20/07/2005

 

شذرات

 

 

بقلم :د. ابراهيم علوش

 

الفكر للجماعة: ليس هناك شيء اسمه أفكار جيدة ولكن غير قابلة للتطبيق. فعندما يصل المرء إلى  نقطة يقول لنفسه فيها أنه يتبنى أفكاراً جيدة ولكن غير قابلة للتطبيق، يدخل مرحلة بداية النهاية التي يتحلل  بعدها إلى شظايا إنسان. فالفكر الجيد الذي يتقوقع عليه الفرد كالمحارة لا قيمة له، ويتحول داخل  صاحبه إلى قنبلة انتحارية غير استشهادية. الفكر قيمة اجتماعية. فإما أن ينطلق الفرد إلى رحاب  الحياة ليعجنها وتعجنه، وإما أن يصبح لا شيء. فإذا كان الإنسان حيواناً اجتماعياً كما قال الفلاسفة،  فإن نزع الصفة الاجتماعية عنه يحوله إلى حيوان فحسب... الفكر للجماعة، وإلا فهو لا يختلف عن  الدخان المتبدد في الهواء. والفكر الفردي في الرأسمالية، كالذي تدعو له العولمة اليوم، يؤدي  بالضرورة إلى تحويل المجتمع إلى شذرات.

جاهلية بلا مكارم الأخلاق: كانت في الجاهلية صفات حميدة مثل الشهامة والمروءة والكرم والشجاعة  والفصاحة وغيرها، ولذلك قال سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام، إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق.  ولكن كانت في الجاهلية أيضاً صفات قبيحة كعبادة الأوثان ووأد البنات وغيرها، لعل أخطرها سياسياً  صفة العصبية القبلية التي سببت تفكك العرب وتحاربهم على مدى قرونٍ قبل الإسلام كما في حرب  البسوس وداحس والغبراء. وإذا كان الإسلام قد قضى على عبادة الأوثان ووأد البنات مثلاً، فإن  العصبية القبلية بقيت بعده حتى نقلناها معنا، بشكليها العشائري وغير العشائري، إلى داخل الأحزاب  والتنظيمات التي كوناها في القرن العشرين، ومن ذلك مثلاً المعارك الداخلية في الحزب الاشتراكي اليمني  في الثمانينات. وقد قال الشاعر الجاهلي: ألا لا يجهلن أحدٌ علينا، نجهل فوق جهل الجاهلينا...  والجهل هنا بمعنى التكبر والعلو، ونقيضه المنطقي، بالتالي، هو التواضع. ومع أني لست فقيهاً، أجرؤ  على التكهن أن كلمة إسلام جاءت بمعناها الحرفي على الأرجح تحقيقاً للتواضع المناقض للتكبر والعلو،  خاصة ذاك المرتبط بالعصبيات القبلية. وهو ما يجعل الدعوة الاجتماعية للإسلام غير مكتملة بمقدار ما  تستمر تلك العصبيات اللعينة. وقد أصبحت عصبياتنا اليوم من نوع سني-شيعي، فلسطيني-أردني،  سوري- لبناني، مسيحي-مسلم، عربي-بربري، الخ... جاهلية معاصرة بلا مكارم الأخلاق،  جاهلية ما برحت تحولنا إلى شذرات.

العائق الحقيقي: العائق الحقيقي لنهوض هذه الأمة ليس الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه، بل  الوعي التفكيكي الذي يمنع عملياً نشوء أطر عمل تعبئ القوى لمواجهة المعسكر الآخر. فالعدو عدو لا  يحتاج إلى تفسير، وكل الشعوب عانت الاحتلال والظلم من قبلنا. أما موانع النهوض في معسكرنا فهي  تفكك الوعي والانتماء لو نظرنا حولنا من دون أوهام. فنحن بحاجة إذن لتكريس فكرة بسيطة هي  الانطلاق دوماً في كل موقف وعمل سياسي من منطلق مصلحة الأمة ككل وانتمائها الحضاري. هذه  سياسة تكريس العروة الوثقى بيننا، أما ضعفنا فيبقى الوعي العشائري والطائفي والإقليمي الذي يقسم  الأغلبية في وطننا إلى شذرات.

المثقف ودوره الاجتماعي: لفتت نظري مقالة يتحدث صاحبها عن نموذج المثقفين الذين يوظفون كل  علمهم وثقافتهم وكفاءتهم في خدمة عصبياتهم القبلية أو الجاهلية التي ينتسبون إليها، فيتحول العلم والثقافة،  وكل فكر عندهم، إلى سلاح عظيم لتحقيق هدف تافه. وكنا قبلها قد تعودنا على نموذج المثقف الانتهازي  الذي يوظف الفكر في خدمة مصلحته الشخصية لاسترضاء السلاطين أو منظمات التمويل الأجنبي العاملة  على إحداث التفكيك أيضاً تحت عناوين حقوق الإنسان والأقليات. النموذجان متوافران بكثرة في الحياة  الثقافية العربية، وهذا ما نراه حولنا دون كبير عناء. وكما كتب الشاعر الشعبي المصري أحمد فؤاد  نجم: «مر الكلام، زي الحسام، يقطع مكان ما يمر، أما المديح، سهل ومريح، بيخدع لكن بيضر،  والكلمة دين، من غير إيدين، بس الوفا عالحر»! يبقى المطلوب من المثقف العربي في زماننا إذن  شيئين: 1) الدفاع عن ثقافة المقاومة، و2) الحفاظ على المسافة بينه وبين السلطة. وهو الحد  الأدنى الذي تتحول الثقافة دونه إلى شذرات.