20/07/2005

من المسئول عن قتل المدنيين في العراق ؟

بقلم المحامي حسن بيان

 



وفي مقارنة بسيطة لنسبة الخسائر التي تقع بين المدنيين عند تنفيذ المقاومة لعملياتها ضد أهدافها المحددة وبين الخسائر التي تقع بين المدنيين عند تنفيذ قوات الإحتلال وتلك المرتبطة لعملياتها العسكرية الأمنية، يتبين أن المدنيين هم الذين يدفعون الثمن الباهظ في الأرواح والممتلكات عند تنفيذ الإحتلال لعملياته.

لقد قيل وكتب كثيراً حول الوضع في العراق، وسيبقى الإهتمام السياسي والإعلامي منصباً عليه نظراً للأهمية التي يحتلها الموقع العراقي في الخارطة العربية الجغرافية والسياسية، وفي الخارطة الإقليمية جغرافياً وسياسياً أيضاً.

وبإختصار شديد، فإنه بعد عامين واشهر على إحتلال العراق، وبعد عام ونيف على محاولة تمرير الكذبة الكبرى بنقل السيادة للعراقيين – لم يتغير شيئاً على معطى الواقع الميداني ولا على معطى الواقع السياسي.

فالإحتلال ما يزال قائماً، ومقاومة هذا الإحتلال هي الحاضر الأكبر في حياة العراقيين أياً كانت مواقعهم وإرتباطاتهم السياسية، فالمنخرط بالعمل المقاوم بقي على ثبات موقفه والمرتبط بقوى الإحتلال والمستقوى بها بقي على إرتباطه وإستقوائه بها ومن يقف في الدائرة الوسطية، يراقب ويعمل لتحين الفرص علّه يجد له دوراً أو موقعاً في ساحة الفعل السياسي.

هذا الثابت في الواقع العراقي لم تغير معطياته، ما سمي بإنتخابات تشريعية جرت في ظل حراب الإحتلال، ولا تشكيل حكومة مؤقتة تشرف على تشكيل الهيئة المناط بها وضع مسودة ما يسمى بالدستور الدائم الذي في حال أنجز في موعده في آب /2005 سيتم الإستفتاء عليه في تشرين الأول ومن ثم إجراء إنتخابات تشريعية في نهاية العام.

إذاً، الوضع السياسي في العراق بعيداً عن تفاصيله، يُلخص بوجود طرفين أساسيين. الإحتلال بكل تشخيصاته وتحالفاته، والمقاومة بكل مكوناتها وطبيعة خطابها السياسي المشدود إلى حلقته المركزية التي لا ترى حلولاً وسطية مع الإحتلال.

ومع هذين النصابين للوضع السياسي في العراق تستمر المواجهة بين الطرفين المتصادمين ميدانياً على ساحة العراق. مع بروز مؤشرين بالغي الأهمية.

المؤشر الأول ويتعلق بالمركز المقرر في قوى الإحتلال والمقصود بها أميركا، حيث بدأت تشعر إدارة الإحتلال أنها تواجه مأزقاً جدياً في العراق وأن هذا المأزق بدأ ينقل ثقله الضاغط من ساحة المواجهة الميدانية إلى الداخل الأميركي، بحيث لم يعد الإحتلال الأميركي وما يواجه به من مقاومة في العراق هماً للقوى العسكرية الآخذة خسائرها في الإرتفاع والإزدياد، بل أصبح هماً أميركياً، لم يجد الرئيس الأميركي مناصاً إلا الإعتراف بصعوبة الوضع في العراق لكن مع إستطراد بأنه لن ينسحب.

والمؤشر الثاني: هو إتساع دائرة الفعل المقاوم وقدرته على التكيف مع معطى الوضع الداخلي برغم كل تعقيداته وعدم قدرة آلة الحرب الأميركية على شل فعاليات المقاومة.

في غمرة هذه المواجهة الآخذة بالإتساع على مستوى التقابل الميداني والتفاعلات السياسية، بدأت ترتفع أصوات تطرح وضع المدنيين لتقدير عند البعض بأنهم أصبحوا هدفاً للعمليات العسكرية دون غيرهم.

بداية، إننا ندين التعرض للمدنيين من أي جهة حصل هذا التعرض، وذلك ليس لأن قوانين الحرب تدعو لحماية المدنيين في أوقات الحرب وحسب، بل أيضاً لأن القانون الإنساني يحرم التعرض للمدنيين في أوقات الحرب كما في أوقات السلم.

لكي يبقى المطلوب تحديد من هو المدني؟ هل هو كل من لم يرتد اللباس العسكري ومن ليس منتظماً في جهاز محض عسكري أم أنه يتسع تعريفه ليطال كل من يعمل في مؤسسات شبه عسكرية نظامية أم غير نظامية، أو في مؤسسات أمنية رسمية أم غير رسمية، ومن يعمل في قطاع الخدمات المرتبط بأنشطة المؤسسات العسكرية؟

إذا إعتبرنا، أن الصفة العسكرية ترتبط بالوظيفة وليس بالزي العسكري، فذلك يعني أن العسكري تنطبق على كل من يرتبط بعمل عسكري متخصص أو بعمل في مؤسسات شبه عسكرية أو بمؤسسات تؤدي وظيفة أمنية.

وهذا يعني تحديداً، أنه لا يعتبر مدنياً من ينخرط في أجهزة الجيش والشرطة ومؤسسات الخدمات الأمنية الخاصة والعامة والعاملين في هذه المؤسسات والأجهزة وإن كانت طبيعة أعمالهم إدارية أو مدنية.

ومن التعميم إلى التخصيص:

1- إن قوات الإحتلال الأميركي وتلك المرتبطة والمتحالفة معها ليست مدنية.
2- إن المؤسسات والأجهزة التي تؤدي وظيفة في خدمة الإحتلال سواء كانت هذه الوظائف تتعلق بالجهد اللوجستي أو بتوفير الخدمات لقوات الإحتلال تخرج عن تصنيف المؤسسات المدنية، لأن عملها يرتبط بتسهيل الجهد العسكري لقوات الإحتلال.
3- إن المؤسسات والأجهزة التي تؤدي خدمات أمنية لقوات الإحتلال تخرج عن تصنيف المؤسسات المدنية وبالتالي فإن العاملين فيها لا يمكن تصنيفهم مدنيون.
4- إن الأجهزة والمؤسسات التي تشرف على إنشائها وتجهيزها قوات الإحتلال لتقوم بمهام أمنية، كمؤسسة الجيش والشرطة ليست مؤسسات مدنية بطبيعتها ووظيفتها.
5- إن المؤسسات شبه العسكرية والتي تؤدي عملاًً رديفاً للعمل العسكري الإحتلالي، كالميليشيات وما شابهها ليست مؤسسات مدنية وبالتالي فإن العاملين فيها ليسوا مدنيين وإن لم يرتدوا الزي العسكري.
6- إن الأشخاص الذين يستخدمون كمخبرين وإدلاء لقوات الإحتلال وتلك المرتبطة والمتحالفة معها، ليسوا مدنيين، لأن ما يقومون به يخدم الجهد العسكري والإستخباراتي لقوات الإحتلال.

هذه الفئات الست سواء كان المنتمون إليها من خارج العراق أم من داخله، هي غير مدنية، وتالياً، وقبل أن تجعلهم القوى المقاومة للإحتلال هدفاً لها، تكون هي قد وضعت نفسها في خندق واحد تحت يافطة إصطفاف سياسي واحد يديره المركز المقرر في الإحتلال.

إن طبيعة المواجهة الدائرة على أرض العراق وإستهدافاتها السياسية هي التي تحدد طريقة التعامل بين طرفي المواجهة.

وإذا كان الإحتلال يسعى بقواته الذاتية المباشرة والقوى المرتبطة به أو تلك التي يشرف على تكوينها لتمكين مشروعه السياسي من الثبات، فإن القوى المواجهة لهذا المشروع تعتبر أن إفشال هذا المشروع وعدم تمكينه من تثبيت إقدامه يتم عبر ضرب مرتكزاته العسكرية والأمنية وكل من يساهم في خدمة الجهد العسكري لقوات الإحتلال ومن يؤدي وظيفة خدماتية أمنية كانت أم سياسية وتخدم في النهاية مشروع إحتلال العراق.

فالإحتلال، هو الأصل والمؤسسات والأجهزة التي أنشأها والتي يشرف على تكوينها هي الفرع. وأن مقاومة الأصل تستوجب مقاومة الفرع، لأن الثاني في خدمة الأول.

وعلى هذا الأساس، فإن المقاومة التي إنطلقت متصدية للإحتلال المباشر، لا تستقيم مهامها وتعطي نتائجها الوطنية المرجوة إلا إذا حالت دون الإحتلال من إقامة التشكيلات الواجهية والتي يريد إستخدامها واجهات أمامية وخطوط دفاعية عن قواته ولهذا، فإن عدم تمكين قوات الإحتلال من إقامة المؤسسات الإرتكازية الأمنية يجعلها في دائرة المواجهة المباشرة ويسقط خطتها في إقامة البدائل العسكرية والأمنية.

وبهذا ما يقدر ما يجعل قوات الإحتلال والأميركية منها بشكل خاص في حالة إنكشاف أمني، فإنه يجعل التشكيلات السياسية التي تشرف عليها إدارة الإحتلال محاصرة في دائرتي الموقف السياسي والمساحة الأمنية.

ولو قاربنا العمليات التي تقوم بها المقاومة في العراق لوجدنا، أنها تستهدف قوات الإحتلال وما يسمى بالحرس الوطني وعناصر الشرطة والمؤسسات التي تؤدي خدمات أمنية خاصة وجواسيس الإحتلال وعملائه والمرتبطين به والميليشيات التي بدأت تحضر نفسها لدور أمني رديف لقوات الإحتلال.

أما إذا ما أصيب مدنيون في حال تنفيذ المقاومة لعملياتها، فهذا ليس لأن المدنيين هم المستهدفون، بل لأن الإحتلال يعتمد على مساحة العراق بكل ربوعه، ويتواجد في كل مدنه ويتحرك على كل طرقاته، وبطبيعة الحال أن يذهب ضحايا أبرياء من المدنيين عند تنفيذ العمليات ضد قوات الإحتلال وضد القوى المرتبطة به والتي تحضر لتلعب دوراً أمنياً وعسكرياً بديلاً واجهياً أو أمنياً مستوراً.

ويبقى التساؤل، هل إستهدفت المقاومة مؤسسات خدماتية خاصة مدنية أو أشخاصاً لمجرد أنهم مدنيون؟ إن الإجابة على هذا التساؤل تكمن في إخبار العمليات، حيث لم تسجل عمليات ضد أهداف مدنية أشخاصاً كانوا أم مؤسسات لمجرد أنهم مدنيون وإذا كانت قد حصلت عمليات ذات إثارات دينية ومذهبية، فهذه العمليات تقف وراءها حكماً قوى الإحتلال وأجهزتها بهدف تشويه صورة المقاومة.

وفي مقارنة بسيطة لنسبة الخسائر التي تقع بين المدنيين عند تنفيذ المقاومة لعملياتها ضد أهدافها المحددة وبين الخسائر التي تقع بين المدنيين عند تنفيذ قوات الإحتلال وتلك المرتبطة لعملياتها العسكرية الأمنية، يتبين أن المدنيين هم الذين يدفعون الثمن الباهظ في الأرواح والممتلكات عند تنفيذ الإحتلال لعملياته.

فأثناء العمليات العسكرية الكبرى التي إنطلقت مع بدء الإجتياح للعراق كانت المؤسسات والمرافق الحيوية ذات الطبيعة الخدماتية هدفاً لقوات الإحتلال، بهدف إرباك وتعطيل والضغط على الوضع الداخلي المحاصر براً وبحراً وجواً. وحيث لم تسلم شبكة الجسور وشبكة الكهرباء وشبكة المياه والمعامل والمؤسسات الكبرى، وهذا ما إعتبرته القوى الغازية مندرجاً تحت بند تعطيل شبكة الخدمات العامة والذي من شأنه أضعاف حلقات المواجهة والتصدي والصمود ولن نتكلم هنا عن السلاح المحرم دولياً، لأن كلاماً كثيراً قيل في هذا الصدد.

وبعد وقوع العراق تحت الإحتلال، وإنطلاق المقاومة، لم تجد قوات الإحتلال سبيلاً لمواجهة قوى المقاومة، إلا إعتماد سياسة الأرض المحروقة التي تطال البشر والحجر. فعشرات المدن العراقية حوصرت وتعرضت للقصف التدميري المبرمج والتخريب، كالمرافق الخدماتية من صحية وغيرها، كما أن الإعتقال الجماعي والعشوائي لم يوفر الشيب والشباب والنساء والأطفال، والتنكيل بالجثث والتعذيب للمعتقلين، كلها كانت عينات حسية وملحوظة، وتدمير المنازل على رؤوس أصحابها، وتدمير البيئة، وكلها تندرج تحت مسميات الأهداف المدنية.

إنه يكفي أن تمنع قوات الإحتلال الأميركي وتلك المرتبطة بها والعاملة بأمرتها أن تمنع وسائل الإعلام المرئي والمسموع من تغطية عمليات محاصرة المدن وإقتحامها وتمشيطها وتخريبها وتدمير كل مرافق الحياة فيها ليتأكد للداني والقاصي بأن القوى المحتلة كانت ترتكب مجازر إنسانية بحق العزل والمدنيين.

إن ما حصل في الفلوجة والرمادي والقائم وناحية الكرابلة وهيت وبلد وحديثه وسامراء والموصل وتل عفر وبعقوبة والنجف والبصرة والناصرية وإنتهاء ببغداد وريفها وكل أحيائها، يثبت أن قوات الإحتلال إرتكبت وما تزال ترتكب مجازر بحق المدنيين. وأن الأسماء التي تطلقها على عملياتها، كالخنجر والسيف والبرق، كلها تفصح عن الطبيعة العنفية ذات التاثير الشامل على البنية المجتمعية بكل مكوناتها.

فأيهما يتسبب بقتل المدنيين، الذين يستهدفون قوات الإحتلال وعملائه بعمليات خاصة تطال شظاياها بعض المدنيين، أم الذين يقصفون المدن بالصواريخ والطائرات والمدافع ويدمرون البيوت على رؤوس ساكينها والذين يمارسون عمليات القتل الجماعي التي يتعرض لها المدنيون في سياق ما أصبح يعرف في العراق بحرب المدن، وأيضاً ما يتعرض له المدنيون على سبيل الشبهة. وهذا ما يفسر نسبة الخسائر المرتفعة بين المدنيين أثناء تعرضهم للنيران الأميركية وهم على الطرقات العامة.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل أن قوات الإحتلال تتعامل مع العراقيين وكأنهم كلهم مقاومون ولهذا أصبحوا هدفاً للنيران الأميركية في حلهم وترحالهم.

من هنا، يتضح أن الإحتلال هو الذي يتسبب بقتل المدنيين في العراق سواء بالفعل المباشر الذي يقوم به، أو في سياقات تصدي المقاومة لهذا الإحتلال.

ولذلك فإن الحؤول دون تعرض المدنيين لخسائر في الأرواح والممتلكات في العراق لا يستمر إلا بوضع حدٍ للسبب الذي أوجد الأرضبة لهذه الحالة. وهذا السبب هو الإحتلال.

إن خروج الإحتلال من العراق هو السبيل الوحيد الذي يعيد الأمان والإطمئنان لأبناء العراق بمختلف أطيافهم ومكوناتهم، ومع إستمراره ستستمر المقاومة، وتستمر فيها ردود الفعل الثأرية من جانب قوات الإحتلال ضد المقاومين وضد حاضتهم الشعبية وهذا يعني أن نسبة الخسائر بين المدنيين سترتفع أيضاً وأيضاً طالما إستمر الإحتلال.

إن التسريع بوضع حدٍ للإحتلال، وخروجه من العراق هو الذي يضع حداً للنزف السياسي والبشري والإقتصادي، وبدون ذلك لا يمكن وضع حدٍ لهذا النزف ومع إستمراره يكون الإحتلال وكل المرتبطين به المسؤولون عن كل نقطة دمٍ تراق على أرض العراق وعن كل خسارة مادية أو إقتصادية تلحق العراق.

وعلى هذا الأساس، فإن الإدانة والإتهام عن تعرض المدنيين في العراق للعذاب والقتل يجب أن توجه للإحتلال بقواه وأدواته وعملائه، وبدون هذا التأشير الواضح، ستبقى الضحية هي المتهمة فيما المعتدي والجلاد والسفاح هو البريء في خضم الضجيج الإعلامي و"البروبغندا" الدعائية التي وإن إستطاعت أن تشوه الحقائق في العراق إلا أنها لم تستطع أن تفرض التقييم الشامل، لأن ما يتسرب على ندرته يكفي ليشكل إدانة سياسية وإنسانية وأخلاقية وقانونية لما تقوم قوات الإحتلال والأميركية منها بشكل خاص.

دورية العراق