً في الفترة الأخيرة ليلمس المرارة التي يشعر بها لأن الحكومة الدنماركية في ظل الاحتلال النازي للدنمارك قد تعاونت مع المحتل. السيد رئيس وزراء الدنمارك يصف ذلك التعاون بالأمر المقزز المرفوض أخلاقياً.

أيها الناس إذا قتل رجل أبا أحدكم فهل يذهب هذا فيقدم أمه أو أخته لوغد ليغتصبها مقابل أن يثأر له من قاتل أبيه؟ هذا هو ما يفعله الذين يتعاونون مع الاحتلال الأمريكي للعراق، يتنازلون عن شرفهم (إذا كان لهم أصلاً شرف) للأمريكي البشع ويسمحون له بارتكاب أفظع الفضائع لمجرد أنهم يكرهون صدام حسين. وهذا هو الغباء بعينه. انظروا ماذا فعل الأمريكان بالعراق في هاتين السنتين وبضعة أشهر منذ احتلالهم المشؤوم له. قالوا إن صدام حسين قصف حلبجة وأحدث ثقباً في قبة مرقد الإمام علي. أنظروا الآن: الفلوجة، النجف، حديثة، سامراء، القائم، بغداد، الموصل، تلعفر، بهرز، والحبل على الجرار. هم بأنفسهم قالوا قبل سنة إن ضحاياهم من المدنيين العراقيين بلغ مائة ألف. هل كان أولئك المائة ألف بعثيين أو من أقرباء صدام حسين؟

لكي يكون للإنسان موقف رافض للاحتلال ومقاوم له بكل الوسائل الممكنة فلا بد أن يكون شريفاً. ولكن لكي يكون الإنسان شريفاً ويدعم حق العراقيين في المقاومة فهو لا يحتاج ليكون من حزب صدام حسين أو من أنصاره أو شيوعياً أو غير ذلك، بل لا يحتاج الإنسان حتى أن يكون عراقياً. أنا أنتمي إلى جيل عاصر الثورة الكوبية والحرب الفيتنامية ثم احتلال أفغانستان والحرب العراقية الإيرانية. لقد دعمنا حق الشعب الكوبي في نيل حريته دون أن نكون كوبيين، وساندنا الشعب الفيتنامي دون أن نكون فيتناميين أو بوذيين، ورفضنا احتلال الروس لأفغانستان رغم كوننا شيوعيين، ورفضنا الحرب ضد إيران دون أن نكون من أنصار الخميني. رفض الاحتلال ودعم حق الشعوب في المقاومة لا يشترط أي شيء عدا أن يكون الإنسان شريفاً ويرفض عدوان القوي على الضعيف ونهب اللصوص والقتلة لخيرات الشعوب. إن احتلال العراق ليس غير عملية سطو مسلح دولية قامت بها دول تمارس الإرهاب واللصوصية. وسواء كان الذي يحكم العراق يوم وقوع العدوان اسمه صدام حسين أو كائن من كان فإن الاحتلال يجب أن يدان ويرفض، أما أن يتعاون العراقي مع اللص والقاتل الأمريكي كي ينتقم له من صدام حسين!؟ ها نحن نرى كيف يحرق هؤلاء اللصوص الأخضر واليابس من أجل النفط وليس من أجل أخذ ثأر أحد من صدام ونظامه.

عندما صرنا معارضين لصدام فإننا كنا نحلم بإسقاطه بأيد عراقية ومحاسبته على ما فعله بحق العراقيين، بما فيهم البعثيين. لم يكن هناك عراقي شريف واحد يقبل أن يجري إسقاط صدام حسين عن طريق حصار يقضي على مليوني عراقي ويحوّل ملايين أخرى إلى شحاذين في كل دول العالم، ولم يكن هناك إنسان شريف واحد يرضى أن يجري إسقاط صدام حسين بالحرب والاحتلال. لقد أسقط العراقيون منذ عام 1958 حكومات وأنظمة عديدة، وكان ذلك يتم في كل مرة بطائرتين وأربع دبابات ولواء أو لوائين من العسكر. لماذا استوجب إسقاط صدام حسين ذلك الحصار الإجرامي وحرباً تشارك فيه ثلاثين دولة، مرتين؟ إنهم لم يأتوا لإسقاط صدام حسين بل لإسقاط العراق كدولة وككيان. وأنا من الناس الذين قرروا من اللحظة الأولى للحرب والاحتلال أن صفحة معارضة صدام حسين قد طويت وصار أمام العراقيين إن كانوا يعون ما يدور حولهم، عدو أخطر اسمه الاحتلال الانغلو-أمريكي-الصهيوني. فالكارثة التي جاءت أكبر من كل الكوارث السابقة. وأنا أفهم أن بعض العراقيين السذج الذين يعيشون في اوربا الغربية ظنوا خيراً بالمحتلين متوهمين بأن هؤلاء ذهبوا إلى العراق لكي يخلقوا هناك نظاماً ومجتمعاً كالذي يعيشون فيه في أوربا. وتبين لهم الآن أن هؤلاء ذهبوا إلى هناك لينهبوا ويسرقوا ويذلوا ويفسدوا ويعبثوا. لقد أسقطوا صدام حسين ولكن ليس من أجل سواد عيون الشيعة ومن أجل الديمقراطية، بل من أجل النفط.

لا بأس أن يكره البعض صدام حسين لأنه هجّرهم إلى إيران أو منعهم من اللطم والتطبير في عاشوراء. ولكن أن يتطوعوا ويقدموا أمهاتهم للمعتوه بوش لأنه ثأر لهم من صدام. لأي شيء يثأرون؟

من يعدل الكلب الأوربي؟

لي كلمة عسى أن يفهمها العقلاء. لقد قضيت في الدنمارك أكثر من 17 عاماً بينما صدام في الحكم، وكنا نسمع أن مخابرات صدام تملأ الدنمارك، لكني ورغم كل نشاطاتي ضد صدام لم أتعرض في يوم من الأيام لمضايقة من مخابراته. واليوم في ظل "ديمقراطية البساطيل الأمريكية" يتصرف أزلام الحكومة العميلة في العراق باعتبارهم امتداداً لميليشسيات تلك الحكومة في اوربا ويقومون بدور المخابرات وكأنهم في العراق، فيتجرأون على مضايقة وتهديد الناس عبر التلفون وهم في بيوتهم، ويطلقون التهديدات ضد العراقيين إن هم عادوا إلى العراق، بل ويشكلون عصابات لملاحقة من يسمونهم "أنصار صدام"، وكأن أوربا أصبحت "حارة كلمن ايدو ألو". لهؤلاء أقول: أيها السادة متوهمون أنتم إذا حسبتم أن الدنمارك، ولكون حكومتها تشارك في احتلال العراق، قد أصبحت حديقة خلفية لميليشيات بدر أو غيرها. احذروا لأن الحكومات في هذا البلد تأتي وتذهب، لكن يد القانون تظل أقوى من الحديد، ووطأة القانون لن تشعروا بها إلا ساعة يتخلى عنكم اسيادكم وتجدون أنفسكم وأعمالكم وجهاً لوجه مع القانون وحده. أنا وكثيرون مثلي لا نفكر أصلاً بالعودة إلى العراق طالما هناك احتلال وميليشيات المرتزقة الذين أعمى الحقد بصيرتهم فلم يعودوا يفكرون إلا بالثأر بأي ثمن. ثم احذروا لإنكم تحفرون قبوركم بأيديكم في أوربا، فاليمين المتطرف يتربص بكم الدوائر، فإن أقدم أحدكم على حماقة فلا تظنوا أن ذلك سيسجل في خانة "النضال من أجل الديمقراطية في العراق" بل سيدخل في سجل الإحصاءات الرسمية تحت عنوان "ممارسة العنف في صفوف الأقليات العرقية، خاصة المسلمة"، وستكتب الصحف عن تزايد هذا العنف وسوف يستخدم كدليل على عدم اندماج المسلمين في المجتمعات الأوربية، خاصة وأن أنظار المجتمع موجهة اليوم بشكل استثنائي إلى اللاجئين القادمين من جنوب العراق فهم بؤرة للمشاكل الاجتماعية. ووالله صدقوني أن اليمين لا يميزكم عن صدام حسين قيد شعرة، فعندهم أنتم جميعاً عرب أو مسلمون لا تستحقون الحياة، ويجب طردكم. وخدماتكم الطوعية لن ترفع مكانتكم، بل بالعكس فإن كل شرطي تعرضون خدماتكم عليه سينظر إليكم باحتقار واستصغار، وهم لن يعدلوكم مهما نبحتم من أجل "الديمقراطية" بكلب دنماركي، وبالنسبة لهم لو وضعوا مثل هذا الكلب في كفة ميزان ووضعوكم أنتم جميعاً في الكفة الأخرى ومعكم الجعفري والحكيم والطالباني وزيباري وسبعين آية الله متعاون مع الاحتلال فإن كفة الكلب الدنماركي سترجح في نظرهم. والحق  إنهم محقون في ذلك.

وإلى لقاء قريب في عراق نظيف خالٍ من المحتلين ولاعقي بساطيلهم من الجرذان المختبئة بمنطقة الدهاليز الخضراء.