26/11/2005

 

في البعد الثقافي للصراع

 

 

بقلم :د. ابراهيم علوش

 

«لم تُقدر السيطرة الثقافية حق قدرها كعاملٍ من عوامل النفوذ العالمي الأمريكي. فبغض النظر عن موقف المرء من قيمتها الذوقية، فإن الثقافة الجماهيرية الأمريكية تمارس جذباً مغناطيسياً خصوصاً على شباب العالم. من المحتمل أن جاذبية تلك الثقافة تعود للطبيعة الحسية لنمط الحياة الذي تصوره لكن المؤكد أن تلك الجاذبية لا يمكن إنكارها. تحتل الأفلام والبرامج التلفزيونية الأمريكية ثلاثة أرباع السوق العالمية. وتشابهها في الانتشار الموسيقى الشعبية الأمريكية، في حين تتوسع باستمرار دائرة الذين يقلدون التقليعات والملابس وحتى العادات الغذائية الأمريكية في جميع أنحاء العالم. الإنجليزية هي لغة الإنترنت، والنسبة الغالبة من الدردشة العالمية على الكومبيوتر تصدر عن أمريكا الأمر الذي جعل الأمريكيين يؤثرون على مضمون كامل التخاطب العالمي... ويمكن العثور على خريجي الجامعات الأمريكية ضمن التشكيلات الوزارية في جميع دول العالم تقريباً».

 

هذه الكلمات عن أهمية السيطرة الثقافية لتحقيق السيطرة العالمية الأمريكية خطها مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبغنيو بريجينسكي في كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى». وذلك الكتاب المهم أطروحة في الجغرافيا السياسية أساساً، ولكن مع ذلك تراه يشدد على أهمية الهيمنة الثقافية كأحد أبعاد الهيمنة الأمريكية الشاملة، ليضعها في مصاف العناصر الأهم لتحقيق الهيمنة مثل القوة العسكرية والتقدم التكنولوجي وحجم وحيوية الاقتصاد والموقع الجغرافي، ولا يفتأ بريجينسكي يذكرنا بأن إمبراطورية المغول انهارت بسبب تخلفها الحضاري، مما أدى لاستيعابها من قبل الشعوب المحتلة، إذ تبنى حكامها من أحفاد جنكيزخان الكونفوشية في الصين والإسلام في فارس وآسيا الوسطى. بالمقابل، يذكرنا بريجينسكي أيضاً أن هيمنة الإمبراطورية البريطانية في عزها كانت تقوم جزئياً على تبني الشعوب المغلوبة لمقولة «التفوق الحضاري» البريطاني مما مكن الحكام البريطانيين من فرض نفوذهم ببضع آلاف من الجنود على مساحاتٍ شاسعة أحياناً وشعوبٍ تعد بعشرات الملايين.

 

المهم، نترك رأسنا مكشوفاً للهجوم إن تجاهلنا البعد الحضاري للصراع، فإلى جانب القاعدة العسكرية والشركة التجارية والترتيبات السياسية تحتاج قوى الهيمنة الخارجية لأن نقبل بهيمنتها، فالهيمنة أو الاحتلال لا يجديان من وجهة نظر الربح والخسارة إذا كانت الشعوب المغلوبة ستستمر بالمقاومة إلى ما لا نهاية، بل يجب أن تتوق للتماثل مع الغالب وأن تعتبر لغتها وثيابها وطعامها وموسيقاها ونمط حياتها بشكلٍ عام أدنى في سلم الحضارة مما أتى به الغالب. وعندها يمكن أن تتفرغ قوى الهيمنة الخارجية لأكل ثمار الاحتلال والغزو هنيئاً مريئاً دون كثير إزعاج، لتنخفض بالتالي كلفة الاحتلال والهيمنة للحد الأدنى.

 

ولكن علينا أن نفهم عدونا جيداً، فقوى الهيمنة الخارجية لا تنطلق في فرض سيطرتها من منطلقات حضارية، ودوافعها لا روحية ولا ثقافية، وكثيرٌ عليها أن نصفها هكذا، بل هي تريد النفط والأسواق مثلاً أو تحطيم منافس محتمل أو إقامة قواعد عسكرية في مواضع حساسة الخ... فدوافعها مادية بالأساس، ولا يهمها لتحقيق مصالحها أن تتحالف مع المجاهدين الأفغان مثلاً في مواجهة الاتحاد السوفياتي، أو مع مطلقي الفتاوى ضد العمليات الاستشهادية. إذن قوى الهيمنة الخارجية لا تنطلق من فرضية صراع الحضارات لتمارس هيمنتها، بل تصطدم مع كل ما يقف عائقاً في طريقها، وتستغل كل ما يسهل عملها. وهنا تجيء مقولة «تفوقها الحضاري» كأداة هيمنة، ولكنها في نفس الوقت تجيء تعبيراً مكثفاً عن تمجيد الذات المهيمنة أو بالأحرى تمجيد القوى والشرائح صاحبة المصلحة بالهيمنة.

 

بالمقابل، ومن وجهة نظر الشعوب المستضعفة والمحتلة، تصبح المقاومة الحضارية، أي رفض التماثل مع المحتل والإصرار على الثقافة الأصيلة، شرطاً من شروط المقاومة إلى جانب الشروط الأخرى كالبندقية والمتفجرة والموقف السياسي. وهذا يفسر صعود نجم الإسلام الجهادي في بلادنا كما يفسر الهجمة المضادة لخلق إسلام لا جهادي منزوع المخالب تحاول الإمبريالية أن تنتجه في معركتها الإعلامية ضد المقاومة، مما يؤكد بدوره أن منطلقات الإمبريالية ليست ثقافية في جذورها! ولكن المعركة السياسية هنا تظل على مرجعية الإسلام...

 

باختصار، بات الإسلام موضوعياً خطاً دفاعياً أساسياً في مواجهة قوى الهيمنة الخارجية في بلادنا، ولكن هذا الاستنتاج يبقى مشروطاً بأن يكون تأويله: 1) جهادياً ومعادياً لقوى الهيمنة الخارجية، 2) منفتحاً على كل التيارات الجهادية والمعادية لقوى الهيمنة الخارجية عربياً وعالمياً، 3) متنوراً رافضاً للعادات الاجتماعية المتخلفة التي لا تمت للدين بصلة (مثلاً، انفلات الأعصاب وتجاوز قوانين السير بذريعة الصيام لا علاقة له لا بالدين ولا بأي تأويل له!).

 

والحديث كان عن الخطوط الدفاعية. أما الانتقال إلى الهجوم، فيحتاج إلى مشروع آخر، نهضوي عربي، ومن الطبيعي أن لا يمثل ذلك المشروع قطيعة مع تراث الأمة العربي والإسلامي، بل أن يتمثل أفضل ما فيه ليشكل استمراراً طبيعياً له، وهو ما يقتضي معالجة أخرى.

1

 

إلى صفحة مقالات وأراء 2