20/07/2005

المقاومة .. والتفاوض مع العدو

 

بقلم : د. محمد عياش الكبيسي

 

بدأ الخطاب الأمريكي حول وجود مفاوضات سرية مع المقاومة العراقية يتحول بالتدريج من صيغة ( التسريب المتعمد) الى صيغة (الإعلان الرسمي) حيث جاء تصريح وزير الدفاع مؤخرا عن وجود  اتصالات ومفاوضات مع المقاومة العراقية!! وقبل أن ندخل في تحليل هذا التحول فإن المتابعين للشأن  العراقي من الممكن أن يسجلوا الملاحظات الآتية:

 

1- إن هذا الإعلان هو اعتراف صريح بوجود مقاومة عراقية حقيقية، وهذا مع أنه استنتاج منطقي إلا  أن وزير الدفاع الأمريكي لم يتركه للاستنتاج وإنما ذكره صراحة وجعل من أهداف هذه الاتصالات  والمفاوضات الفصل بين (المقاومة العراقية الحقيقية) وبين (الإرهابيين المتسللين)!! وفي  هذا مسح لكل الحملة الدعائية التي شنتها وسائل الإعلام والدعاية الأمريكية، ولكن ماذا ستقول القنوات  الذيلية التي تبث من داخل العراق وخارجه والتي تبنت حملة الدعاية الأمريكية هذه وبحماس يفوق الحماس  الأمريكي نفسه!! والسؤال الأهم ما موقف الأحزاب المرتبطة بالمحتل ومنها أحزاب ومنظمات ذات  صبغة دينية؟ وأيا ما كان موقفها ودرجة استجابتها لتحولات (الأسياد) و(المحررين الأمجاد)  فإنهم الآن في وضع لا يحسدون عليه.

 

2- إن هذا الإعلان أيا ما كانت دوافعه هو اعتراف بقوة المقاومة العراقية، وإذا عرفنا أن هذا الإعلان  جاء بعد عمليات (البرق) و(الرمح) و(القبضة الحديدية)..الخ التي حشد فيها العدو  عشرات الآلاف من قواته إضافة إلى (القوات الصديقة والشريكة)!!فإن هذا يعني فشل كلّ هذه  الأسماء والمسميات، ومعها فشل (الحل العسكري) بالكامل.

 

3- إن هذا الإعلان الصادر من (رامسفيلد) شخصياً وحتى لو كان قد أكره عليه! فإنه مؤشر  الى أن العد التنازلي لسقوط الأمريكان عن كرسي الصدارة العالمي قد بدأ بالفعل، وذلك لأن العالم بعد  سقوط الاتحاد السوفياتي قد استسلم للإمبراطورية الجديدة بدافعين اثنين: الأول هو التأثر بالتضليل  الإعلامي الذي استطاع أن يسوّق الأمريكان على أنهم حماة الديمقراطية وحقوق الانسان، والثاني: هو  الخوف من الآلة العسكرية الجبارة التي تمتلكها الولايات المتحدة، أما الدافع الأول فقد سقط وانتهى في  سجن (بوكا) و(أبو غريب) و(غوانتانامو)، وأما الدافع الثاني فهاهو وزير القوة الجبارة  يضطر الى التنازل تحت ضغط قوة المقاومة العراقية وشجاعتها الأسطورية، فماذا بقي لهذه  الإمبراطورية الشريرة؟! لقد بدأ العالم يتنفس الصعداء حقيقة ونزلت تصريحات رامسفيلد كماء بارد  على كثير من دول العالم التي كانت ترتجف خوفا من اسم (أمريكا) وقد آن لهذه الدول أن تقدم التحية  للمقاومة العراقية الباسلة.

 

ولكن هل يعني هذا أن الغزاة قد حزموا أمتعتهم استعدادا للرحيل من بلاد الرافدين؟! قد لا يكون هذا  بالضرورة فهم الآن بين زاويتين حادّتين: البقاء مع استمرار النزف في الدم والمال والسمعة، أو  الخروج بالمهانة والعار الأبدي وإعلان الهزيمة أمام شعب جائع ومحاصر لسنين طويلة!! وربما  يفكرون أن هذا سيجرئ العالم عليهم وبشتى الوسائل وسيسمح ببناء تحالفات وقوى وأقطاب عالمية جديدة،  وعلى هذا فلابد من تحليل هادئ لطبيعة هذه التصريحات، وعلى المقاومة أن تتأنى في اتخاذ المواقف، ومن  حيث الجملة يمكن حصر الأهداف المحتملة لهذه التصريحات وتحليلها وفق نظريــة (السبر والتقسيم)  بالآتي:

 

1- المراوغة والمخادعة، وهنا تكون المفاوضات أو الإعلان عنها جزءا من (حرب الدعاية)  بمعنى أنها (مفاوضات وهمية) تخفي وراءها أهدافا أخرى مثل:

 

أ- الظهور بمظهر القيادة الحريصة على جنودها ولا سيما بعد الزيادة الملحوظة في الآونة الأخيرة لعدد  القتلى الأمريكان، وهي حسابات سياسية داخلية، فالبنتاغون لم يعد قادرا على إخفاء خسائره المتزايدة،  والشعب الأمريكي لم يعد يتحمل المزيد من ذلك، والاستبانات المدنية تشير الى تصاعد التذمر والتشكيك  بجدوى هذه (الحرب الملعونة) وأهدافها، والمقاومة في الطرف الآخر عليها أن تستلم هذه المؤشرات  وتزيد من الضغط الميداني الكمي والنوعي والاستماتة في إيصال (الصورة والمعلومة) الى داخل  المجتمع الأمريكي.

 

ب- إشاعة نوع من الخدر أو (الأمن الكاذب) في صفوف المقاومة وفتح آفاق وهمية لتسريب  طاقات المقاومة وإشغالها عن الميدان الحقيقي، وهذا بحد ذاته هو تعبير غير مباشر عن مدى الضغط الذي  يتعرض له الجيش الأول في العالم على يد مجاهدي العراق.

 

2- محاولة تفكيك جدار المقاومة من خلال الإعلان عن الاتصال بهذا الفصيل أو ذاك لإشاعة نوع من  الشك وربما التنافس والتسابق بين مختلف الفصائل، وهنا ينبغي أن تنتبه المقاومة الى ثابت تستند إليه وهو  أن كل فصيل يسارع بمفرده في الدخول في مفاوضات مع العدو فهو الخاسر قطعاً حتى لو كانت  المفاوضات في غاية الجدية، فكيف إذا كان العدو معروفاً بالتضليل والخداع والكذب وله مؤسسات  متخصصة في هذا؟!

 

3- محاولة جمع المعلومات و(جس نبض المقاومة) من حيث تماسكها الداخلي وصلابة أهدافها  ونسيجها التنظيمي وما إلى ذلك، وهذا كله قد لا يتيسر للعدو من خلال الجواسيس والعملاء ولا أجهزة  التنصت المتطورة وهنا تأتي المفاوضات كطريق أسهل وله تداعيات معلوماتية أكبر، فمجرد الجلوس على  الطاولة وجها لوجه يكون العدو قد كسب بعض التقويمات والمعلومات فإذا دار الحوار وتشعب فإن  المعلومات من الممكن أن تتساقط بين يديه بدون عناء ولا حتى (هز الجذع)!! والمقاومة عليها أن  تتأكد من نية العدو الحقيقية قبل القبول بالجلوس، ولا تعدم المقاومة الذكية أساليب التمييز بين المفاوض  (الباحث عن الحل) والآخر (الباحث عن المعلومة).

 

4- التمهيد لمفاوضات شكلية يقوم فيها الاحتلال بصناعة الوجه الذي يريده ممثلاً للمقاومة!! فبعد  هذه التصريحات تسربت بعض المعلومات عن إمكانية السماح بظهور واجهة سياسية تمثل المقاومة والتي  ستتبنى الحوار مع العدو! وبمعنى آخر فإن الاحتلال يسعى (للمفاوضات مع نفسه) من خلال  صناعة هذه الواجهة، وربما هذا ما يفسّر لنا التحول المفاجئ لبعض المتعاونين مع المحتل الى صف  المقاومة!! وهناك أمثلة وشواهد كثيرة ومتزايدة، والمقاومة بلا شك متنبهة تماما لهذه اللعبة، مع أنها  لا تغلق باب التوبة بوجه أحد لكن قبول الشخص تائبا شيء وقبوله قائدا ومتحدثا باسم المقاومة شيء  آخر.

 

5- التمهيد لمفاوضات حقيقية وجادة وهذا ما لا بد منه في نهاية المطاف والمسألة مسألة توقيت لا غير،  فليس هناك احتلال إلا وجلس على طاولة واحدة أمام المقاومة، والذي يقرّب هذا أو يؤجله هو قدرة  المقاومة على إقناع المحتل أن التعايش معه على أرض واحدة مستحيل وأن مصالحه بالخروج وليس بالبقاء  وأنه كلما بقي يوما إضافيا فإنه يتكلف خسائر وتضحيات جديدة، وهذا ما تمكنت المقاومة العراقية الباسلة  أن تحققه لحد الآن.

 

إن كلّ هذه الاحتمالات الخمس واردة، وقد يكون العدو قد وضع كلّ هذا في ذهنه لكن وفق سلم من ( الأوليات) وآخر من( الأولويات) فالأوليات سلّم توقيتي مرحلي، والأولويات سلّم اهتمامي  مصلحي، والذي يتحكم في هذين السلّمين ليس هو المحتل وحده، بل المقاومة وهي الطرف الثاني من  المعادلة قادرة على إجبار العدو أن يعيد النظر في حساباته وترتيباته وعلى الصعيدين.

 

والناظر في القرائن والمؤشرات الميدانية يترجح لديه أن الأمريكان يحاولون الآن أن يجربوا حظهم في  الاحتمالات الأربعة الأولى لأنها ربما تشكل لهم متنفساً أو تفتح لهم خيارات أخرى تبعد عنهم ساعة الحرج  الحقيقي للعنجهية الأمريكية والتي سيطلبون فيها رسمياً الجلوس الجاد مع المقاومة العراقية الحقيقية.

 

إن المقاومة العراقية ونتيجة لحرق المراحل وسرعة الإنجازات قد دخلت وعلى كل الاحتمالات في مرحلة  جديدة تتطلب أن تضيف إلى سلاحها سلاحا جديدا يعتمد الوعي بمتطلبات المرحلة والتخطيط لإستراتيجية  واضحة ومتناسبة مع كل الاحتمالات المتوقعة، ومن النقاط التي ينبغي التنبه لها في هذا المجال:

 

1- الجمع بين (القوة) و القبول بمبدأ (المفاوضات) ، فاستخدام القوة لا بد أن يكون من ورائه  هدف سياسي وهو اعتراف المحتل بخطئه وقبوله بالمطالب الشرعية للمقاومة، فالمقاومة لا تقتل من أجل  القتل، ولا ترغب قطعاً باستمرار الصراع إلى ما لا نهاية، وقد يكسب المحتل تأييداً شعبياً وعالمياً في حال  ظهوره بمظهر الباحث عن الحل والمطالب بإنهاء الأزمة والحريص على أرواح جنوده في مقابل المقاومة  التي يصورها أنها تقاتل بلا هدف ولا برنامج محدد، وعليه فإن المقاومة عليها أن تنتبه لكل هذا حتى مع  علمها بأن العدو يستغل هذه المقولات والشعارات للتضليل والدعاية،وعليها أن تعمل من أجل إجبار المحتل  على التفاوض وفق شروطها لأن هذا معناه أن المقاومة قد بدأت فعلا باستثمار جهدها وجهادها لتحقيق  النصر النهائي، كما أن المفاوضات بدون ضغط القوة لا يمكن أن تكون مفاوضات حقيقية بل هي نوع  رخيص من (الاستجداء) وإن سماه البعض جهادا أو (نضالا سياسيا)!! فالعدو حينما قرر  تجاوز كل القوانين الدولية والمؤسسات العالمية وضحى بالكثير من دمه وماله لا بد أنه فعل كل هذا لهدف  في ذهنه، ومن السذاجة بمكان اعتقاد أن (الابتسامات الدبلوماسية) قادرة على إقناع العدو بالتخلي عن  هدفه، والذين يستشهدون بمرونة الرسول صلى الله عليه وسلم في (مفاوضات الحديبية) عليهم أن  يتذكروا أن تلك المفاوضات كانت تجري إلى جانب (بيعة الموت) مع أن الرسول صلى الله عليه  وسلم لم يكن قاصدا الحرب أصلا، ولكنه لا يمكن أن يدخل مع عدوه بخيار واحد فقط لأن هذا ليس تفاوضا  وإنما هو استسلام لإرادة العدو، لأن المفاوضات الحقيقية تقوم على أساس أن العدو لو فكّر في رفض  خيارك الأول فإنه سيحسب حساب خيارك الثاني، أما إذا لم يكن لك إلا الخيار الأول فما الذي يلزمه  بالقبول به؟! وهذا هو الخطأ!!! الذي وقع فيه العرب حيث اعتمدوا على خيار واحد فقط وهو(  السلام) وبالتالي فلم ير الكيان الصهيوني ما يلزمه بقبول هذا الخيار، ولذلك يمكن القول إن (خيار  العرب الوحيد) هو الذي دفع الصهاينة الى مزيد من الاستهتار بحقوقنا وكرامتنا، وعليه فمن يريد  مفاوضات حقيقية وناجحة عليه أن لا ينزع سلاحه إلى أن يتم التسليم بكافة مطالب المقاومة وأي محاولة  للمساومة على نزع سلاح المقاومة بوعود الجدولة الزمنية للانسحاب ينبغي أن ينظر اليها على أنها محاولة  (كيدية) ليس لها صلة بمبدأ المفاوضات.

 

2- إن الإعداد الجاد لدخول المفاوضات الحقيقية واجب شرعي ومن ذلك:

 

أ- توحيد قرار المقاومة وتنسيق المواقف بين كل فصائلها، وعدم السماح للعدو أن يستفرد بهذا الفصيل  أو ذاك، ولقد ضربت المقاومة العراقية أمثلة رائعة من التوحد والتعاون والتكافل لا سيما في معاركها  الكبرى، والمعركة السياسية لا تقل خطورة عن المعارك العسكرية، بل هي التي سترسم ملامح المستقبل،  والمقاومة أمينة على هذا المستقبل وعلى شلال الدماء الطاهرة من آلاف الشهداء الذين سقطوا في سبيل  الله دفاعا عن أرض العراق ومستقبله وهويته العربية الإسلامية.

 

ب- الإعداد العلمي والمنهجي لكوادر تجيد هذا الفن من الجهاد وقادرة على التمثيل الحقيقي لمطالب  وتوجهات المقاومة والتي هي مطالب كل الشرفاء من أبناء الشعب العراقي، وعدم ترك هذا الميدان  للارتجال وردود الفعل الآنية، فإن العدو قد يطمح من خلال كوادره المعدة إعدادا خاصا أن يحقق في هذا  الميدان ما عجز عنه في ميدان السلاح، فلا بد من مواجهته بإعداد متكامل يبدأ بحسن الاختيار ولا ينتهي  بتوفير المناهج والمصادر المعرفية وخبرات الشعوب وحركات المقاومة عبر التاريخ وتعميق مبدأ الشورى  والاستفادة من أهل الاختصاص، ولقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف اختار جعفر بن أبي  طالب رضي الله عنه في مواجهة قريش أمام النجاشي ملك الحبشة، وكيف اختار الخليفة الثاني عمر بن  الخطاب عمرو بن العاص رضي الله عنهما في مواجهة داهية الروم في معركة اليرموك وقال كلمته  المعروفة (رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب).

 

3- الحذر من الاستجابة المتسرعة للتوقيت الذي يختاره العدو، لأن التوقيت - كما هو حال الميدان  العسكري- يدخل في عوامل تحقيق النصر، ولذلك رأينا الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان في مكة  يرفض أي نوع من أنواع التفاوض مع المشركين بينما دخل معهم ومع غيرهم في مفاوضات كثيرة بعد أن  حقق عدداً من الانتصارات الميدانية، وهذا ما يقره علم التفاوض اليوم أن تفاوض في الوقت الذي تكون فيه  قويا.

 

4- إعتماد الصبر وسياسة النفس الطويل، فإنما النصر صبر ساعة، والمحتل (الغريب) هو الذي  سينفد صبره في النهاية بخلاف المجاهدين الذين هم في أرضهم وبين أهلهم وأحبابهم، وإذا قال العدو:  (إنه مستعد للقتال في العراق اثنتي عشرة سنة) فلتقل له المقاومة (إنها مستعدة للقتال مائة وعشرين  سنة) فليس العبرة بتصريحات المنعمين في البيت الأبيض وإنما بوضعية الجنود البائسة الذين يعانون  من الموت والخوف والحر والقر والغربة والمصير المجهول، لقد صدر هذا التصريح من قيادة البيت  الأبيض في نفس الوقت الذي صرح فيه رامسفيلد بأنه يجري مفاوضات سرية مع (المقاتلين)!!وقد  فهم هذا على أنه نوع من التناقض، والحقيقة غير ذلك فالذي يفكر بالمفاوضات سيعتمد سياسة التيئيس  وقذف الإحباط في نفسية الطرف المقابل وهذا سلاح مجرّب ومعتمد في (القتال التفاوضي) فليس  هناك أي تناقض بين الموقفين أو التصريحين.

1