29/11/2005

 

الإسلام هو الحل

لأنه هو الدين

والضامن لشرعية الحكم

1\2

 

بقلم :د . يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

أولا أرجو المعذرة في تصحيح آية سورة الكهف : وردت الآية الثالثة من سورة الكهف في مقالنا السابق وبها خطأ غير مقصود ، وصحتها ( ماكثين فيه أبدا ) لزم التنبيه

 

 

نعم : الإسلام هو الحل

لأته هو الهداية ، لأنه هو مصدر الهداية

لأنه هو الدين

لأنه هو الدين عند الله أزلا ، وهو ما أنزل على جميع الرسل والأنبياء قاطبة

ألم يعلموا ؟ أما صك أسماعهم  قوله تعالى : ( إن الدين عند الله الإسلام ) 19 آل عمران ؟

وأما صك أسماعهم قوله تعالى : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) 85 آل عمران

وأما صك أسماعهم قوله تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى )13 الشورى  بدءا من نوح وإبراهيم وإسماعيل  ولوط ويوسف ويعقوب وبنيه .

وأما صك أسماعهم قوله تعالى في إبراهيم عليه السلام وذريته : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ،    ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ، ولقد اصطفيناه في الدنيا ، وإنه في الآخرة لمن الصالحين ، إذ قال له ربه أسلم ، قال أسلمت لرب العالمين ، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ، يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ،  إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ،  قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، إلها واحدا ونحن له مسلمون ، تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ، ولا تسئلون عما كانوا يعملون ، وقالوا كونوا هودا أونصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ، وقالوا آمنا باله وما أنزل إلينا ، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم ، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ، وإن تولوا فإنما هم في شقاق ، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ، صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ، ونحن له عابدون ، قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ،  ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون ، أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى ، قل أأنتم أعلم أم الله ، ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون . )  ) 127 140 البقرة

وأما صك أسماعهم قول موسى عليه السلام ( ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ) 126 الأعراف

وفرعون موسى وهو يقول عند الاحتضار ( وأنا من المسلمين ) 90 يونس

وسليمان عليه السلام وهو يقول في خطابه إلى قوم سبا ( أ تعلو علي وأتوني مسلمين ) 31 النمل

وملكة سبأ إذ تقول : ( وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) 44 النمل

وأما صك أسماعهم قول الحواريين ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ) 52 آل عمران .

والجن إذ قالوا : ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ) 14الجن

وفي الحديث الصحيح يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد)

ويقول الإمام الطحاوي ( ودين الله في ألرض وفي السماء واحد )

ويقول العلامة الشيخ محمد عبد الله دراز عن كلمة الإسلام ( إنما هو اسم للدين الذي هتف به كل الانبياء وانتسب إليه كل أتباع الأنبياء )

وليس هذا اعترافا بكون المسيحية أو النصرانية أو اليهودية إسلاما ، ولكنه يعني كما هو واضح شديد الوضوح أنه في رحاب القرآن نفتقد نزول أديان سماوية غير الإسلام : إنها تسمى دينا ، أو تسمى كتابية ، ولكنها لا تسمى سماوية ولا تسمى إسلاما . ومهما تكن من تسمية أخرى فهي منسوبة لغير القرآن

هكذا بكل الصدق وبكل الصراحة وبكل البساطة .

وذلك كله إنما يأتي على بساط تحرير العقيدة علميا ، دون أدنى مساس بشرعية حسن المعاملة مع أهل الكتاب وغيرهم ممن تقوم بينهم بين المسلمين ذمة الإسلام أو عقد الوطنية .

فماذا يريد أقباط المهجر في مؤتمرهم ، ما ذا يريدون من المسلمين غير أن يهجروا القرآن ، وأن يهجروا الإسلام ؟ أو أن يستوحوا معانيه من وحي كنيستهم ؟ وهم في ذلك هل هم يفكرون أم يحلمون ؟ أم يشاغبون ؟ أم يخرفون ؟

وماذا يريد العلمانيون في مؤامرتهم ، ماذا يريدون من المسلمين غير أن يكفروا ببعض الإسلام وإن كان لهم أن يؤمنوا ببعضه ؟ وهم في ذلك هل هم يفكرون أم يحلمون ؟ أم يشاغبون ؟ أم يخرفون ؟

 

وماذا يريد الإباحيون في مهزلتهم ؛ أولئك الذين ترتعش أجسادهم عند كل دعوة إلى الدين ، ماذا يريدون غير أن نشاركهم في عريهم ومباذلهم وسكرهم وعربدتهم وسخافاتهم وتفاهاتهم ؟ 

وماذا يريد الملاحدة في ورطتهم ، أولئك الذين تندلق أمعاؤهم العفنة  من أفواههم النجسة كلما أحسوا بقرب وفادة الدين ماذا يريدون غير أن ننسلخ من عقيدتنا وأخلاقنا ومعاييرنا وشرفنا وذواتنا وتاريخنا وأرضنا وحصوننا وقلاعنا ؟

 

ماذا يريد بعض علوجهم وهو يرفع شعار " لا لاستخدام الدين " وما كان الشعار عند أصحابه إلا تعبيرا عن الاستهداء بالدين ، فما أراد العلوج إلا تحريم   الاستهداء بالدين ، ماذا يريد هؤلاء غير استبعاد الدين عن وظيفته في الهداية والفعل والعمل والتغيير والإصلاح ؟ وكيف يغير القومُ ما بأنفسهم كما يأمرهم الدين بغير انتفاعهم بهذا الدين عقيدة وتشريعا وخلقا وحياة وحضارة ؟ وبغير أن يطلبوا الهداية منه والانتفاع به في معترك حياتهم وصراعهم مع خصومه ؟ 

ولماذا يخجل التيار الإسلامي عندما توجه إليه هذه " التهمة " أليست تعني أنهم يخاطبون في الإنسان  عاطفة سامية  ، وفطرة نبيلة ، وطاقة إنسانية ، وهي عند المسلمين مبنية على فكر سليم و عقل قويم  وفطرة شريفة وتاريخ مشرق وتجربة واقعية سلفت كانت ناجحة مستقرة لقرون طويلة ؟

 

وما ذا يفعل غيرهم من العلمانيين -  من الماركسيين والقوميين والوطنيين والليبراليين -  وهم يخاطبون الشعب غير أنهم يخاطبون فيه غريزة البطن تارة والفرج  تارة ،  وغريزة الحقد الطبقي أو العنصري  والفتنة الطائفية تارات ؟  وممارسة الوسائل التي تبررها الغايات  ؟ واستهداف الغايات التي تبررها الشهوات ؟ واستنفار الشهوات السفلية في جميع الحالات   ؟  واستثارة غريزة " التخويف " بالقوات متعددة الجنسيات  ؟  أليسوا يتكلمون عن توفير الطعام ، وخفض الأسعار، وزيادة الأجور ،  والتمكين للجنس ، وإعادة توزيع الثروة ، ثم يتكلمون عن البطالة ، ثم يتكلمون عن عبقرية الوطن ، وعبقرية العنصر ، ولا يخجلون من أن يشيروا إلى " خطر الإسلاميين "  الذي يتهدد  اختلاط الجنسين المباح وحرية الحب على النواصي ، وممارسة الجنس على الشواطئ وترخيص العهر في الفنادق ، وترويج الفن الرخيص الذي لا يروج ولا يجود  بغير هتك الأعراض  ؟

ولقد كان المفترض أن يستجيب الشعب بضروراته الفيزيقية  لهذا الاستخدام العلماني الغرائزي كما استجابت الثورة الفرنسية و الثورة الروسية وقد كانوا أجدر بالاستجابة لهذا الاستخدام لما هم فيه من أزمة معيشية خانقة من شأنها أن تصم آذانهم  عن نداء الطهر في " الإسلام هو الحل " عكس ما يقوله بعض الكتاب عن " جاذبية الخلاص الديني في بلد مأزوم دنيويا "  ………لولا بقية راسخة من عقيدة في الشعب المسلم ، ولولا كثير من فقد المصداقية في الذين يخاطبونهم من العلمانيين بعد تجربة " قرنية " طويلة زاعقة الفشل ، ومن هذين المنطلقين كان فشل المشروع العلماني الذي يحاول ما يحاول منذ أكثر من قرن .

 وليس أدل على هذا الفشل العلماني في نظام الحكم من ظاهرة الانتخابات بالذات التي تمثلت في ( انخفاض نسبة المشاركين في الانتخابات الأخيرة ، حيث لم تصل النسبة في البيانات الرسمية إلى اكثر من 24%، في حين أن تقديرات المنظمات الأهلية تهبط بها إلى 17% في اغلب الدوائر، كما تكاد تصل النسبة إلى ما بين 7 و 10% في المدن الكبيرة، ……في ظاهرة متلازمة مع التدهور الذي تشرحه الأرقام التي تبين كيف كان الإقبال على مثل هذه الانتخابات في أوائل  تجارب المشروع كما يذكرها الدكتور  يونان لبيب رزق، أستاذ التاريخ المرموق، الذي ذكر أن  نسبة إقبال المصريين على الانتخابات في عشرينيات القرن الماضي (بعد صدور دستور عام 1923) كانت في حدود 57%.  ، أوهو يتفق مع ما ذكرته الدكتورة عزة وهبي التي أعدت أطروحتها للدكتوراه عن "تجربة الديمقراطية الليبرالية في مصر قبل عام 52" إذ رجعت إلى مصدرين مهمين في هذه النقطة، أولهما عبد الرحمن الرافعي مؤرخ الحركة الوطنية المصرية، الذي ذكر أنه في الانتخابات التشريعية التي أجريت سنة 1950  كانت نسبة المشاركين في التصويت 69.66% - وما ذكره  الدكتور فتح الله الخطيب أستاذ العلوم السياسية الراحل، الذي احتسب الأصوات بطريقة أخرى، وخلص إلى أن نسبة الإقبال على التصويت كانت 60.62%. ) أنظر مقال فهمي هويدي بعنوان ( أمل الإصلاح على المحك ) بتاريخ 22\12005 نقلا عن موقع " المصريون " نقلا عن جريدة الشرق القطرية

وهذا إن دل على شيء فإنه يدل  على انصراف الشعب عن هذا المشروع العلماني على مدى قرن كامل

وإذا كان من الأمثلة الشائعة عند الأمريكيين كما يقول الأستاذ فهمي هويدي في مقاله ( إنه حين يتكرر الرسوب بنسبة ملحوظة في أحد الفصول الدراسية، فان اللوم ينبغي أن يوجه إلى المدرس وليس التلاميذ، لان ذلك معناه أنه فشل في أن يستخلص من الطلاب افضل ما فيهم، فهو مثل يمكن أن نعممه على السياسة أيضاً، لان المجتمعات تربي. فهناك أجواء تستثير همم الناس وتستخرج منهم أفضل ما فيهم، وهناك أجواء أخرى تشيع بينهم اليأس والقنوط ، فتستخرج منهم أسوأ ما فيهم. بسبب من ذلك فان إحدى النقاط المهمة التي ينبغي أن يدور حولها البحث في محاولة رصد تحولات السلوك السياسي والاجتماعي تتمثل في السؤال التالي: على أي شيء يربى الناس، وما هي طبيعة القيم التي تغرس في نفوسهم؟ )

والجواب عندي يتمثل في فشل المشروع العلماني لفقره إلى التواصل مع عقيدة هذا الشعب

وهو الفشل الذي يجر أذياله النجسة على مشروعية الحكم ليمرغها  في تراب الواقع - فضلا عن تراب التاريخ - تحت أقدام البلاطجة ومحترفي التزوير والخارجين على القانون

فمن لهذه المشروعية يسترجعها من هذا التراب  ؟

لن يكون ذلك إلا بالتواصل مع ضمير الشعب ، وهو ضمير لا تعرف العلمانية طريقا إليه لأن مفرداته إنما تتكون من الدين الصحيح ، والأخلاق الفاضلة ، والتسليم لله

من هنا كان الإسلام هو الحل

إن القول " بأن الإسلام لا بد له من سلطة الدولة التي تقيمه وتحميه وترمز إليه " لم يكن بدعة لشعار " الإسلام هو الحل " ، وهو من مسلمات الفكر الإسلامي طوال أربعة عشر قرنا ؟! وهو فرع لتطبيق دولة الشريعة عمليا وإلغاؤها يعني إلغاء الإسلام عمليا ، إنه يعني دخول جحر ضب خرب ، دخله من قبل الذي ألغى الناموس ، رسول العلمانية وحبرها الأقدم ، يحتذونه حذو القذة بالقذة ، ، إنه – حرفيا – يعني إلغاء الإسلام ، ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ، وما الله بغافل عما تعملون ) البقرة   85 

إنه  الضامن الوحيد بالتقائه مع ضمير الشعب المسلم .. الضامن الوحيد لشرعية الحكم التي سقطت أخيرا بين سنابك العلمانية ، وهراوت الأمن ، وفنون التزوير ، ومصادرة القانون .

 

وأبسط مظاهر شرعية الحكم  :  تنبع من مصداقية : الانتخابات .  ، سواء على مستوى الشورى أو مستوى الديموقراطية

آفة المبايعات السياسية في العصور البائدة كانت الاستضعاف : تهديد بإفقار ، أو تهديد بضرب، أو تهديد بسجن ، أو تهديد بقتل ، وكل ذلك من مفردات المبارزة حول قلعة الحكم

أما بتقدمية الإنسان المعاصر  فقد صارت آفتها في الانتخابات دنيئة بدناءة هذا الإنسان : 

صارت تقوم على مجموعة من الرذائل العفنة الكبرى : الكذب ، والخيانة ، والغش ، و والتزوير ، والبلطجة والتحرش والترويع ، وإسقاط القضاء ضمن " سيد قراره " ، وشخصنة القانون ضمن تجبر الرؤساء ، وتحييد الأمن ، أو تجميده ،  ورشاء الذمم والأصوات ، واعتقال المتنافسين ، وقتلهم إذا لزم الأمر ، وكل ذلك من مفردات المبارزة في أزقة اللصوص والسراق

ولم  يعد في الحكم  المعاصر وقد تنكر للأخلاق - ما يجدي في مقاومة هذه الأمراض ، وهي من ثم تهجم  على فريستها في غيبة الأخلاق ونجس العلمانية كما يتسلل فيروس الإيدز فتقضي على المناعة المكتسبة وشبه المكتسبة ، وتستعصي من ثم على أعتى القوانين وأبهج الديموقراطيات . ومن ثم ينقلب الحكم من وضعية الشرعية بالحق والأخلاق والدين ،  إلى وضعية " المتغلب " بالنصب والسرقة والاحتيال وسيد قراره ، ، ويصبح من ثم لا فارق بينه و بين اللصوص وقطاع الطرق  غير التفوق بالقوة الغشوم وفخامة الألقاب ، وزينة الياقات البيضاء 

يقول مسكويه في تهذيب الأخلاق : " والأوائل لا يسمون بالملك إلا من حرس الدين وقام بحفظ مراتبه وأوامره وزواجره ، و أما من أعرض عن ذلك فيسمونه متغلبا ، ولا يؤهلونه لاسم الملك ، وذلك أن الدين وضع إلهي يسوق الناس باختيارهم إلى السعادة القصوى ، والملك حارس هذا الوضع الإلهي حافظ على الناس ما أخذوا به ، وقد قال حكيم الفرس أردشير : إن الدين والملك أخوان توأمان لا يتم أحدهما إلا بالآخر ، فالدين أس والملك حارس ، وكل مالا أس له فمهدوم ، وكل مالا حارس له فضائع "  ص153

ويقول فيلسوف الإسلام أبو الحسن العامري في كتابه " الإعلام بمناقب الإسلام "  : ( أما أحد صنفي السياسة فالإمامة ، وغرضها تحصيل الفضيلة ، ولازمها السعادة الأبدية ، والصنف الآخر من السياسة التغلب ، وغرضها استعباد الخليقة ، ولا زمها الشقاء والخدمة ) ويقول : ( فمن الواجب إذن أن نعلم يقينا أن صناعة الملك والسياسة مهما استعملت استعمالا حسنا فإن المعتنق لها والمستقل بأعبائها يصير لا محالة مجتلبا لشرف الإمامة ويصير خليفة الله ، في استصلاح الخليقة ، ومهما استعملت استعمالا رديئا فإن صاحبها والمفتخر بحيازتها يبتلى بالضرورة بصفة المتغلبين ويعد بقاؤه فضيحة لزمانه ) ص 154- 155

فليوضع ما يمكن  أن يوضع من القوانين التي تحرم الكذب ، أو تعاقب عليه ، أو فليوضع ما يمكن  أن يوضع من القوانين التي تحرم الخيانة أو الغش أو التزوير أو تعاقب عليها  أو فليوضع ما يمكن  أن يوضع من القوانين التي تحرم الرشوة  جامعة هذه الأوزار كلها أو تعاقب عليها : ليكن ذلك ، ولابد من ذلك ، ولابد من التشديد على ذلك ، ولكن ماذا بعد ذلك ؟  بعد ذلك كما هو قبله: يظل الكذب والخيانة والتزوير والغش  والبلطجة والإرهاب والرشوة وتبرير الوسيلة من أجل غايات السلطة والتغلب والثروة والمتعة .. أبجدية المتغلب وتقانته السائدة ، ما لم تؤسس  القوانين أو تردف بعقيدة مطهرة صارمة تحتل القلوب وتزلزل الضمائر ،  وتسيطر على السلوك ، ولن يكون ذلك بغير أن تربطها بتربية الإسلام وبشريعة الله : العليم الرقيب الحسيب القدير على فعل الجزاء : بشعبتيه : الجنة والنار ، ومن هنا كانت العلمانية هي المشكلة وكان الإسلام هو الحل

ومن هنا وجدنا الفقه الإسلامي  أكثر ما يكون عناية بتحريم كل ما يجهض المبايعة " الانتخاب" من معناها

يقول العلامة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية وعضو جماعة كبار العلماء  في فتاواه المنشورة : ( من الواجب على كل ناخب شرعا ألا يراعي في الانتخاب لهذا المنصب وما ماثله غير المصلحة العامة فينتخب الأكفأ والأصلح ولا يمكن من هو دون ذلك منه بشهادته ، وإلا كان شاهد زور ، وساعيا في ضرر الجماعة ) نشر دار الكتاب العربي بمصر عام 1952 م ص 160 

فإذا خرج الناخب أو المرشح أو الحاكم عن ذلك كان ساعيا في الأرض بالفساد ، وحده حد " المحاربة " إن بلغ الدرجة القصوى من الفساد ، " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ، ذلك لهم خزي في الحياة الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم "  المائدة 33

وصار مرتكبا  لمجموعة من الكبائر التي تحددت عقوباتها في الشريعة الإسلامية أو تركت " للتعزير"  وهو العقوبة التي تتحدد بمعرفة ولي الأمر ، لكل درجة من الفساد بقدرها ،  وهي  على كل حال من الكبائر التي لا تغفر بغير رد الحقوق إلى أصحابها ، وعلى رأسها الكذب وخيانة العهد وتضييع الأمانة ، وشهادة الزور والرشوة ، وأكل أموال الناس بالباطل.

"ويغدو المرء باقترافها مطية طيعة للشيطان يسوقها إلى حيث شاء من سبل الشرور ومسالك الغواية ويطمس بصره عن البينات، ويعمي بصيرته عن الهدى، ويزين له عمله، ويمد له في غيه، ويحسّن له عوجه، حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن، فيحسب أن ما هو عليه من الإفساد في الأرض هو الصلاح حقاً بلا ريب، شأن أهل النفاق الذين أخبر سبحانه عن حالهم بقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الارْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:11-12]."

 

 ومن كبائر هذا الفساد الكذب : وبخاصة ما يكون منه في التصرفات الخطيرة كالتصويت الكاذب أو المزور في الانتخابات وفي مثل هذا  يقول الله تعالى في التنزيل : ( إنما يفتري الكذب الذين لايؤمنون )

وفيه ما جاء النص عليه في الحديث النبوي الشريف :

فيما رواه ابن عدي عن أبي بكر مرفوعا‏.‏ بلفظ " إياكم والكذب ، فإنه مجانب للإيمان " وهو ضعيف السند ، لكن قال الدارقطني في العلل رفعه بعضهم ووقفه آخرون، وهو أصح،

ولمالك في الموطأ عن صفوان بن سليم - مرسلا أو معضلا " قيل يا رسول الله المؤمن يكون جبانا‏؟‏ قال نعم، قيل يكون بخيلا‏؟‏ قال نعم، قيل يكون كذابا‏؟‏ قال لا"

ولابن عبد البر في التمهيد عن عبد الله بن حراد أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم " هل يزني المؤمن‏؟‏ قال قد يكون ذلك، قال هل يكذب‏؟‏ قال لا" 

ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت مقتصرا على الكذب، وجعل السائل أبا الدرداء

ولابن أبي الدنيا في الصمت أيضا عن حسان بن عطية قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه " لا تجد المؤمن كذابا"

وللبزار وأبي يعلى عن سعد بن أبي وقاص - رفعه - "يطبع المؤمن على كل خلة : غير الخيانة والكذب "

 .وفي الباب عن ابن عمر وابن مسعود وأبي أمامة وغيرهم، وأمثلها حديث سعد لكن ضعف البيهقي رفعه،

وقال الدارقطني الموقوف أشبه بالصواب، لكن حكمه الرفع على الصحيح، لأنه لا مجال للرأي فيه، كذا في المقاصد،

وقال النجم بعد أن ذكر فيه روايات‏:‏ وروى ابن أبي الدنيا عن عمر قال‏:‏ لا يكون المؤمن كذابا‏.‏

نقلا : من كشف الخفاء ومزيل الالتباس عما اشتهر من الأحاديث بين الناس : الكذب مجانب للإيمان‏.‏

وفي شأنهم قال الله عز وجل : ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة "

قال الحسن : هم الذين يقولون إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل { وكأنهم كانوا نسخة مبكرة من العلمانية }

قال ابن الجوزي في تفسيره : وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن الكذب على الله وعلى رسوله كفر ينقل عن الملة ولا ريب أن الكذب على الله وعلى رسوله في تحليل حرام وتحريم حلال كفر محض

وإنما الشأن في الكذب عليه فيما سوى ذلك

وقال صلى الله عليه وسلم :  " من كذب علي بني له بيت في جهنم "

وقال صلى الله عليه وسلم :  " ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "

وقال صلى الله عليه وسلم :   " إن كذبا علي ليس ككذب على غيري من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "

وقال الله تعالى : " ألا لعنة الله على الكاذبين "

وقال الله تعالى : " قتل الخراصون " أي الكاذبون

وقال الله تعالى : " إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب "

وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  " إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا "

وفي الصحيحين أيضا أنه قال صلى الله عليه وسلم :: " آية المنافق ثلاث وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان "

وقال عليه الصلاة والسلام " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منها كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر "

 

وقال صلى الله عليه وسلم :  " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر "

 …وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :  قال : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ما يمنعه ابن السبيل

ورجل بايع رجلا سلعة فحلف بالله لأخذتها بكذا وكذا فصدقه وأخذها وهو على غير ذلك

 ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها وفى له وإن لم يعطه لم يف له " 

وقال صلى الله عليه وسلم :: " كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب "

وفي الحديث أيضا : " من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقد "

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ( فرى الفرى على الله أن يري الرجل عينيه ما لم تريا)

.. وقال ابن مسعود رضي الله عنه : ( لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى ينكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فيكتب عند الله من الكاذبين )

.. وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم :: ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها -  أي ما يفكر فيها بأنها حرام -  يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ) 

وفي موطأ الإمام مالك من رواية بلال بن الحارث المزني أن رسول الله قال : ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت ،  يكتب الله تعالى بها له رضوانه إلى يوم يلقاه ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه . ) 

 

وهم في تزوير الانتخابات يرتكبون كبيرة التزوير. 

وفي شأنهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وقول الزور، وكان متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت))

: قال الله تعالى والذين لا يشهدون الزور الآية

وقال الله: تعالى واجتنبوا قول الزور

وفي الأثر عدلت شهادة الزور الشرك بالله تعالى مرتين

وفي الحديث " لا تزول قدما شاهد الزور يوم القيامة حتى تجب له النار "

 

وشهادة الزور كبيرة مركبة من أعظم الكبائر : قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في  كتاب الكبائر " شاهد الزور قد ارتكب عظائم :

أحدها الكذب والافتراء قال الله تعالى " إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب " ..

وثانيها : أنه ظلم الذي شهد عليه ، حتى أخذ بشهادته ماله وعرضه وروحه

وثالثها :أنه ظلم الذي شهد له بأن ساق إليه المال الحرام فأخذه بشهادته فوجبت له النار وقال " من قضيت له من مال أخيه بغير حق فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار "

ورابعها :" أنه أباح ما حرم الله تعالى وعصمه من المال والدم والعرض قال رسول الله : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت رواه البخاري  "

 

وهم يرتكبون كبيرة الخيانة : خيانة الأمانة

ولقد كان من طليعة ما جاء به الحل الإسلامي في ميدان التربية الخلقية والبث الإعلامي والتقويم الاجتماعي فضلا عن التشريع الجنائي : أداء الأمانة والوفاء بالعهد:

ومن الواضح أن المتلاعبين بأصوات الناخبين - بأشكال التلاعب المختلفة - يخونون أمانة المجتمع التي وضعها في أعناقهم  القانون الذي دعاهم للتصويت : أن يصوتوا لمن يرونه الأصلح  للقيام لمهمة المراقبة والتشريع في مجلس الشعب .. ولكنهم ضيعوا هذه الأمانة وباعوها لقاء ثمن بخس من المجاملة الشخصية أو الطبقية أو القبلية ، أو الدراهم أو المصلحة الفردية :

يقول تعالى " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"  النساء 58

ويقول تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون " الأنفال 27

 وأثنى سبحانه وتعالى  على المؤمنين القائمين بحق الأمانة في قوله تعالى " قد افلح المؤمنون " إلى أن قال " والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعو ن " المؤمنون  1-8

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  ( اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة ،اصدقوا إذا حدثتم ، وأوفوا إذا عاهدتم ، وأدوا الأمانة إذا  ائتمنتم ، واحفظوا فروجكم ، وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم ) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه .

وقال صلى الله عليه وسلم ( لا إيمان لمن لا إيمان له ولا دين لمن لا عهد له ) أخرجه الإمام أحمد والبزار والطبراني في معجمه الأوسط وابن حبان في صحيحه .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ) أخرجه البخاري ومسلم    

وفي رواية ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة ، قال : يؤتى العبد يوم القيامة ، وإن قتل في سبيل الله فيقال : أد الأمانة ، فيقول : أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا فيقال : إنطلقوا به إلى أمه الهاوية ، فينطلق به إلى الهاوية ، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه ، فيراها فيعرفها ، فيهوي في اثرها حتى يدركها ، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه خارج زلت قدمه ، فهو يهوي في إثرها أبد الآبدين . ثم قال : الصلاة أمانة ، والوضوء أمانة ، والوزن أمامة ، والكيل أمانة ، ،وأشياء عددها ، وأشد ذلك الودائع . ) رواه أحمد والبيهقي موقوفا ، وإسناده جيد ، ورواه الطبري مرفوعا ، ومثل هذا الحديث في اشتماله على غيبيات الآخرة - لا يقال بالرأي فله حكم المرفوع .

 ذكر من الأمانات نوعين ما هو حق خاص لله ، وما هو مشترك لله والعباد ، والأخير لا يغفر بغير رد الحقوق لأصحابها . ومن مثلها ما يجري من خيانة للأمانة في الانتخابات ، والمؤسسات العامة والخاصة والسياسية  والاقتصادية ، والتجارية والتربوية والإعلامية والزراعية والإدارية والتربوية والأسرية  والمعاشية .

 

يقول الإمام الذهبي في كتاب الكبائر :

( قال الله تعالى " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا "

قال الزجاج : كل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو من العهد وقال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "

قال الواحدي : قال ابن عباس : العهود يعني ما أحل وما حرم وما فرض وما حد في القرآن وقال الضحاك العهود التي أخذ الله على هذه الأمة أن يوفوا بها مما أحل وحرم وما فرض من الصلاة وسائر الفرائض والعهود

……وقال مقاتل بن حيان : أوفوا بالعقود التي عهد الله إليكم في القرآن مما أمركم به من طاعته أن تعملوا بها ونهيه الذي نهاكم عنه ، وبالعهود : الذي بينكم وبين المشركين وفيما يكون من العهد بين الناس والله أعلم

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر " مخرج في الصحيحين

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لكل غادر لواء يوم القيامة ، يقال هذا غدرة فلان ابن فلان " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول الله عز وجل ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجره " أخرجه البخاري

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " أخرجه مسلم { وهذا صريح في إدانة المتخلفين عن الانتخابات إن لم يكن عذر معتبر }

 

وهم يرتكبون علنا كبيرة الرشوة :

وفي شأنهم راشين أو مرتشين : قال الله تعالى" ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم: تعلمون
يقول الإمام الذهبي في كتابه الكبائر :

( أي لا تدلوا بأموالكم إلى الحكام ، أي لا تصانعوهم بها ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقا لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم

وعن أبي هريرة قال قال رسول الله : " لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم " أخرجه الترمذي وقال حديث حسن

وعن عبد الله بن عمرو " لعن رسول الله الراشي والمرتشي "


 قال العلماء : فالراشي هو الذي يعطي الرشوة { المرشحون } ، والمرتشي هو الذي يأخذ الرشوة { الناخبون } وإنما تلحق اللعنة الراشي إذا قصد بها أذية مسلم أو ينال بها ما لا يستحق

وأما الحاكم فالرشوة عليه حرام سواء أبطل بها حقا أو دفع بها ظلما { الحزب الحاكم }

وقد روي في حديث آخر:  إن اللعنة على الرائش أيضا وهو الساعي بينهما ، وهو تابع للراشي في قصده خيرا لم تلحقه اللعنة وإلا لحقته

ومن ذلك ما روى أبو داود في سننه عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله " من شفع لرجل شفاعة فأهدى له عليها هدية فقد أتى بابا كبيرا من أبواب الربا

وعن ابن مسعود قال : السحت أن تطلب لأخيك الحاجة ، فتقضى ، فيهدي إليك هدية فتقبلها منه

وعن مسروق أنه كلم ابن زياد في مظلمة ، فردها فأهدى إليه صاحب المظلمة وصيفا ، فردها)

 

وفي " فتاوى السبكي "  ج 1 ص 214- 217 للإمام تقي الدين السبكي   المتوفى بمصر عام 683 هـ  قال  : وقال مسروق :إذا قبل القاضي الهدية أكل السحت ، وإذا قبل الرشوة بلغت به الكفر . وقال كعب : الرشوة تسفه الحليم وتعمي الحكيم .  وملخص كلام العلماء فيما يعطى الحكام الأئمة والأمراء والقضاة والولاة وسائر من ولي أمرا من أمور المسلمين وهكذا الناخب أ والمرشح للمجلس التشريعي - أنه إما رشوة وإما هدية ؛ أما الرشوة فحرام بالإجماع على من يأخذها وعلى من يعطيها ، سواء كان الأخذ لنفسه أو كيلا ، وكذا المعطي سواء كان عن نفسه أو وكيلا ، ويجب ردها على صاحبها ، ولا تجعل في بيت المال إلا إذا جهل مالكها فتكون كالمال الضائع ، والمراد بالرشوة التي ذكرناها ما يعطى لدفع حق أو تحصيل باطل .

 وأما الهدية وهي التي يقصد بها التودد واستمالة القلوب : فإن كانت ممن لم تقدم له عادة قبل الولاية فحرام .  وإن كانت ممن له عادة قبل الولاية فإن زاد فكما لو لم تكن له عادة ، وإن لم يزد فإن كانت له خصومة لم يجز ، وإن لم تكن له خصومة جاز بقدر ما كانت عادته قبل الولاية والأفضل أن لا يقبل

 وقال ربيعة الهدية ذريعة الرشوة 

ومن فعل خلاف ذلك فقد غير فريضة الله ، وباع عدل الله الذي بذله لعباده بغير عوض ، فأخذ عليه ثمنا قليلا ، ولهذا تجد بعض الفجرة الذين يقعون في شيء من هذا ويكتمونه ويأخذونه خفية ، وهذا علامة الحرام ، فإن الحلال يأخذه صاحبه جهارا لا يستحيي من أخذه ، نسأل الله أن يعصمنا من الزيغ ، ويسلك بنا طريق الهدى بمنه وكرمه اهـ

 

وإذا كان الإمام السبكي قد وصف من يأخذون  الرشوة أو يعطونها خفية بالفجرة ، فما باله كيف يصف الذين يأخذونها أو يعطونها اليوم جهارا نهارا تحت سيف البلطجة ونفوذ أباطرة السلطة والمال ، لا ليستغنوا بها من فاقة غالبا ، ولكن ليسطوا بها على سلطة الحكم والمال ، وليسرقوا بها بريق الأبهة ، وليسلبوا بها الحصانة ضد القضاء ، وليستغلوا بها منصب التشريع ، وليطمسوا بها وظيفة المراقبة ، وهذا ما تتيحه لهم نظم الحكم العصرية العلمانية  بأسمائها الكثر غير اسم الإسلام

لهذا كان الإسلام هو الحل .

 

ومن هنا تظهر أهمية الدور الذي يلعبه الدين في الدولة ، سواء بالتربية أو بتقنين العقوبة ،  يقول  أستاذنا الدكتور أحمد عبد الحميد غراب في تحقيقه لكتاب العامري طبعة وزارة الثقافة دار الكاتب العربي  عام 1967م في شرحه لما ذهب إليه العامري - -  :: إن وظيفة الدين كموجه روحي وخلقي للبشر تتحقق في الإسلام على أفضل و أكمل من تحققها في غيره من الأديان ، فالإسلام يعطي أهمية كبيرة للقوة المادية التي أهملتها بعض الأديان أو قللت من خطرها ومن ثم يتطلب ضرورة توافرها لتقدم المجتمع وحركته ، وكذلك يعطي الإسلام أهمية كبيرة للقيم الروحية ، وإذا كانت اليهودية قد غالت في تقدير القوة المادية وغالت المسيحية في الناحية الروحية كما يقال -  فإن الإسلام هو دين التوازن الحق بين الناحيتين على أساس أن كليهما عنصر أساسي في الطبيعة البشرية وكليهما لا غنى عنه لتقدم الإنسان  ص49 ، وكل هذا يجعل من الإسلام الدين المثالي للدولة القوية ، وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم مثلا فذا للإنسان الذي جمع بين القوة الروحية ( النبوة ) والقوة السياسية ( الملك )  ص49

ومن هنا تظهر فاعلية شعار " الإسلام هو الحل "

هاهم آباؤنا أرباب ثقافتنا وديننا وحضارتنا فأين هم آباء أقباط المهجر وأقباط العلمانية وملاحدتهم غير " زعماء الصراع " ودهاقنة النفاق وزعماء الكذب وكهنة الرذيلة وأساتذة الدبلسة ،  ونسل الأبالسة : من أمثال مكيافيلي ودارون وتاليران وهتلر وتشرشل وبوش وكوندوليزا رايس وشارون ؟؟

ومن هنا تظهر أصالة شعار " الإسلام هو الحل "

والدعوة تعني : أن يتبناه كل من ليس علمانيا أو "مهجريا قبطيا " أو " قزما مجهريا "  أو مصرا على كبائر : الكذب والخيانة وشهادة الزور ، والرشوة ، والاتجار بها جميعا بثمن بخس ، ومبادلتها بالنجاة يوم القيامة

وأعداء هذا الشعار يلوكون شعارا ثبت فشله وانطفأ ضوءه : " الدين لله والوطن للجميع " وهو في حقيقته وفضلا عن فشله يستحق وصف " الشعار اللغز " : إذ ما معنى " الدين لله " كما ظهر في التطبيق العلماني - غير أن نرد الدين إلى الله ونقول له جل جلاله : شكرا ؛ إليك بضاعتك ، نردها إليك ، نحن لا نريد ‍‍‍ ؛ تماما كما فعل بولس عندما اسقط  الناموس " وحصر التدين في المحبة ، محبة المسيح لمن آمن بصلبه دون من عداه ، وهو في الوقت نفسه مغاير لما جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام في إعلانه " ما جئت لأضع الناموس ولكن لأثبته " ، وهو بالقطع مغاير لعقيدة المسلم الراجعة إلى القرآن الكريم في قوله تعالى : " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " وهنا فإن الدين من الله للإنسان وليس العكس ، ومن المستحيل إدخال المسلم في نطاقه نطاق : " الدين لله " مهما كانت الأحوال .

إن استمرار الطرح العلماني هو اس المشاكل المطروحة ، وهو منبع الفشل في  توفير شرط مشروعية الانتخابات ، وهو الفشل الذي  يتمثل في فقر المشروع العلماني إلى التواصل مع عقيدة هذا الشعب

وهو الفشل الذي يجر أذياله النجسة على مشروعية الحكم ليمرغها في تراب الواقع فضلا عن تراب التاريخ

فمن لهذه المشروعية ينقذها من هذا المصير ؟

لن يكون ذلك إلا بالتواصل مع ضمير الشعب ، وهو ضمير لا تعرف العلمانية طريقا إليه لأن مفرداته إنما تتكون من الدين الصحيح ، والأخلاق الفاضلة ، والتسليم لله ، ومراقبته وتوقع الحساب على يديه في الدنيا والآخرة

ومن هنا تظهر حتمية شعار " الإسلام هو الحل "

إن ما يشكو منه الشعب وقد قلمت أظفاره منذ عقود ، وتم عزله عن مصدر القرار-  ليس هو الحاجة إلى القوانين بقدر ما هو الحاجة إلى احترام هذه القوانين .

وليس من طريق إلى ذلك بإشاعة فلسفة النهضة الأوربية ، أو فلسفة الثورة الفرنسية ، أو فلسفة الثورة البروليتارية ، أو الليبرالية أو عصمة الحاكم ، أو فرعنته ،  وإنما يكون باستخدام  ما استقر في أعماق هذا الشعب من العقيدة والشريعة والأخلاق ، أو ترميم ما تهدم فيه منها ، لأنها الصادرة من رب مريد عليم رقيب حسيب قادر على الجزاء العادل الذي لا يفلت منه أحد .

 إنه الإسلام ، والإسلام وحده ، في مقابل العلمانية التي هي المشكلة والمشكلة الكبرى ، إن البلد منقسم منذ أكثر من قرن بين حزبين لا غير : حزب العلمانية ، وحزب الإسلام : العلمانية التي هي استبعاد الدين : استبعاد الدين من السياسة ، واستبعاد الدين من العلم ، واستبعاد الدين من الأخلاق ، ومن التربية ، ومن الإعلام إلخ ، والإسلام هو الحل في مشكلة الحرية ، وفي مشكلة القومية ، وفي التشريع ، والعولمة ، والبيئة : في كل ذلك للإسلام رؤيته الراسخة ، وله تشريعه الواضح ، بما الإنسانية كلها أصبحت بحاجة شديدة إليه ، في مشكلة المرور : الإسلام هو الحل ، نعم ، في مشكلة الدروس الخصوصية هو الحل ، نعم ،  في المشكلة الصحية ، في المشكلة الإعلامية ، والتربوية ، وفي توزيع الثروة ، وتهريب الثروة ، والاعتداء على الأرض الزراعية .. وأكثر ما يميزه فيها هو الانطلاق من ضمير الإنسان المرتبط بالله ، وبدينه وشريعته .

ولهذا كان الإسلام هو الحل

لأن كانت العلمانية هي المشكلة

والله أعلم

يتبع

 

 

 

 

إلى صفحة مقالات وأراء2