20/07/2005

مفاعل تموز: وأد النهضة العربية في 7 حزيران 1981

 

محمد وجدي قنديل

لم تكن إسرائيل تسمح للعراق بأن يمتلك قدرة نووية حتي تظل محتفظة بالتفوق النووي علي الدول العربية ولم يكن مناحم بيجين يرضي بأن يحصل الرئيس صدام علي سلاح الردع النووي حتي لا يهدد أمن اسرائيل ولذلك تم وضع 'عملية بابل' لقصف وتدمير المفاعل 'اوزيراك' في غارة جوية علي بغداد، ولاجهاض البرنامج العراقي قبل تشغيل الفرن الذري..

كانت اسرائيل قد بدأت في مراقبة برنامج التسلح العراقي بواسطة جهاز الموساد ­خلال الحرب العراقية الايرانية­ ورصد تحركات العلماء العراقيين، وكانوا يسافرون إلي فنلندا والبرازيل وباكستان وفرنسا للمشاركة في دورات علمية خاصة باستخدام الذرة..!.

وبالتحديد في يونيو عام 1980 حدث لقاء سري بين علماء الذرة المشتركين في البرنامج العراقي وبين أصحاب مصانع الافران الذرية في ايطاليا وفرنسا وبدا ان الغرض هو اقامة فرن ذري.

وفي نفس الوقت ذهب الدكتور يحيي المشد الي باريس ­يوم 6 يونيو­ ومعه تعليمات من الحكومة العراقية بفحص المعدات والمواد الخاصة بالمشروع النووي التي يتم شحنها الي بغداد وكانت الشحنة الاولي تضم 12 كيلو جراما من اليورانيوم المخصب، وكان من المقرر أن يتسلم العراق من فرنسا حوالي 80 كيلو جراما لتشغيل المفاعل تموز1 وتموز..2 وامضي المشد قرابة اسبوع في المركز النووي الفرنسي، وفي 13 يونيو عاد إلي غرفته رقم 941 في فندق ميريديان 'باريس' وأمضي يوم الجمعة في التسوق ولم يكن يعلم المصير بأن عملاء الموساد يترصدون تحركاته مع العلماء العراقيين الاخرين.. وعلق المشد لافتة 'ممنوع الازعاج' علي الباب، وفي صباح السبت اكتشفت خادمة التنظيف جسد العالم المصري علي الأرض وقد فارق الحياة، بينما هشمت رأسه وكانت السجادة تنضح بدمائه.. وكان اغتيال المشد مرتبطا 'بمشروع تموز'!.

* * *
كانت 'عملية بابل' ­الاسم الشفري­ تعتمد علي السرية المطلقة، ولم يكن يعلم بها غير مناحم بيجين رئيس الوزراء والجنرال ايتان رئيس الاركان وشارون وزير الدفاع واسحق شامير، وكان أكثر المتحمسين لشن الغارة شارون وايتان وتحدد لها يوم 7 يونيو 81 وكان بيجين يدرك الخطر الذي يشكله صدام حسين عندما ينتج القنبلة النووية العراقية، وكان قد تم اتخاذ القرار الخاص بتدمير المفاعل اوزيراك أو 'تموز' قبل ذلك في اكتوبر 80 بناء علي معلومات تحذيرية للمخابرات العسكرية والموساد حول التقدم السريع للعراقيين وبمساعدة الفرنسيين والايطاليين في برنامج انتاج الاسلحة النووية في عام .1985

وتم اختيار الطيارين الاربعة والعشرين الذين يشاركون في المهمة السرية ­وبينما قام ستة عشر (في المصادر الغربية ان الطائرات كانت 8 ) منهم بتنفيذ الغارة علي بغداد­ وجري تخطيط عملية بابل علي أساس تجنب المسار الجوي الي العراق، وعدم الطيران فوق سوريا وبسبب أزمة الصواريخ السورية في البقاع مع اسرائيل وتقرر ان تتخذ الطائرات الاسرائيلية مسارا آخر فوق الصحراء في الاردن والسعودية بعد اقلاعها من قاعدة 'انزيون' بالقرب من ايلات وان تطير ايضا علي ارتفاع منخفض لا يتجاوز مائتي قدم.. وجري تدريب الطيارين الاسرائيليين علي ذلك.. وكانت الطائرات تتضمن مجموعتين: المجموعة الاولي الطائرات القاذفة من طراز 'اف 16' 'الصقر' وعددها ثمانية طائرات.. والمجموعة الثانية المقاتلات من طراز 'اف 15' 'النسر' وعددها ثماني طائرات ومهمتها تغطية القاذفات وحمايتها من صواريخ سام 6 والدفاعات الجوية العراقية.. وتدرب الطيارون علي الاقتراب من الهدف مرات ومرات وتحت اشراف الجنرال ايتان وبحضوره شخصيا!.

كان يوم الاحد 7 يونيو مشرقا وكانت ايلات تكتظ بالسياح وبالاسرائيليين ­بسبب عيد شافوت للحصاد­ ولم يكن احد يدرك النشاط السري في قاعدة انزيون القريبة بمسافة عشرين كيلو مترا، وجري تحديد الاحد لشن الغارة والضربة الجوية باعتبار ان الخبراء الاوروبيين لا يعملون في ذلك اليوم وكان خطأ فادحا فقد كانت اجازة العمل في المفاعل يوم الجمعة، غير انه في وقت الغارة وهو السادسة والنصف مساء بتوقيت بغداد كان معظم العمال والفنيين قد غادروا موقع المفاعل ولم يكن هناك سوي خبير فرنسي ولقي مصرعه خلال الغارة!.

وفي غرفة العمليات ­تحت الارض­ اجتمع الطيارون الستة عشر مع قائد العملية للمراجعة الاخيرة، وحوالي الثالثة مساء دخلوا طائراتهم الإف 16 والاف 15 وفي ساعة الصفر انطلقوا نحو الهدف.. وكانت الطائرات مزودة بأجهزة اليكترونية للتعتيم علي شبكات الرادار الاردنية والعراقية وكان التوتر يسود الطيارين والجنرالات الموجودين في القاعدة.. واتجهت الطائرات الاسرائيلية الستة عشر علي ارتفاع ثلاثين قدما فقط صوب شمال الصحراء السعودية وبمحاذاة حدود الاردن.

وحوالي الساعة الرابعة مساء عبرت الطائرات الاسرائيلية الحدود العراقية السعودية واتخذت طريقها المباشر الي بغداد دون ان تعترضها اي طائرات اخري.. ومضت ساعة ونصف ساعة طويلة ومتوترة من الرحلة وبعدها لاحت المباني الضخمة لمفاعل 'اوزيراك' وعندئذ ارتفعت طائرات اف 15 حتي يمكنها السيطرة والتأكد من ان الطائرات العراقية لن تعترض طريق طائرات اف­16 التي تتولي عملية القصف المركز والخاطفة ­لمدة دقيقتين إلي اربع­ ويبدو أن الدفاعات العراقية لم تكن تتحسب حدوث مثل هذه الغارة ولذلك لم تطلق اي صواريخ سام ولا مدافع مضادة.. وانقض الطيار الاول بقاذفته مصوبا نحو منتصف القبة الكبيرة التي يوجد تحتها 'تموز واحد' وفي خمس ثوان كان يرتفع مرة اخري واصابت اول قنبلتين من طراز ام كي 84 السقف الاسمنتي وفجرته الي قطع صغيرة، وبينما كانت الطائرة الثانية تطلق قذائفها وتوالت الطائرات 'الصقر' تضرب المفاعل والفرن الذري من زوايا واتجاهات مختلفة!.
 

 صورة من احدى الطائرات المهاجمة اف 16)

كانت الضربة الجوية 'بابل' تعتمد علي المفاجأة والسرعة، وعندما بدأت المضادات العراقية في اطلاق نيرانها كانت القاذفات الاسرائيلية تبتعد عن الهدف، وعلي الارض كان الفنيون الفرنسيون يشاهدون تدمير قبة المفاعل وخلال دقيقتين فوق بغداد كان كل شيء قد انتهي تماما..


تعليق دورية العراق : مقالة محمد وجدي قنديل نشرت في (ايلاف) بتاريخ 5/4/2003 ونشرها بعد حذف مقاطع كثيرة منها ، وننشرها لأنها كانت التفاصيل الوحيدة التي استطعنا الوصول اليها . ونضيف اليها :
اطلق الفرنسيون على المفاعل اسم اوزيراك (يتكون من مقطع اوزيريس + العراق) واوزيريس هو اله الموت والبعث عند المصريين القدماء وقد اطلق العراقيون على المفاعل اسم تموز وهو اسم اله مناظر لاوزوريس في الميثولوجيا العراقية . ساعد في بنائه الفرنسيون والايطاليون . ومن الجانب العراقي ساهم فيه 400 عالم . وقد انتهى بناؤه عام 1977 واقيم في منطقة التويثة ببغداد . وقد كان يرى فيه الايرانيون والصهاينة خطرا عليهم . وفي 30 ايلول عام 1980 قامت طيارتان فانتوم ايرانيتان بضربه ولكن لم يصب بأضرار كبيرة .

من الجدير بالملاحظة ان الصهاينة سموا عمليتهم (بابل) دليلا على حقدهم الذي لا ينتهي على العراق منذ الاسر البابلي وحتى الان . كما يرجى ملاحظة اختيار يوم 7 حزيران (ذكرى النكسة العربية ) . كما لابد ان نتذكر ان بيجن كان قد اجتمع في اليوم السابق على قصف المفاعل مع الرئيس المصري السادات الذي بدأ مسيرة الهوان العربي.

ولكن قصف المفاعل لم يفت في عضد العراقيين فكما يقول احد العلماء : كنا 400 عالم وبعد القصف اصبحنا 7000 .

في عام 2003 كان انتقام الله سريعا : فقد ابتهج الصهاينة باختيار ايلان رامون احد الطيارين الذين قصفوا المفاعل تموز ، ضمن مكوك الفضاء كولومبيا الامريكي . وكان سر ابتهاجهم انه اول رائد فضاء صهيوني . وفي يوم 2/2/2003 انفجر المكوك ، وحان الوقت للعراقيين ان يبتهجوا .

 وفي كتاب (عن طريق الخداع ) وهو لعضو سابق في الموساد أشار إلى كيف أنهم قاموا بالتعاون مع بعض عناصر المخابرات الفرنسية المتصهينين بمحاولة تدمير مكونات المفاعل على الأرض الفرنسية وحسب الكتاب تم الاعتداء ولكن العراقيين كان لديهم خطط بديلة جعلت من الصعب القضاء على المشروع .

 وكيف قام فريق من الموساد باغتيال الدكتور المشد (
وهو عالم مصري تم ذبحه في فرنسا في الفندق الذي كان نازلا فيه لرفضه الخيانة )  وحسب الكتاب أن الطيران الصهيوني استخدم الأجواء الأردنية  .

 فما نمر به في الوقت الحاضر ماهو إلا استكمال للقضاء على قوة العراق النامية والمتطورة فقد قام الرئيس صدام حسين بتحويل العائدات النفطية لبناء قدرات هي قوة للعرب والإسلام وخرج جيشاً من العلماء  . لذا كانت حربهم الشرسة ضد المسلمين علنية وقحة.

 

عن موقع دورية العراق