16/12/2005

طهران ـ واشنطن ، علاقات ثابتة و تحالفات تتجدد  

  بقلم : صلاح الناهي

لم يعد مبرراً لوسائل اعلامنا العربي و الاسلامي كلما استجد خبر او تصريح لحكومة ايران ، كتصريح (( محو اسرائيل من الخارطة )) و (( نقلها الى أوربا )) ، او خبر قيام سفير الاحتلال الامريكي في العراق زلماي خليل زاده باجراء الاتصالات المباشرة مع طهران ، ان تقوم عبر فضائياتها باقامة جلسات و ندوات تنهمك في النقاشات المستفيضة و لا تتجاوز في كل مرة ان تنتهي بالتساؤلات ذاتها : ما طبيعة العلاقة بين حكومة طهران و الادارة الامريكية ، هل ترجح سياساتهما لصالح التحالف ام العداوة .. و هل ان الجمهورية ( الاسلامية ! ) جادة في توعداتها و تهديداتها لاسرائيل ؟!
و تتكرر مشاهد الجدل و الاختلاف في شكل يبعث على السأم ، و يجد المرء نفسه ازاء جملة من الاستـنتاجات المتناقضة و تصورات غير واضحة المعالم عن طبيعة هذه العلاقات و تركيبها ..
و الظاهر ان تصريحات ايران ضد الولايات المتحدة بانها ( الشيطان الاكبر ) لا تزال عالقة في الاذهان ، و مترسخة في قناعات الكثيرين ، دون ان يلتـفتوا الى الوقائع و الوثائق المتراكمة عبر سنوات و التي تكشف حقيقة هذه التصريحات العدائية ..
منذ وقع انفجار الثورة الشيعية في ايران ، تركزت انظار العالم الاسلامي على الاحداث الملتهبة هناك ، و شدت انتباههم و بالتالي اهتمامهم و تعاطفهم مع ما كانوا يسمعوه من صيحات الجماهير الغاضبة ، و صور احراق العلم الامريكي . ثم قيام 450 من الطلبة الايرانيين بالاستيلاء على مبنى السفارة الامريكية في طهران ، و احتجاز موظفيها لمدة تزيد عن العام ..
في وقت كانت الانفعالات الحماسية قد استغرقت الناس مع كل تلك الاحداث ، كان للسياسيين في كل من ايران و امريكا ان يدركوا سريعاً ان مصالح كل طرف منهما مع الآخر تعتبر مسألة حساسة لا تحتمل الانجرار وراء العواطف الخاصة .. اميركا بما لها من امتيازات نفطية و مصالح جيوستراتيجية في ايران ، و في المقابل ايران بما تحتاجه من دعم مالي و قطع غيار لتزويد سلاح جيشها الامريكي الصنع .
كانت القناعة القائمة لدى جميع المراقبين ان صفقة ما تمت بين الطرفين ، لكن أحداً لم يلم بتفاصيلها . في كانون الثاني-يناير 1981 جرى الافراج عن الرهائن الامريكيين في توقيت بدا غريباً ، مع انتهاء رئاسة "كارتر" ، و فوز منافسه "رونالد ريغان" الذي بدا منذ دخوله البيت الابيض و كأنه يوفي مجموعة من الالتزامات مع الجانب الايراني ، فسرعان ما انفتح الباب واسعاً لشحنات المساعدة العسكرية الامريكية الى مستودعات الجيش الايراني ، و كشفت الوثائق فيما بعد عن عدد ضخم من صفقات بيع السلاح الاسرائيلي الى ايران بوساطة أميركية تكفل بها "جورج بوش" الاب ، نائب الرئيس آنذاك . و اشهر تلك الصفقات ما عرف في حينها بـ ( فضيحة ايران غيت كونترا ) في عام 1986 ..
و يبدو ان التعاقدات الايرانية مع اسرائيل لم تعد بحاجة الى الوساطة الاميركية ، إذ توطدت العلاقات و الصفقات بين طهران و تل أبيب دون مواربة ، لمبادلة النفط الايراني بمعدات اسلحة و صواريخ أميركية الصنع ، و من ثم تزويد ايران باجهزة و معدات الوقاية من السلاح الكيمياوي في سنة 1988 ، و كذلك شحن كميات من المواد الاولية لصنع هذا السلاح في عام 1990 .
و مع تزايد هذه الصفقات و توسع العلاقات و الاتصالات ، أسس الطرفان الايراني و الاسرائيلي لهما مكتبين لتنسيق المفاوضات و المبيعات بينهما ، أحدهما قائم في كينيا و الآخر في جزيرة قبرص .
في أحداث عام 1990 ، حين كانت المنطقة العربية ترتج فوق بحر من الحمم ، تعهدت ايران مع اشتداد الازمة في الخليج و قبل اندلاع الحرب بأن لا تستغل الظروف فتعمل على تأليب الشيعة ضد النظام في بغداد . لكن الحكومة اليرانية جعلت نفسها فيما بعد في حل من كافة التعهدات ..
و ما جرى بعد ذلك كان غريباً ، فبدا كنوع من الترتيب المسبق و المدبّر بين ايران و الولايات المتحدة . كان الهدف النهائي للامريكان هو اسقاط النظام الحاكم في العراق . لكن بدا بعد مرور 45 يوماً على العمليات العسكرية ان هذا سيكون صعب المنال . كان الجميع يراقب وقتها الطرف العراقي المحطم ، دون الالتفات الى حال الطرف الامريكي الذي كان مثـقلاً رغم انتصاره باعباء مادية و خسائر بشرية جراء الالتحام مع قوات الحرس الجمهوري داخل الاراضي العراقية .
اعلن في طهران عن تشكيل حكومة عراقية مؤقتة برئاسة "باقر الحكيم" ، و اعلن جورج بوش" انتهاء العمليات العسكرية و ايقاف اطلاق النار ، لتندفع بعدها حشود الحرس الثوري الايراني و عناصر قوات بدر مقتحمة الجنوب العراقي في اعمال سلب و نهب و تخريب لكافة المرافق العامة و الخاصة .. و مع بلوغ اشتعال الازمة الى اقصاها حدث ما لم يكن في حسبان أحد .
أخطأت الحسابات الامريكية في تقديراتها ، رغم ان قائد قوات الحلفاء "شوارزكوف" ذكر في تقريره الى الرئيس الامريكي ان القوات العراقية قد تمزقت بالكامل و لم يتبق منها الا فرقتين ، الا أن ما حدث ان 25 فرقة عراقية لم تزل تحتفظ بعزيمتها و ارادتها على القتال ، فتحركت مسرعة لاخماد الفتنة و السيطرة على الوضع .
توالت الصفقات بين الجانبين ، الايراني من جهة و الاميركي-الاسرائيلي من جهة أخرى مع اتفاق كليهما على ان التظاهر بالعداء المطلق و تبادل التصريحات النارية بينهما يخدم مصالح كل منهما على حدة ، و بالاخص ايران كي يظهر نظامها الشيعي امام العالم متصدياً للهيمنة الغربية ، و متصدراً لقضايا المسلمين المصيرية على حساب المسلمين السنـّة .
مع حلول القرن الجديد ، نشأت تحالفات اكثر متانة بين الجانبين ، فساهمت ايران بشكل فعال و باعتراف مسؤوليها الرسميين في تقديم المعونة لاميركا في احتلال افغانستان التي كان حكمها الاسلامي يؤرق طهران .. ثم حل الدور على العدو المشترك لهما .. فابتدأ الاجتياح الغاشم لاحتلال العراق . و وظفت ايران كل امكانيات عملاءها و احزابها الموالية في خدمة الاحتلال الاميركي . فكانت الجائزة فيما بعد بحصول شركة هاليبورتن الامريكية العملاقة على امتيازات نفطية واسعة في ايران في كانون الاول - ديسمبر 2004 .
واشنطن تهدد كل حين باصدار عقوبات ضد ايران ، لكن المراقبين يقولون أن هذه مسألة معقدة ، فايران هي رابع مصدر للنفط في العالم ، و اصدار العقوبات سيؤدي الى رفع سعر برميل البترول الى 100 دولار ، و هذا ما لا يمكن أن تتحمله بقية الاطراف الدولية .
و الواضح أن المتحالفان قد شعرا ان التظاهر بالعداء امام العالم بمناسبة او بدون مناسبة قد اصبح دعاية مستهلكة ، فقررا اخيراً ان يخرج هذا التحالف للعلن بدرجة معينة ، و يكون له التمهيد الامثل بان تقوم الحكومة الحالية في العراق بالطلب رسمياً من طهران بتقديم المساعدة في محاربة هجمات المقاومة العراقية . و هكذا يكون ثوب (محاربة الارهاب) ملائماً و فضفاضاً كفاية ليسع جميع المتحالفين .
و السؤال الآن امام المسلمين : ما سيكون موقفهم ازاء هذا الوضع .. هل سيرضوا بالاذعان أم سيواجهوا التآمر ؟

 

 

إلى صفحة مقالات وأراء2