09/01/2006

صباح المختار : محاكمة صدّام مسرحية... والمحكمة فاقدة للمشروعية

شبكة البصرة

حوار: عبد الحميد الرياحي وراضية الزيادي
تونس ـ الشروق

في لقاء مع الدكتور صباح المختار ... صباح اول امس تحدّث عن الظروف التي تتم فيها محاكمة الرئيس العراقي صدّام حسين، وقال خاصة انه يتم التعامل مع هذه المحاكمة على أساس انها محاكمة اعلامية وليست قانونية حيث يحاكم صدّام حسين كما يحاكم «المجرم العادي» في حين يتم تناول هذه القضية اعلاميا باعتبارها محاكمة لارتكابه جرائم حرب وخروقات لحقوق الانسان.
كما حلل الدكتور صباح المختار، المحامي، ورئيس جمعية المحامين العرب في بريطانيا مختلف مراحل وظروف هذه المحاكمة.
وأشار في هذا الجزء الاول من الحديث الى عدم مشروعية المحكمة الخاصة التي تقام وفق قوانين الاحتلال كما تعرّض الى موقف خبراء القانون الغربيين مما يحدث.
والدكتور صباح المختار محام مقيم في بريطانيا منذ سنوات عديدة ولم يكن مرتبطا بعلاقات مع النظام العراقي السابق.


*كيف تقرؤون الاتجاه الذي اخذته محاكمة الرئيس صدّام حسين، بعد كل هذه الجلسات، وبعد كل ما ظهر من شهود والكيفية التي تم التعامل بها مع المتهمين ومع المشتكين، سواء إعلاميا او سياسيا او قضائيا؟
ـ الاعلام الغربي يتناول محاكمة صدّام على اساس انها محاكمة اعلامية وليست محاكمة قانونية. المحاكمة القانونية لها متطلبات معيّنة ولكن هذه لا تتوفر حاليا اذا نظرنا الى تسلسل الاحداث، فإن الامريكيين في البداية وعندما احتلوا العراق اعتبروا صدّام حسين اسير حرب لكن بعد ذلك رجال القانون في الجيش الامريكي، انتبهوا الى انهم لا يستطيعون اعتباره أسير حرب لأنهم اصلا كانوا دولة معتدية وبالتالي اذا اعتبروه اسير حرب فيجب ان تكون امريكا في موقع اتهام. تركوا هذا الامر، واعتبر صدّام كما لو كان مجرما عاديا. اما النقطة الثانية، فقد حاولوا نقل العبء الى العراقيين حتى يتم تحميلهم مسؤولية كل الاخطاء التي قد تحدث ثم يحاولون بعد ذلك ايجاد الاعذار لهم بأنهم غير مدربين... او انهم هم الذين قاموا بكل شيء ولا دخل لنا بهم حينما بدأ الامريكيون يخططون للمحاكمة بدؤوا يتحدثون عن جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب احتلال الكويت واستعمال الاسلحة الكيميائية في حلبجة والمقابر الجماعية... هذه الجوانب الثلاثة تصلح بأن تكون اساسا لمحاكمة لها علاقة بحقوق الانسان وجرائم الحرب الا ان النقطة الاساسية تتعلق بالجانب التنظيمي: اي يجب ان تجرى المحاكمة بصورة مشروعة، اي انه كي تصبح المحكمة محكمة قضائية، ينبغي ان يكون لها اساس قانوني صحيح ويجب ان تكون الاجراءات المتبعة صحيحة وبعد ذلك نصل الى نقطة الحقائق التي تثبت التهمة، اي انه يمكن القول بسهولة ان صدّام ارتكب جرائم المقابر الجماعية او استعمل الأسلحة الكيميائية ضد السكان المدنيين، او انه امر باحتلال الكويت ولكن في كل واحدة من هذه التهم ولكي تتم محاكمة قضائية، نحن في حاجة الى صدور ما يسمى بلائحة الاتهام التي تشير بوضوح الى كيفية قيام المتهم بالذات بارتكاب الفعل المشتكى منه وان النتيجة ترتبط بهذا الفعل، اي انه يجب ان يظهروا وقوع المقابر الجماعية. وقد شاهدنا اشخاصا يحفرون ويستخرجون جثثا ولكن هل تم تحديد مفهوم المقابر الجماعية، من حيث عدد الجثث (5 جثث او 30 او اكثر من مائة... او غيرها) ما هو معيار المقبرة الجماعية؟ اما الجانب الثاني: الموتى من هم؟ هل هم مدنيون؟ اطفال؟ نساء؟ هل هم عسكريون؟ هل هم أفراد القوات العسكرية العراقية التي جرى قتلهم من قبل الامريكيين بالطائرات عام 1991 ؟ انا عندي شخصيا صور بالفيديو في الكويت حينما تم القصف الامريكي حينها يقتل الجنود بالمئات حيث تقوم القوات الامريكية بحفر حفر ودفن الجثث فيها بل لديّ صور فيديو، لتحديد هذه المواقع عبر الأقمار الاصطناعية لأنه في الصحراء وبعد فترة معينة عندما تسوّى الارض، لا تكون هناك علامات فارقة لمعرفة مكان هذا القبر الجماعي، فهل يعتبر ذلك قبرا جماعيا والا لا؟ حينما تقع كارثة ويقتل مئات من الاشخاص، وفي ثقافتنا الاسلامية يجب ان يدفن الميت بأسرع ما يمكن، فهل يعتبر ذلك قبرا جماعيا أم لا؟ هناك اسئلة عن تحديد مفهوم القبر الجماعي. بعد ذلك ينبغي تحديد هوية المقتولين وهوية القاتلين؟ تخلوا عن كل هذه المسائل بما في ذلك القول باستعمال الاسلحة الكيميائية في حلبجة في هذه المسألة لم يثبت ما اذا كان العراقيون من استعمل هذه الأسلحة أم الايرانيون. لم يثبت ايضا استعمال اسلحة كيميائىة ادّت الى الأعداد التي يشار اليها من القتلى لأنه لا توجد ادلّة حقيقية عن استعمال الاسلحة الكيميائية في حلبجة باستثناء شريط واحد مصوّر لمدة 10 دقائق عُرض في الثمانينات وكان هذا الشريط قد صوّر من قبل التلفزيون الايراني في الزاوية العليا من الشاشة تظهر علامة التلفزيون الايراني لأنه في ذلك الوقت وحسب احدى الروايات على الاقل، ان الحرب الايرانية العراقية على اشدها وان قسما من الاكراد العراقيين كانوا يساعدون ايران، قامت الحكومة العراقية باخلاء المنطقة وذلك ما يسمى حملة الأنفال والتي يقال انه لحماية البلد تم رسم شريط حدودي عرضه كلمترين على طول الحدود الايرانية العراقية وقد اخلي هذا الشريط من السكان حتى لا يسمح للعدو الايراني ان يدخل الى الاراضي العراقية ومدينة حلبجة كانت ضمن هذا الشريط وقد تم اشعار السكان عن طريق القوات العراقية بضرورة مغادرتها لانه سيتم احتلالها من قبل القوات الايرانية. وقد احتلت ايران حلبجة، الاسلحة الكيميائىة التي استعملت وفق احدى الروايات استعملت ضد القوات الايرانية المحتلة، وحينما انسحب الايرانيون سحبوا قتلاهم وبقيت الصور القليلة جدّا التي عرضوها، ومنها سيدة تحمل طفلا ونائمة على الارض، ثم صورة اخرى فيها ثلاثة اشخاص... صورة رجل كبير على الارض... هناك رواية اخرى علمية وهي ان الاسلحة الكيميائىة التي استعملت في حلبجة، لم تكن ضمن الأسلحة التي كانت لدى العراق (وهي قراءة اعترف بها الأمريكيون أنفسهم) وإنما كانت لدى إيران. وإذ اتحدّث الآن عن المقابر الجماعية، أو عن حلبجة، فلا أقصد القول إن العراق لم يرتكب ذلك، لأني لا أعرف هذه الحقيقة ولكن كل ما أقوله إنه لكي تجري محاكمة وفق هذا المعيار، وعلى الأسس القانونية، يجب إثبات الحادثة، والفاعل، والشخص الذي توفي، ويجب اثبات العلاقة السببية اي أن هذه الوفاة ناجمة عن هذه الحادثة. وحينما فشلوا في الوصول الى هذه الاثباتات، بالرغم من أن ذلك بدأ منذ سنة 1992 عن طريق الاستخبارات الأمريكية التي انشأت في بريطانيا مؤسسة «اندايت» التي تعني «الاتهام» وهو أمر معلن، حيث تموّلها الولايات المتحدة الأمريكية، وقد سارت على خط اليهود الذين تابعوا المحرقة، «مؤسسة روزنتال» التي تعمل على جمع الاتهامات والأدلة ضد مرتكبي المحرقة.. وبالرغم من كل هذه السنوات، ومن احتلال العراق، لم تصل اليهم معلومات كافية تقدم للقضاء وقد تصلح للاعلام ولكنها لا ترقى الى الدليل القضائي. فالعمل السياسي يختلف عن العمل القضائي. لذلك بعد أن فشلوا في كل ذلك، انتقلوا الى ما سميت المحاكمة الأسهل، وهي ما سميت الدجيل. وهناك تعمية كاملة عن عملية الدجيل. وباختصار كانت هناك محاولة لاغتيال رئيس الدولة، وقد قام بتكليف الأجهزة الأمنية بإلقاء القبض على عدد من الناس... قد تكون هناك اساءات وقد يكون هناك تعدّ على الناس، ولكن بعد فترة تحقيق دامت سنتين، تمّ تقديم أشخاص الى المحاكمة وفي المحاكمة، جرت محاكمة رسمية متقدّمة مئات المرّات عن المحاكمة التي جرت لصدّام حسين. وهذا لا يعني انها كانت محاكمة عادلة، ولكنها استوفت كافة الشروط للمحاكمات القضائية، فقد صدرت وفق التشريعات العراقية اولا، وبالتالي كان الأساس القانوني لها سليما. ثانيا، فإن الاجراءات التي اتبعت، كانت تنسجم حرفيا مع القوانين العراقية. وقد تم تمكين المتهمين من كافة الوسائل المتاحة للدفاع عن أنفسهم. المحكمة وجدت هؤلاء المتهمين في نهاية الأمر مذنبين. وحتى وإن كانت المحكمة مخطئة، فإنها وجدت انهم مذنبون، فأصدرت عليهم حكما بالاعدام. والاعدام لا ينفذ الا بموافقة رئيس الدولة، وفق الدستور، كما هو معمول به في كل العالم. صدّام حسين وافق على قرارات الاعدام، ان تجري محاكمة صدّام الآن على ممارسة دوره القانوني، ففي ذلك اخلال بالمبادئ لأنّه لا يجوز ان تكون القوانين ذات أثر رجعي. لذلك فإن هناك تعمية على الوقائع. كما ان كافة وسائل الاعلام تتحدّث عن محاكمة صدّام عن «انتهاكات حقوق الانسان وجرائم ضد الانسانية» وهذا ليس صحيحا لأن صدّام يحاكم الآن أمام المحكمة العراقية بصفته مجرما، قد ارتكب جرائم، وهؤلاء الأشخاص كلهم مشتكين وليسوا شهودا، الدعوى حرّكها الادعاء العام لو كانت جريمة ضد حقوق الانسان، فإن الادعاد العام يحرّكها ويأتي بشهود ولا يؤتى بمشتكين، وإذا كانت هذه الدعوى، وفق هذا المعيار، فلا تجري مقاضاة الأشخاص الآخرين بل الشخص المسؤول فقط، مثلا لا يمكن مقاضاة شخص وابنه المنتمين للحزب في الدجيل، فهؤلاء لا ينبغي محاكمتهم عن جريمة حرب. لذلك رأينا رئيس المحكمة يسأل من تتهم من بين هؤلاء، وأغلبهم لم يتم تلقينهم كما ينبغي... اذن اذا نظرنا الى المحكمة فهناك جانب المشروعية، أما الجانب الثاني، فيهم اسلوب التقاضي، وهناك جانب الاثبات في الجانب الاجرائي، إذن (حتى وإن افترضنا ان المحكمة مشروعة) هناك نوعان من المحاسبة، النوع الأول هو ان تجري مقاضاة شخص عن جريمة ضد الانسانية أو جريمة حرب: في هذه الحالة هناك دعوى من الادعاء العام، وليس هناك مشتكين. أما النوع الثاني فهو ان تجري مقاضاة شخص ما جنائيا للمطالبة بالحق الشخصي. الادعاء العام هنا يقاضيه لانتهاك الحق العام. من قُتل ابنه مثلا يقاضيه للمطالبة بالحق الشخصي.. اما انتهاكات حقوق الانسان، فإن بإمكان أهل من انتهك حقّه أن يطالب بالتعويض.. وهناك الجانب الآخر هو الحق العام. في الدعوى ضد صدّام حسين، هي دعوى بالحق الشخصي وليست دعوى حول حقوق الانسان أو جرائم الحرب، والاشخاص الذين جيء بهم كانوا مشتكين.
محاكمة صدّام تعتبرها وسائل الاعلام وخاصة الغربية، محاكمة عن جرائم انتهاكات حقوق الانسان أو جرائم حرب، في حين ان الاجراءات التي تسير عليها المحكمة هي اجراءات للمطالبة بالحق الشخصي لذوي الذين قتلوا وليست انتهاكات حقوق الانسان وتأكيدا لقولي هذا، ولو كانت الدعوى هي لانتهاكات حقوق الانسان، ما كان يكون هناك سبعة متهمين، بل المتهم الرئيس الذي هو مسؤول عنها بصفته رئيس الدولة، لكن لأن الدعوى هي مطالبة بالحق الشخصي، تمّ استقدام كل المتهمين لكي يستطيع كل شخص ان يطالب من يريد من هؤلاء بالحق الشخصي. للأسف الاعلام، بتوجيه امريكي، لازال يعتبر المحاكمة بدعوى ضد انتهاكات حقوق الانسان.. وأنا بصفتي ممارس للمحاماة في بريطانيا فأنا أفهم القانون البريطاني، وبصفتي محامي عراقي فأنا أعرف القانون العراقي، وأعرف أن المحاكمة تتم المطالبة للحق الشخصي، ولكن وسائل الاعلام العربية في أغلبها لم تطرح هذه النقطة، وأغلب المؤسسات الاعلامية الغربية التي طلبت رأيي فعلت ذلك، زاعمة البحث عن التوازن في الرأي حيث يتحدّث العديدون عن «عدالة» تلك المحاكمة، ثم يأتون بشخص واحد مختلف.. المهم في كل ذلك ان الاعلام العربي اتخذ نفس المسار دون تفكير. أما الاعلام الغربي، فكان يفعل ذلك عن قصد كيف تقيمون إفادات الشهود أو المشتكين؟
لا أحد من الشهود بدون استثناء أشار إلى شخص ما من الموجودين بأنه قد ارتكب الجريمة وهذه من أبسط القواعد القضائية لم يستطع أي شخص من المدعين أن يقول إنه رأى فلان أو فلان أثناء ارتكابهم هذه الجريمة باستثناء شخص واحد قال إنه رأى برزان يأكل العنب أثناء التعذيب. الشهود في أغلبهم كانوا أقل من سن الرشد أثناء الحادث وكل إفاداتهم كانت سماعية والإفادة السماعية لا ترقى إلى الدليل ومع كل ذلك لم يستطع أي من المشتكين أن يصف ما قام به كل طرف في نهاية الأمر أعتقد أنه وبعد عشرين سنة من الآن حين ينظر العالم إلى هذه المحاكمة سيشعر بالخجل حيث تمّ انتهاك كافة المعايير والمقاييس التي تجري على أساسها محاكمة هؤلاء الأشخاص وحتى لو كانوا ارتكبوا هذه الجرائم فإن الشرطة تنزل إلى مستوى أدنى من المجرم. المجرم دوره في المجتمع أن يرتكب الجريمة ولكن حين تقوم السلطات القضائية والإدارية بارتكاب جرائم أدنى من هذا المستوى يكون ذنبها أكبر نحن نتحدث عن انتهاكات لحقوق الإنسان باعتبارها سبب محاكمة صدام، وإذا بنا نجد أمامنا متهمين يمنعون حتى من الحصول على ورقة وقلم ولا يسمح لهم بالاتصال بالمحامي أو الحصول على الاستشارات القانونية ولا يعلمون بالاتهامات الموجهة لهم في قضية لويس ليببّي الذي اتهم بتسريب اسم إحدى عميلات السي آي آي في الإدارة الأمريكية لم يكن اتهامه جزافا بل لقد أصدروا لائحة اتهام يمكن الاطلاع عليها على الانترنت وهي من 20 صفحة تم فيها توصيف ما قام به بالتدقيق وهو لم يقدم بعد للمحاكمة وهو متهم فقط أما صدام حسين فقد مثل أمام المحكمة هو ومحاميه خليل الدليمي وهم لا يعلمون عن التهمة الموجهة له باستثناء ما كان ينشر في الصحف انه قد قتل 146 شخصا في ما يعرف بقضية الدجيل بل أنهم يقولون إن عدد القتلى هو 146 حينا وإنه 148 حينا آخر الرقم إذن غير محدّد حتى الآن... إلى أن دخلوا إلى المحكمة وهم لا يعلمون ما هي لائحة الاتهام... سمع لائحة الاتهام للمرة الأولى من الادعاء في المحكمة والغرض من ذلك هو حرمان المتهم من إعداد دفاعه.

*كل هذه الإجراءات المغلوطة التي تتم في إطارها هذه المحاكمة المسرحية ألا تعيدنا إلى الصورة الأساسية التي تتم فيها هذه المحاكمة باعتبارها غير شرعية وصورية وتتم في ظل الاحتلال؟
أكيد إذا نظرنا على الجانب الفني للمحكمة فهذه المحكمة ينبغي أن تكون مستندة على أساس قانوني صحيح... العراق تحت الاحتلال بموجب اتفاقيات جينيف واتفاقيات فيينا الاحتلال هو غير مشروع ولكن هناك واقع: سلطة الاحتلال لا يحق لها أن تغيّر أي شيء في الأراضي المحتلة لا تستطيع أن تغيّر الحالة الاقتصادية أو الحالة الاجتماعية أو الحالة القانونية كل ما تستطيع أن تقوم به هو أن تمارس سلطاتها كسلطة محتلة وتؤدي «واجبها» في حماية الأراضي المحتلة نجد أن أمريكا في هذا الشأن خالفت كل هذه القواعد الحاكم المدني بول بريمر أصدر مائة تشريع في العراق تناول قسم منها أشياء لها علاقة مع الاحتلال فقد أصدر مثلا قانونا للشركات وقانونا لتحرير تجارة العراق وقانون الجنسية بما سمح لمئات الألوف من الإيرانيين أن يصبحوا عراقيين! إحدى هذه القوانين التي أصدروها هو تأسيس المحكمة أولا ثم تعيين القضاة هذه القوانين تخالف اتفاقيات جينيف وفيينا. وإذا تجاهلنا جدلا القانون الدولي واعتبرنا أنه لا توجد اتفاقيات جينيف ولا فيينا يجب أن نعود إلى القانون الوطني في العراق الذي ينص على كيفية تشكيل المحاكم ويمنع تشكيل المحاكم الخاصة ويحدّد كيفية تشكيل المحاكم وتعيين القضاة وهذا ما لم يجر تنفيذه بالرغم من أن الأمر الإداري الأول للاحتلال أو القرار رقم واحد ذكر في مادته الثانية أو الثالثة تبقى كافة القوانين والتشريعات العراقية نافذة المفعول ما لم يجر تغييرها.
قانون السلطة القضائية العراقي حول تشكيل المحاكم وتعيين القضاة تم مخالفته بقرار أصدره بريمر لذلك تصبح المحكمة (ومبدؤها أساسا) غير مشروعة. المسؤولون العراقيون اكتشفوا هذا الأمر في آخر دقيقة لذلك أصدروا قانونا جديدا للمحكمة قبل بدء المحاكمة بفترة قصيرة، وبدؤوا يقولون أن هذه المحكمة لم يشكلها بريمر وإنما شكلها المجلس التشريعي الحاكم في حين أن كافة التشريعات من 2003 حتى الآن هي وفق القانون المذكور الذي سنه بريمر... يضاف إلى ذلك أنه لا يمكن لأي قضاء في العالم أن يجري تعيين القضاة على أساس طائفي أو ديني أو مذهبي في حين تم تعيين القضاة على أساس أنه كردي لأنه كردي وتم تعيين الادعاء لأنه من حزب الدعوة أي أنه شيعي عملية القضاء أصبحت عملية مسيسة حتى وفق المعايير التي وضعوها.
المحكمة إذن تفتقد إلى المشروعية في كافة مراحلها أساسا وإجراءات وتطبيقا وتنفيذا وتشكيلا. المحاكم التي كان يقيمها نظام صدام حسين وكانت غير عادلة كانت على الاقل نستوفي الناحية الشكلية قد لا تكون عادلة ولكنها على الاقل تستوفي في الأساس القانوني.

*نفس الامر يحدث مع الانتخابات التي وان يتمسك القادة المنصّبون من قبل الاحتلال بأنها عملية شرعية الا انها تتم في ظروف الاحتلال.
ـ نعم، اذا أخذنا كل العمليات الانتخابية التي حدثت في العراق منذ 2003 فإنه لابد من الوقوف على هذه الحقيقة فمن أولى متطلبات الانتخابات ان تجرى معرفة الناخبين والمنتخبين. الانتخابات التي تجري في العرافي في كافة مراحلها لم يعرف خلالها العراقيون المرشحين الذين سيدلون لفائدتهم بأصواتهم حتى خلال الانتخابات الاخيرة التي جرت على أساس التصويت لقوائم مرقمة مثلا القائمة رقم 720 أو غيرها... وكل قائمة يرمز لها بأشهر المنضوين فيها، فهذه قائمة علاوي وهذه قائمة الجعفري وغيرها...
أما الناخبون ايضا فيدلون بأصواتهم بطريقة اعتباطية. احدى الأقارب في لندن قالت انها ستتوجه الى العراق للادلاء بصوتها وان لها جواز سفر بريطاني اي انه ليس لها وثيقة عراقية ولكن في الجواز البريطاني كتب انها مولودة في بغداد في احدى مناطق بغداد (النصّة) ولا أحد يعرف النصّة فقلت لها كيف سيكون بإمكانك الادلاء بصوتك فقالت مازحة سأقول لهم (باللهجة العراقية) اشلونكم... شاكو... ماكو..!»...
وفعلا أحد الصهاينة صوّت للمرة الثانية في بغداد لأن لديه هوية لجدّه!
في هذه الانتخابات لا نعرف من هم المرشحون او مؤهلات الناخبين. في هذه الانتخابات لا يحدد المتطلبات اللازمة للانتخابات. هل يمكن ان تفتح المراكز الانتخابية على الساعة الرابعة صباحا؟! حتى كافكا لا يمكنه ان يتخيّل ما يحدث في العراق لم يحدث في اي بلد ما في العالم ما حدث في العراق، وأقصد انه جرى اغتصاب جنسي فظيع كما حدث للعراق. والاغتصاب لم يحدث من قبل الأمريكيين والغرب فقط بل من قبل أبناء البلد... كنت اعتقد في 1967 بعد الهزيمة ان ما حدث لنا كعرب هو نهاية العالم ثم جاءت 1991 واعتقدت ايضا انه لن يحدث لنا أسوأ مما حدث! ولكن ما حدث في أفريل 2003 كان مما لا يمكن استيعابه.

 

شبكة البصرة

الجمعة 6 ذو الحجة 1426 / 6 كانون الثاني 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس

إلى صفحة مقالات وأراء2