14/11/2005

 

الاعتراف بالمحرقة اعترافٌ بتميز المعاناة اليهودية

 

 

 

بقلم :د. ابراهيم علوش

 

قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 1/11/2005 باعتبار يوم 27/1 من كل عام يوماً لإحياء ذكرى ضحايا «المحرقة» اليهودية في ظل الحكم النازي لم يأت بلا مقدمات. فقد سبقها عقد الأمم المتحدة لجلسة خاصة لإحياء ذكرى ضحايا المِخرقة في 24/1/2005، بناءً على طلب دولة العدو، مع العلم أن عقد جلسة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة يتطلب موافقة أغلبية أعضائها، ومنهم الدول العربية والإسلامية.

 

وتقول مواقعُ صهيونيةٌ على الإنترنت أن «إسرائيل» تعيش أسعد لحظاتها في الأمم المتحدة اليوم، حيث عين «إسرائيلي» نائباً لرئاسة الجمعية العامة، كما تسعى دولة العدو حالياً للحصول على مقعد وثير ولكن غير دائم في مجلس الأمن... لمَ لا؟! فالأمر الظريف اللطيف في قرار الجمعية العامة لتبني المِخرقة اليهودية عالمياً أنه مرر برعاية 104 دول، أي أن 104 دول تبنت القرار باعتباره قرارها وطرحته باسمها على الجمعية العامة، فمر القرار بدون أية معارضة وبموافقة 191 دولة، بينها الدول العربية والإسلامية بالطبع.

 

وتحتج مصادرُ غربيةٌ أن الدول العربية والإسلامية لم تتبنَ القرار، بل صوتت عليه بالموافقة فقط، فيا عيبها!! ومن المؤكد أن مندوبي الدول العربية والإسلامية في الأمم المتحدة يشعرون بالأسى أن الشارع «العاطفي» لا يدرك حجم «نضالهم» كي يرضى سادة العالم بموافقتهم فقط على القرار وليس بتبنيه!!

 

الحلقة المركزية في القرار بالطبع لا علاقة لها لا بالمجازر الجماعية ولا بالمعاناة الإنسانية من أي نوع، لا اليهودية ولا غيرها، بل بتصاعد النفوذ العالمي للحركة الصهيونية واللوبيات اليهودية، وبشرعنة ذلك النفوذ رسمياً بختم «الشرعية الدولية».

 

أما حجم التأييد الذي لقيه القرار فيتعلق بالجوهر بتحول الرأسمالية إلى رأسمالية ربوية مضاربة في مرحلة العولمة، أي بتقمص الرأسمالية العالمية روح «اليهودي العملي»، كما اسماها كارل ماركس في كراسه حول المسألة اليهودية.

 

باختصار، اليهودية، أو أيديولوجيا «اليهودي العملي»، باتت جزءاً عضوياً من أيديولوجية العولمة الرأسمالية، تماماً كما أصبحت النخب اليهودية جزءاً عضوياً من نسيج النظام الدولي الجديد. أي أن القرار يكرس الصهيونية كظاهرة عالمية، لا كمجرد قاعدة استعمارية محلية في الوطن العربي كما يظن بعضنا.

 

ولكن بعيداً عن الأيديولوجيا، وقع معظم النقاد العرب في مطب إعلامي خطير في تناولهم لقرار إحياء ذكرى المِخرقة سنوياً الذي يدعو دول العالم جميعاً لتثقيف شعوبها بأساطير المحرقة، والذي يحرِّم إنكار المِخرقة كلياً أو جزئياً، والذي يرفع المِخرقة فوق كل شأن وكل معاناة، وعلى رأسها طبعاً محاصرة العراق واحتلال فلسطين و... ترهات أخرى من نفس المستوى، إذا ما قورن أيٌ منها بالمِخرقة!

 

الكارثة الإعلامية التي ارتكبها بعض الإعلاميين العرب، مع كامل الاحترام والتقدير لهم جميعاً، هي تبنيهم للخط الذي يقول: نعم حدثت المِخرقة، ولكن ماذا عن معاناة الآخرين من غير اليهود؟! وهل يجوز أن تُستَغل المِخرقة من الصهاينة لتبرير الانتهاكات لحقوق العرب؟! وما شأننا نحن بالمِخرقة، فهذه جريمة ارتكبها الأوروبيون ولا علاقة لنا بها من قريب أو بعيد؟!

 

لكن مجرد الحديث عن «أفران غاز»، بل مجرد التلفظ بتعبير «أفران الغاز» التي يفترض أن اليهود قضوا فيها، يجعل المِخرقة حدثاً استثنائياً في التاريخ البشري بأسره، وهنا بيت القصيد، لا عدد الذين قضوا في المِخرقة، وما إذا كانوا ستة ملايين أو أقل.

 

فلم يحدث في التاريخ البشري من قبل أن تمت عملية إبادة منهجية بهذا الحجم من خلال استخدام أفران غاز. أي أن هذا هو مصدر فرادة المِخرقة، الفرن، وليس العدد: الفرن، القربان، الأضحية اليهودية التي قدمت على مذبح البشرية، والتي تبقي البشرية برمتها مدينة لليهود إلى الأبد، وهذا الفرن بالتحديد هو الذي يسخف كل معاناة أخرى، من احتلال فلسطين إلى حصار العراق إلى غيرهما، وهو الذي يبقي العالم في حالة عجز معنوي دائم إزاء اليهود. ولهذا أصبحت المِخرقة أيديولوجية السيطرة الصهيونية، لا حدث تاريخي.

 

مرة أخرى، القرار الذي تبنته الجمعية العامة موجه ضد المؤرخين المراجعين، فهؤلاء قاموا بدراسات علمية وتاريخية أثبتوا فيها أن أفران الغاز لم توجد قط، ولم يمت فيها شخص واحد. مثلاً، برفيسور الهندسة الأمريكي أرثر بوتز وضع كتاباً أثبت فيه الاستحالة الهندسية لغرف الغاز. وعالم الكيمياء الألماني غيرمار رودلف، المسجون حالياً في أمريكا قيد الترحيل إلى ألمانيا، قام بدراسة أثبت فيها أن الغاز الذي يفترض أنه استخدم ضد اليهود والذي يفترض أن تبقى له آثار على مدى قرون في التربة، لم يوجد أثر له قط في معسكرات الاعتقال النازية. الكاتب الفرنسي روبرت فوريسون الذي تعرض لأكثر من محاولة اغتيال درس غرفة الإعدام بالغاز في أمريكا وأثبت أن أبسط شروطها لم تتوافر في غرف الغاز المزعومة في اوشفتز وبركناو. الخ...

 

وللإيضاح، لا يقول المؤرخون المراجعون إن اليهود لم يقتلوا في الحرب العالمية الثانية أو في معسكرات الاعتقال، بل يقولون إنهم ماتوا كعشرات الملايين غيرهم من الجوع والمرض والقصف، وهنا فقط، بإثبات بطلان أسطورة غرف الغاز، تصبح المعاناة اليهودية غير فريدة من نوعها، فليس بالإمكان منطقياً أن نعترف بالمِخرقة لنقول بعدها أن «مثلها مثل غيرها»، فهذا مثل القول إن أمراً ما هو أعظم الأمور على الإطلاق لولا أن مثله مثل غيره! فهذا تناقض غير معقول... ومن المؤكد أن الصهاينة يفرحون كثيراً إذا اقتصر نقدنا للمِخرقة على نقد طريقتهم باستغلالها سياسياً.

 

1
إلى صفحة مقالات 2