07/12/2005

 

الإسلام هو الحل

لأنه هو الدين

والضامن لشرعية الحكم

2\2

 

بقلم : د . يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

وبعد : أيريد هؤلاء العلمانيون أن نصدقهم وهم يذرفون دموع التماسيح على الدين الذي " يستخدمه " الإسلاميون بينما هم يخططون لتكفينه في مومياوات ، وتمديده في توابيت ، وعرضه في المتاحف ، بجوار " المصري الفرعوني " الذي يشهد له العالم بأنه المصري الصالح لأنه المصري الميت ، وعلى غراره يمددون بجواره " موميا الإسلام " ليكون هو الإسلام الصحيح لأنه الإسلام الذبيح ؟

أم يريدون أن نصدقهم وهم يذرفون دموع التماسيح على الإسلام الذي يستخدمه المسلمون وهم في الوقت نفسه " يستخدمون الدين " عندما يكون دين رجال قد تم لهم تصنيع " دينهم "  في دهاليز السلطة ، أو اتصلوا بهم في أقبية " عدو " مشترك هو أشد منهم رغبة في " تحنيط الإسلام " فوافقوهم ومالئوهم واستنصروا بهم في خطتهم في إزاحة الإسلام من طريقهم ؟

 

ماذا يريد هؤلاء العلمانيون  غير أن يفسد الحكم أو أن ينقرض الدين : إذ الحكم إنما يطهر بالدين ، والدين إنما يثمر  بالحكم  ، والسلطان إنما يقوى بالدين الصحيح ، وإذا توارى الدين الصالح ضعف السلطان الصالح  وقوي الشيطان الطالح وعمت الفوضى وسادت الغرائز كما صرح  فيلسوف الإسلام أبو الحسن محمد بن يوسف العامري  ت 381 هـ ( 992م ) في كتابه " الإعلام بمناقب الإسلام " ص 189

 

وماذا يريدون لمصداقية الحكم في بلاد الإسلام ؟ ومصداقيته إنما تقوم على  مصداقية التطابق مع أغلبية الشعب المحكوم ؟ وهذا الصدق إنما يتفرع  من جذع الأخلاق الفاضلة  وجذع الأخلاق إنما ينبت من جذر الدين الصحيح 

 

يتناول  فيلسوف الإسلام أبو الحسن محمد بن يوسف العامري  ت 381 هـ ( 992م ) في كتابه " الإعلام بمناقب الإسلام موضوع العلاقة بين الدين والدولة والأخلاق : حيث يرى أن السياسة السليمة هي التي تقوم على الأخلاق الفاضلة ، ومن ثم فساسة الشعوب وحكامها هم أحوج الناس إلى التحلي بمكارم الخلاق ، لأنهم قدوة لشعوبهم ، وأسوة لمن دونهم وليس أحد أحوج إلى تشريف جوهر مكارم الأخلاق من طبقات الملوك ، فإنهم على الحقيقية أسوة لمن دونهم ، وكالمرآة لغيرهم ، ومتى لم تكن المرآة أصفى من وجه الناظر إليها لم ترد صورته على التمام ، وأيما ملك لم يبالغ في قهر الدني من أخلاقه لم يستمتع بحسن الثناء عليه ، ولم يمكنه دفع العيوب عن رعيته ، ، وشخصية الحاكم ومدى قوة هذه الشخصية أو ضعفها من الناحية الخلقية هي التي تحدد مكانته في قلوب شعبه والمصير النهائي لسياسته ص 47 ، وإذ عرف هذا ثم تحققنا أيضا من أن محل الدين من الملك محل الأس من البنيان ، ومحل الملك من الدين محل المتعهد للأركان ، وأول ما يجب على الملوك إقامة الدين وتحقيقه بالعمل بنفسه ، وبأخذ الرعية بإقامته فمن الواجب أن نعلم أيضا أنه لن يحكم لدين من الأديان بتحصيل الكمال إلا إذا وجد ضاما في نفسه مكارم الأخلاق ص 153

ومن هنا تظهر أهمية الدور الذي يلعبه الدين في الدولة ، فما دامت الدولة لا تستغني عن مكارم الأخلاق فوظيفة الدين  هي أن يقوم بمهمة التوجيه الخلقي والروحي للجماهير . ولذلك يقرر العامري أن القوة الروحية للدين والقوة السياسية للدولة عاملان لا غنى عنهما معا لقيام أية أمة . ص 48

ويتحدث العامري في الفصل الثامن من كتابه عن رعاية الدولة الإسلامية لشعبها من ثلاث زوايا : زاوية القوة والضعف ، وزاوية الشرف والضعة ، وزاوية الولاء والعداء فيذهب إلى  : أن طبقات الرعايا في كل عصر ينقسمون تارة  إلى الشريف والوضيع ، وتارة إلى القوي والضعيف ، وتارة إلى الولي والعدو :أما القوي فإن الإسلام أطلق له الحركة إلى ما تنجذب إليه همته من اكتساب المعالي الحقة ، وأما الضعيف فليس دين من الأديان أدعى إلى الرفق بهم من الفقراء  واليتامى والشيوخ والنساء

وأما الشريف والوضيع فليس من الأمور النهائية الموروثة ، وإنما هو في الإسلام  من الحقائق المكتسبة بالفضائل الخلقية ، وهو في الوقت نفسه من أسماء الإضافة : فكل شريف هو بالنسبة لمن فوقه وضيع ، وكل وضيع هو بالنسبة لمن تحته شريف ، ومن هنا جاء قوله تعالى " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته ، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها ، والخادم راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته ، والرجل راع في مال أبيه وهو  مسئول عن رعيته " وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة  ، ويقول : ( ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ، وقال " ليؤمكم أقرؤكم لكتاب الله وأعلمكم بالسنة ، فإن كان رجلان فأبينهما صلاحا ،وإن كان رجلان فأكبرهما سنا " حديث حسن رواه النسائي ، وقال : " من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا " رواه البخاري وأبو داود . ص 163- 165 .

 

 وأما الولاء والعداء فتظهر أهميته حيث يدعو الإسلام إلى إقامة مجتمع متماسك تسوده المحبة والولاء وتحرم فيه أسباب القطيعة والعداء : ولذلك يوجب الإسلام المحافظة على أسباب الولاء بأنواعه الثلاثة : ولاء النسب وولاء العقد ، وولاء الدين ، أما العداوة فقد قطع الإسلام جميع أسبابها : إلا عداوة الجاحد له والمعاند لأحكامه  وهم الملحدون والمشركون والكتابيون إذ لا يسمح للملحد والمشرك بالإقامة في الدولة الإسلامية إلا بعقد الأمان ، ولو تركهما في ساحته من غير عهد ولا ميثاق حسب ما يترك الكتابي لاشتغلا على استزلال العوام ، ولأسرع الأكثرون منهم إلى إجابتهم ، لقوة سلطان التقليد الحسي عليهم ، ولما وجدت السياسة الفاضلة مستوفية حقها من حسم مادة الفساد  ،

وأما الكتابيون فلأن الإسلام مصدق لكتابهم مهيمن على ما في أيديهم أمر الولاة والذادة بحمايتهم ليتوصلوا على طول الأيام بمخالطة أهل الإسلام إلى ما تضمنه القرآن من الشرائع والأحكام ، ويتنبهوا إلى مزيته على ما اعتقدوه من دينهم ، ويسلموا بشرف هذا الدين مما كانوا مبتلين به أيام الأكاسرة والرومان ويقتصر منهم على شكل من التنظيمات المالية التي يخضع لها جميع المواطنين بما فيهم المسلمون . ص 163-169

&&&

إن القول  بالربط بين الدين والدولة في الإسلام ليس راجعا بالضرورة إلى مذهب الإمامية الذين جعلوا الدولة جزءا من العقيدة بالمعنى الاصطلاحي لكلمة العقيدة من حيث جعلوا الإيمان " بالإمام " الموصى به في حديث الرسول حسب اعتقادهم - هو الركن السادس من أركان الإسلام وأتبعوه بالاعتقاد بعصمة الإمام ثم أتبعوه أخيرا بولاية الفقيه وإنما يرجع إلى أن الإسلام دين شامل للحياة الدنيا والآخرة ، ومن ثم كانت السلطة سواء سميناها الدولة وأردفناها بمصطلح السياسة أو لم نفعل -  ضرورة مصلحية لتنفيذ تعاليمه فيما يتعلق بالدنيا والآخرة

وليس من الدقة القول بأن الإسلام دين ودولة إذ يترتب على ذلك خطأ مغايرة  الدولة للدين ، ولكن الصحيح أن يقال : إن الإسلام دين للدنيا والآخرة ومن ثم تلزمه الدولة

 إن الإسلام من أجل  سعته وشموله لابد له من السلطة فهي التي تقيمه وترمز إليه

إن القول بأن الإسلام لابد له من السلطة التي تقيمه وترمز إليه شيء ، وأن الإسلام مجرد سلطة شيء آخر وأن السلطة جزء من العقيدة بمعناها الاصطلاحي شيء ثالث ، ولابد من تحديد المفاهيم

 

إن  الإسلام وهو يفرض شريعة للدنيا والآخرة لا بد له من السلطة التي تقيمه وترمز إليه " طبقا لصريح الكتاب والسنة " ، والمعلوم من الدين بالضرورة ، وهو مقتضى الإيمان بالله وكتابه ورسوله ، وهو مسلك جماعة المسلمين وأهل القدوة في الإسلام في جميع العصور ، لا فرق بين فرقة وأخرى ولا بين سنة وشيعة ومعتزلة وهومن مسلمات الفكر الإسلامي طوال أربعة عشر قرنا ؟! وهو فرع لتطبيق الشريعة نظريا وأساس لها عمليا ، وإلغاؤها يعني إلغاء الوجه العملي للإسلام إنه يعني إلغاء الإسلام عمليا ، إنه يعني القيام بدور بولس الذي ألغى الناموس ، إنه – حرفيا – يعني إلغاء الإسلام .

 

 إن القرآن الكريم هو صاحب الكلمة العليا في شمول الإسلام للحكم والتشريع شاء العلمانيون والمهجريون أو أبوا  .

إنه بعد أن يتحدث القرآن الكريم عن الحلال والحرام في قوله تعالى ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا .. ) الأنعام 150-151 .

يقول سبحانه وتعالى : قاطعا ما بين الإسلام وبين الرافضين لشموله ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) الأنعام 159

ثم يؤكد شمول الإسلام في قوله تعالى ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ) الأنعام 162

ويعتبر الرافضين للشمول مشركين ( قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ) الأنعام 164

ويأتي ذلك كله في سياق واحد كما هو واضح .

وهو إذ يقرر مبدأ الحرية في اعتناق الدين ( لا إكراه في الدين ) 256 البقرة يردفه في الآية التالية مباشرة بتقرير الجزاء على حسن الاختيار أو سوئه في قوله تعالى ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) 257 البقرة .

وكذلك إذ يقرر هذا المبدأ في قوله تعالى ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) يردفه مباشرة بتقرير المسئولية عن حسن الاختيار أو سوئه بقوله تعالى ( إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب  وساءت مرتفقا، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ) الكهف 29-31

ومن خلال هذه النظرة الشمولية يخاطب القرآن أهل الكتاب قائلا : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب

وتكفرون ببعض ، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ، وما الله بغافل عما تعملون ) البقرة   85 

 

ومن الآيات التي توجب اتباع الشريعة كركن أساسي في صفة الإيمان قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما انزل إليك وما انزل من قبلك ، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) النساء 60

وقوله تعالى ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) الأحزاب 36

 

ويرد مقولة العلمانية القائمة على استبعاد الدين من تنظيم شئون الحياة الدنيا ما نجده في القرآن الكريم من ازدواج الجزاء على بعض الأفعال : جزاء في الدنيا وجزاء في الآخرة ..

ومن ذلك قوله تعالى في جزاء جريمة الحرابة : ( ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) المائدة 33

وقوله تعالى في جزاء جريمة القذف : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ) النور 19

وقوله تعالى في جزاء جريمة القتل ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) البقرة 178 ، ثم في قوله تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) النساء 93

 

ولا يكتفي القرآن بأن تكون هذه النظرة قاصرة على ما أوحى الله به إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولكن يريد لها أن تتسع لتشمل كل ما جاء به الوحي إلى الأنبياء في جميع العصور ، فيقول سبحانه وتعالى ( إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) النساء 150- 151

 

من الملفت للنظر أنه من أكثر ما جاء في القرآن الكريم حكما صريحا بالكفر هو ما جاء في شأن العلمانية نصا: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) الظالمون  . الفاسقون

إنه الإسلام بما له من صفة الشمول الجديرة بكل دين صحيح

 

ومن الملفت للنظر أيضا أن القرآن لم يدع مجالا في هذا المقام لمنكري السنة ذلك أن  القرآن نفسه يجعل إنكار السنة إنكارا للقرآن نفسه ، في آيات كثيرة منها قوله تعالى " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " 7 الحشر

" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " 59 النساء .

" وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله " 64 النساء  

" فَلا وَرَبِّكَ لا يؤْمِنونَ حَتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّموا تَسْليماً " 65 النساء

"مَنْ يُطِعِ الرَّسولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفيظاً " 80 النساء

وقوله تعالى و" أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون " 44 النحل

" وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) 64 النحل

وهذه هي أمارات اكتماله : أنه لم يدع الاحتكام للرسول هملا بين من يرغب في ذلك ومن لا يرغب وإنما جعله آية من آياته وجزءا من كماله ، وهو بعد ذلك أو قبل ذلك رسول الله الخاتم الذي "{ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يوحى } النجم 3 – 4

ومصدر وحيه هو مصدر وحي القرآن نفسه ، وببيان صريح من القرآن ذاته . .

 

إن العلمانية التي تنادي برفض الإسلام الشامل ترفض الدين في جوهره وأحد مقوماته الأساسية وهي من ثم ليست إلا صورة من صور الإلحاد

وهي مخلب من مخالب الغزو الاستعماري والثقافي إذ تقضي على عامل الصمود في المجتمع الإسلامي ضد هذا الغزو كما شرحه العقاد في كتابه " الإسلام في القرن العشرين "

وهي مؤامرة من مؤامرات التبشير إذ تقضي على عامل الجذب في هذا الدين

 

و كما يقول الدكتور محمد عمارة: (إن ابلغ رد على هؤلاء العلمانيين هو الإشارة إلى أبرز معالم هذه الدولة التي أسسها الرسول و صحبه وهي المعالم التي تواترت في أمهات مصادر الحديث والتاريخ ،  ولقد قيض الله لهذه القـَسمة التي تمثل المنطلق لتراث الإسلام السياسي عالـِما أبحر في محيط السنة ، والتقط منه اللبنات التي أقامت معالم دولة المدينة شامخة وبارزة للناظرين .. وهو أبو الحسن علي بن محمد بن موسى بن مسعود بن موسى بن أبي عفرة الخزاعي ( 710 – 879 هـ \ 1026 – 1103 م ) في كتابه " تخريج الدلالات السمعية " ومن هذا الكتاب ندرك أننا بإزاء دولة كاملة الأركان

على راس هذه الدولة كان القائد والأمير وولي الأمر والإمام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم

وكان له وزراء ومشيرون ، وكان منهم من اختص بالحجابة والسقاية والكتابة والترجمة وحمل الخاتم وإمارة الحج ، ومنهم كانت عمالات في التعليم والإعلام والعلاقات الخارجية والسفراء والتراجمة والشعراء والخطباء ، وفي القطاع الحربي كان هناك غير أمراء القتال وجنده كتاب الجيش وفارضو العطاء والعرفاء  ورؤساء الجند . وعلى النواحي كان هناك ولاة وأمراء الأقاليم وفيها كان القضاة وعمال الجباية والخراج والقائم على الحمى وصاحب المساحة وعمال الزكاة والصدقات والخارصون للثمار كما كان هناك فارضو المواريث وفارضو النفقات ، وكان هناك من يقوم بمهمة المحتسب وصاحب العسس ومتولي حراسة المدينة والعين الجاسوس والسجان والمنادي ومقيم الحدود ومتولي التطبيب والعلاج ، وعند الغزو كان هناك أمراء الجهاد والمستخلفون في المدينة ومن يستنفر الناس للقتال ، وصاحب السلاح وصاحب اللواء وأمراء أقسام الجيش وحراس القائد والقائمون على متاع السفر ومن يخذلون الأعداء ومن يبشرون بالنصر إلخ . أنظر كتاب ( تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنايع والعمالات الشرعية ) نشر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة 1980 تحقيق الأستاذ محمد أحمد أبو سلامة

 

 وهاهم  الصحابة رضي الله عنهم يذكرون أن الآية في قوله تعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " المائدة 44 " عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك مستحلا له كما ورد بكتب التفسير .

 

      

وهاهو الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه  وهو يدعو - إلى الأخذ بتعاليم الإسلام في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر(3) . يدعو إلى الخروج علىأهل البغي أو السلطان الجائر أو الجماعة الباغية ؟ وإن كان لا يرى الخروج بالسيف من بداية الأمر  ، لأن (...ما يفسدون من ذلك أكثر مما يصلحون ، من سفك الدماء واستحلال المحارم وانتهاب الأموال .. (4))

وهو عندما سئل  : أفنقاتل الفئة الباغية بالسيف ؟  قال : نعم ، تأمر وتنهى فإن قبل ، وإلا قاتلتها فتكون مع الفئة العادلة .. (5). وهو يقول أيضاً ( فقاتل أهل البغي(1) ) ويبين أن هذا القتال لا يصح أن يكون بدعوى كفر البغاة ، ولكن باسم بغيهم فحسب ، يقول ( فقاتل أهل البغي بالبغي لا بالكفر ).

 (5).

 

وهاهو الإمام الشاطبي  يقول منذ قرون  فيما يعتبر تفنيدا لدعاوى العلمانية ممن يكفرون ببعض الكتاب وإن آمنوا ببعض وعذر بعضهم في جهلهم بالإسلام ، ووقوعهم في أسر المناهج التعليمية والثقافة التغريبية التي خضعوا لها: ( ومدار الغلط هو الجهل بمقاصد الشرع ، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض ، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وأجزائها المرتبة عليها ، وعامها المرتب على خاصها ، ومطلقها المحمول على مقيدها ، ، إلى ما سوى ذلك من مناحيها ، فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام فذلك حكمها الذي نطقت به حين استنطقت

وما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوي ، فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا حتى يستنطق فلا ينطق باللسان وحده ، ولا بالرأس وحدها ، ولا باليد وحدها ولا بالرجل وحدها بل بجملته التي سمي بها إنسانا ، فكذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها ، لا من دليل منها أي دليل كان .

فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان . وشأن متتبعي المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان عفوا ، وأخذا أوليا ، وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي ، فكان العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا ، فمتبعه متبع متشابه ، ولا يتبعه إلا من كان في قلبه زيغ كما شهد الله به ، " ومن اصدق من الله قيلا "  ) انظر الموافقات ج1 ص 329 ط المنار عام 1332 هـ

إنه الإسلام بما له من صفة الشمول الجديرة بكل دين صحيح

 

وهاهو الإمام الطبري رضي الله عنه المتوفى عام 310 هـ   يذكر في تفسير قوله تعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " المائدة 44 " : ( إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا جاحدين فأخبرهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون ، وكذلك القول عن كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به هو بالله كافر ، لأن جحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي )

 

  وهاهو الإمام الغزالي المتوفي عام 505 هـ  وهو يقرر وجوب نصب الإمام  إذ يقول في بيان شرعي وبرهان قوي : ( لا ينكر وجوب نصب الإمام لما فيه من الفوائد ودفع المضار في الدنيا ، ولكنا نقيم البرهان القطعي الشرعي على وجوبه ، ولسنا نكتفي بما فيه من إجماع الأمة ، بل ننبه على مستند الإجماع ونقول :

 نظام أمر  الدين مقصود لصاحب الشرع عليه الصلاة والسلام قطعا .

 وهذه مقدمة قطعية لا يتصور النزاع فيها .

  ونضيف إليها مقدمة أخرى : وهي أنه لا يحصل نظام الدين إلا بإمام مطاع .

   فيحصل من المقدمتين صحة الدعوى : وهو وجوب نصب الإمام  )

  ثم يبين الإمام الغزالي البرهان على المقدمة الثانية وهو أن نظام الدين لا يحصل إلا بإمام        مطاع فيقول :

 (البرهان عليه أن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا ، ونظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع. )

ثم يرد اعتراض أشباه العلمانيين من قديم القائلين : بأن الدنيا والدين ضدان والاشتغال بأحدهما خراب للآخر فيقول : ( هذا كلام من لا يفهم ما نريده بالدنيا الآن فإنه لفظ مشترك ، قد يطلق ويراد به فضول التنعم والتلذذ ، والزيادة على الحاجة والضرورة ، وقد يطلق على جميع ما هو محتاج إليه قبل الموت . )

ثم يقول : ( ونظام الدين بالمعرفة والعبادة لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن ، وبقاء الحياة ، وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن وليس يأمن الإنسان على روحه وبدنه وماله ومسكنه وقوته في جميع الأحوال ، فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات .

وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة وطلب قوته من وجه الغلبة متى يتفرغ للعلم والعمل ؟ وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة ؟

وإذن بان أن نظام الدنيا شرط لنظام الدين )

 

ثم يسترسل الإمام الغزالي في البرهنة على المقدمة الثانية وهي القول بـأن الدنيا والأمن على النفس والأموال لا ينتظم إلا بسلطان مطاع ، فيقول : ( ذلك تشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين الأئمة ، وأن ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع دام الهرج والمرج وعم السيف وشمل القحط وهلكت المواشي ، وبطلت الصناعات ولم يتفرغ أحد للعبادة والعلم ، إن بقي حيا ، والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف

ولهذا قيل : الدين والسلطان توأمان

ولهذا قيل : الدين أس والسلطان حارس

وما لا أس له فمهدوم ، وما لا حارس له فضائع

وعلى الجملة لا يتمارى  العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم وما هم عليه من تشتت الأهواء وتباين الآراء لو خلوا وآراءهم ولم يكن لهم رأي مطاع يجمع شتاتهم لهلكوا عن آخرهم وهذا داء لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع يجمع شتات الآراء

فبان أن السلطان ضروري في نظام الدنيا ، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين ، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة ، وهو مقصود الأنبياء قطعا ، فكان وجوب نصب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه فاعلم . ) أنظر الإمام الغزالي في كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد " ط مصطفى الحلبي ص 113 – 115

 

 وهاهو الإمام القرطبي رضي الله عنه المتوفى عام 671 هـ  يذكر في تفسيره لقوله تعالى " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " المائدة 44 ": " ان من لم يحكم بما انزل الله ردا للقرآن وجحودا للرسول الكريم فهو كافر "

 

  وهاهو الإمام البيضاوي  رضي الله عنه المتوفى عام 685 هـ  يذكر في تفسيره للآية ": ومن لم يحكم بما أنزل الله مستهينا به منكرا له فأولئك هم الكافرون لاستهانتهم به وتمردهم بأن حكموا بغيره ، ولذلك وصفهم بقوله : الكافرون الظالمون الفاسقون ، فكفرهم لإنكاره ، وظلمهم بالحكم بخلافه ، وفسقهم بالخروج عنه.

 

 وهاهو العلامة  ابن خلدون رضي الله عنه المتوفى عام 808 هـ   يقرر أن ( نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين ) مقدمة ابن خلدون ، وانظر عمر فروخ في كتابه " تجديد في المسلمين لا في الإسلام "  ص 160

 

 وهاهو  صاحب " فواتح الرحموت " عبد العلي بن نظام الدين الأنصاري في شرحه لـ "  مسلم الثبوت " في أصول الفقه ، لمحب الدين بن عبد الشكور الهندي المتوفى عام 1119 هـ  وهو من أواخر ما ألف في أصول الفقه ،  وكلمته إذن مطلة على تاريخ الفقه طوال التاريخ الإسلامي يقول : ( لا حكم إلا من الله بإجماع الأمة ، لا كما في كتب بعض المشايخ لأن هذا عندنا – أي أهل السنة – وعند المعتزلة الحاكم العقل ، فإن هذا مما لا يجترئ عليه أحد ممن يدعي الإسلام ) أنظر " فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت " ذيل كتاب " المستصفى " للإمام الغزالي ، طبع المطبعة الأميرية بمصر عام 1324 هـ  ص 25

 

وهاهو رفاعة رافع الطهطاوي  –أسير التنويريين !! – يدون كتابه بعنوان " الدولة الإسلامية : نظامها وعمالاتها " وهو المتمم لكتاب " نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز " بتعليق عبد الرحمن حسن محمود وفاروق حامد بدر ؛ نشر مكتبة الآداب الجماميز عام 1990 م

 

 وهاهو الشيخ محمد عبده وهو ينفي عن الإسلام ما يسميه الإفرنج " الثيوقراطية " يقول  في الوقت نفسه  : ( لكن  الإسلام دين وشرع ، فقد وضع حدودا ورسم حقوقا ، فليس كل معتقد في ظاهر أمره بحكم  يجري عليه في عمله ، فقد يغلب الهوى  وتتحكم الشهوة ، فيغمط الحق ، ويتعدى المعتدي الحد ،  فلا تكمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا إذا وجدت قوة لإقامة الحدود وتنفيذ حكم القاضي بالحق ، وصون الجماعة ، وتلك القوة لا يجوز أن تكون فوضى في عدد كثير فلابد أن تكون في واحد وهو السلطان أو الخليفة )

ثم يحترس عن الثيوقراطية فيقول : ( الخليفة عند المسلمين ليس بمعصوم ، ولا هو مهبط الوحي ، ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة )  أنظر الإسلام دين العلم والمدنية تحقيق طاهر الطناحي ونشر دار الهلال  ص 100- 101

 وهاهو شيخ الإسلام الشيخ مصطفى صبري يؤكد لزوم الشريعة الإسلامية في مواجهة علمانية أتاتورك في كتابه ( النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة )

وهاهو الشيخ رشيد رضا  يواجه بوادر العلمانية في مصر في كتابه ( الخلافة أو الإمامة العظمى )

وسار على دربه في ذلك  كل من الأمير شكيب أرسلان ومحب الدين الخطيب والشيخ أحمد شاكر وأبو الحسن الندوي وحسن البنا

وهاهو الفقيه الدستوري الأشهر الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري يواجه العلمانية في كتابه ( الخلافة ونظام الحكم الإسلامي) 

وكذلك كان فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن بيصار في قوله بعد حادث المنصة بأيام : ( إن الدين الذي لا يتناول في مفهومه السياسة ومنهجها في قيادة المجتمعات يظل ناقصا .. ونعوذ بالله وبديننا أن يكون كذلك ) مجلة آخر ساعة نوفمبر 1981

 

وكذلك كان الأستاذ الدكتور محمد البهي وزير الأوقاف الأسبق  وهو يقول عن العلمانية " ليس لها مكان في وجود الإنسان مع الإسلام ، فإما أن يوجد الإسلام ولا علمانية ، أو توجد العلمانية ولا إسلام " في كتابه " العلمانية والإسلام بين الفكر والتطبيق " نشرة مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر :ص  7"

إنه الإسلام بما له من صفة الشمول الجديرة بكل دين صحيح

 

وهاهم علماء الأزهر وهم مضرب المثل فيما يسمى الاعتدال  ، يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية  في بيان لهم أصدرته جماعة علماء الأزهر  فور عقد معاهدة 1936 ، توهما منها بأن الفرصة قد صارت سانحة للحكم بكتاب الله بعد أن انزاح كابوس الاستعمار عن البلاد ، وقد نشرناه في ذيل رسالة لنا عن التطرف ألقيناها بمؤتمر الشرطة ، نشرت ملحقة بمجلة الأزهر في عدد جمادى الأولى 1408 هـ ، كما نشرت في ذيل كتاب لنا عن ( حقيقة العلمانية ) أصدرته الأمانة العامة للدعوة بالأزهر بإشراف شيخ الأزهر الشيخ جاد الحق .

 

 وهاهي هيئة كبار العلماء بالأزهر تصدر بيانها – قبل تشكيل مجمع البحوث الإسلامية – بصدد الرد على الشيخ على عبد الرازق وشيعته الذين يستدلون بقوله صلى اله عليه وسلم " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء " على انسحاب الإسلام من شئون الحياة الدنيا وهم مع ذلك ما يزالون يعتقدون بصحة القرآن الكريم !! إذ يقول البيان :( هل يرى هؤلاء أن تدبير أمور الدنيا وسياسة الناس أهون عند الله من شيء من المال يقول الله في شأنه " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " أو من صاع شعير يقول الله في شأنه : " أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين ، وزنوا بالقسطاس المستقيم " ثم يتساءل البيان :

ماذا يعمل هؤلاء في مثل قوله تعالى " إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله " وقوله تعالى : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم " وقوله تعالى : "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " وقوله تعالى " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم "

وماذا يعمل هؤلاء في مثل ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما أن ابنة النضر أخت الربيع لطمت جارية فكسرت سنها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بالقصاص ، فقالت أم الربيع يا رسول الله أتقتص مني فلانة ؟ لا والله ، فقال : سبحان  الله يا أم الربيع كتاب الله القصاص "

 ومثل ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم ، فإذا وقعت الطرق فلا شفعة "

 وما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قضى باليمين على المدعى عليه ، وما رواه أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد ) أنظر كتيب " حكم هيئة كبار العلماء في كتاب الإسلام وأصول الحكم " نشر عام 1344 هـ ص 11- 13  

إنه الإسلام بما له من صفة الشمول الجديرة بكل دين صحيح

 

 وهاهي قرارات مجمع البحوث بالأزهر الصادرة في عهود الأئمة : حسن مامون وعبد الحليم محمود ، وبيصار ، وجاد الحق  : تصدر لتصفع خرافة التوافق بين الإسلام والعلمانية على وجهها ، كما تخزق " عين " تهمة التطرف التي تلصق بالداعين إلى تطبيق الشريعة الإسلامية إذ تقول : ( يسجل المؤتمر أن الإسلام عقيدة وشريعة وحضارة ، وترق حضاري يشرع للحياة صورتها المتكاملة ) المؤتمر الثاني

وجاء فيه أنه ( يدعو الأمم الإسلامية إلى اتخاذ الإسلام منهجا لسلوكها في الحياة بالاستمساك بالقيم الخلقية والاجتماعية التي جاء بها الإسلام وباتخاذ الشريعة الإسلامية أساسا لتشريعاتها )

وجاء في مؤتمره الثالث أنه يدعو إلى : ( أن تضافر جهود المسلمين حكومات وأفرادا على توجيه حياتهم العامة والخاصة وجهة إسلامية سليمة على أساس متين من تعاليم الدين الحنيف في نظم الحكم والإدارة والقضاء )

وجاء قراره بأن ( الإسلام عقيدة وشريعة تحدد الحقوق والواجبات ) و( أن تعاليم الإسلام قد اشتملت على أحكام في تنظيم الجانب الاقتصادي يتألف من مجموعها نظام اقتصادي متكامل يمتاز عن النظم الاقتصادية الأخرى )

كما ناشد المؤتمر الثالث للمجمع ( السلطات ذات الاختصاص في مختلف الدول الإسلامية أن تعمل على تنقية تشريعاتها ونظمها من كل ما يخالف حكم الإسلام وأن ترد هذه التشريعات والنظم إلى كتاب الله وسنة رسوله )

كما أوصى في المؤتمر الرابع ( بتأليف لجنة من رجال الفقه والقانون لتضطلع بوضع الدراسات ومشروعات القوانين التي تيسر على المسئولين في البلاد الإسلامية الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية في قوانين بلادها كقوانين العقوبات والقانون التجاري والقانون البحري وغيرها )

فهل كان مجمع البحوث الإسلامية متطرفا وهو يرفض العلمانية ويدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية

 

 وهاهي بعض المؤسسات الدستورية للدولة – قد استجابت مؤقتا لهذه  التوصيات – فأصدرت إدارة الصحافة والنشر بمجلس الشعب عام 1983 كتابا بعنوان " تطبيق الشريعة في مجلس الشعب " وجاء في مقدمة الكتاب : ( تاقت النفوس من أبناء شعب مصر العظيم منذ فترة طويلة إلى تطبيق أحكام الشريعة كما تطلعت إلى اليوم الذي يكون فيه مرد الأمر إلى أحكام الله تبارك وتعالى التي فطرت عليها طبيعة هذا الشعب ، وقد قابل أعضاء المجلس الموقر ذلك بكل الترحيب والتقدير ، ولابد أن نسجل بالتقدير والشكر والعرفان هذه المبادرة الكريمة للأستاذ الدكتور صوفي أبو طالب الذي لم يأل جهدا في حشد جهابذة علماء الشريعة والقانون إنجاز هذا العمل التاريخي العظيم )

فهل كان مجلس الشعب أو رئيسه الدكتور صوفي أبو طالب متطرفا وهو يرفض العلمانية ويدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية

 

 وقد أرسل شيخ الأزهر الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق خطابا برقم 518 في 10\7\1984 إلى رئس مجلس الشعب حض فيه المجلس على ضرورة الإسراع في مناقشة قوانين الشريعة ، وأتبعه بخطاب ثان في 22\11\1984 \ أنظر جريدة النور في 17\12\1986 – 15 ربيع الثاني 1407 - فهل كان شيخ الأزهر متطرفا وهو يرفض العلمانية ويدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية

 

إن إسناد الحكم لشريعة الله كان ومازال  موضع الإجماع  من أهل السنة والشريعة والمعتزلة وعلماء الأمة في جميع العصور باستثناء من فسد أو سقط تحت سنابك العلمانية في القرن العشرين قرن عار استعمار البلاد الإسلامية بيد الإفرنج .

 

وهاهو الأستاذ عباس محمود العقاد يتحدث عن أهمية صفة الشمول بالنسبة للدين بوجه عام بما يجعله الحل " للإنسان " في الشرق والغرب على السواء ( الغالب على الأوامر الدينية هو الشمول الذي يحيط بالإرادة والشعور والظاهر والباطن ولا يسمح لجانب من النفس أن يخلو منه )

ثم يتحدث عن الشمول في الإسلام بخاصة فيقول : ( إنه عقيدة شاملة ، وأنه بذلك حقق الصفة الكبرى للعقيدة الدينية على أتم شروطها ، فما كانت سريرة الإنسان لتطمئن كل الاطمئنان إلى اعتقاد يفرقها بددا ، ويقسمها على نفسها ، ويترك جزءا لم تشمله بقوته ويقينه .)

ثم يقول : ( وعلى هذا الشرط – شرط الشمول في العقيدة – يكون الإسلام هو العقيدة بين العقائد ، أو هو العقيدة المثلى للإنسان : منفردا ومجتمعا ، وعاملا لروحه أو عاملا لجسده ، وناظرا إلى دنياه ، أو ناظرا إلى آخرته ، ومسالما أو محاربا ، ومعطيا حق نفسه أو معطيا حق حاكمه وحكومته ، فلا يكون مسلما وهو يطلب الآخرة دون الدنيا ، ولا يكون مسلما وهو يطلب الدنيا دون الآخرة ،  ولا يكون مسلما لأنه روح تنكر الجسد ، أو لأنه جسد ينكر الروح ، أو لأنه يصحب إسلامه في حالة ويدعه في حالة أخرى ، ولكنما هو المسلم بعقيدته كلها مجتمعة لديه في جميع حالاته ، سواء تفرد وحده أو جمعته بالناس أواصر الاجتماع .

إن شمول العقيدة في ظواهرها الفردية وظواهرها الاجتماعية هو المزية الخاصة في العقيدة الإسلامية ، وهو المزية التي توحي إلى الإنسان أنه كل شامل فيستريح من فصام العقائد التي تشطر السريرة شطرين ، ثم لا تعبأ بالجمع بين الشطرين على وفاق )

 ثم يقول : ( لا ينقسم المسلم بين الدنيا والآخرة ، أو بين الجسد والروح ، ولا يعاني هذا الفصام الذي يشق على النفس احتماله، ويحفزها في الواقع إلى طلب العقيدة ، ولا يكون هو ذاته عقيدة تعتصم بها نفسه من الحيرة والانفصام . " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا "

.

ومن هنا لم يذهب الإسلام مذهب التفرقة بين ما لله وما لقيصر ، لأن الأمر في الإسلام كله لله "بل لله الأمر جميعا " ، " لله المشرق والمغرب "

وإنما كانت التفرقة بين ما لله وما لقيصر تفرقة الضرورة التي لا يقبلها المتدين وهو قادر على تطويع قيصر لأمر الله .

وهذا التطويع هو الذي أوجبته العقيدة الشاملة ، وكان له الفضل في صمود الأمم الإسلامية لسطوة الاستعمار ، وإيمانها الراسخ بأن الاستعمار وذيوله دولة حائلة ، وحالة لا بد لها من تحويل ) 

يقول : ( بهذه العقيدة الشاملة غلب المسلمون أقوياء الأرض ، ثم صمدوا لغلبة الأقوياء عليهم يوم دالت الدول وتبدلت المقادير ، وذاق المسلمون بأس القوة مغلوبين مدافعين

وهذه العقيدة الشاملة هي التي أفردت الإسلام بمزية لم تعهد في دين آخر من الأديان الكتابية ، فإن تاريخ التحول إلى هذه الأديان لم يسجل لنا قط تحولا إجماعيا إليها من دين كتابي آخر بمحض الرضا والاقتناع ، إذ كان المتحولون إلى المسيحية أو إلى اليهودية قبلها في أول نشأتها أمما وثنية لا تدين بكتاب ، ولم يحدث قط في أمة من الأمم ذات الحضارة العريقة أنها تركت عقيدتها إلى دين كتابي غير الإسلام .

وإنما تفرد الإسلام بهذه المزية بين سائر العقائد الكتابية ، فتحولت إليه الشعوب فيما بين النهرين وفي أرض الهلال الخصيب ،وفي مصر ، وفارس ، وهي أمة عريقة في الحضارة كانت قبل التحول إلى الإسلام تؤمن بكتابها القديم .

وتحول إليه ناس من أهل الأندلس وصقلية كما تحول أناس من أهل النوبة ، ورغبهم جميعا فيه ذلك الشمول الذي يجمع النفس والضمير ويعم بني الإنسان على تعدد الأقوام والأوطان ، ويحقق المقصد الأكبر من العقيدة الدينية فيما امتازت به عقائد الشرائع وعقائد الأخلاق وآداب الاجتماع) أنظر كتابه " الإسلام في القرن العشرين " طبعة دار نهضة مصر بالفجالة ص 16-17 ،  27-29

 

إنه الإسلام بما له من صفة التوازن والشمول الجديرة بكل دين صحيح ، الصالح لكل إنسان ، وكان هو الحل لمشكلة الإنسان الحائر في دامس الظلام الناتج عن البعد عن منهج الله

إنه الإسلام الحل

 

 وهاهو المستشرق المسلم ليوبولد فايس " محمد أسد " يؤكد هذه الصلاحية لكل إنسان فيقول  في كتابه " الإسلام على مفترق الطرق " : ( الإسلام ليس عقيدة صوفية ولا هو فلسفة ، ولكنه نهج من الحياة حسب قوانين الطبيعة التي سنها الله في خلقه ، وما عمله الأسمى سوى التوفيق بين الوجهتين الروحية والمادية في الحياة الإنسانية .

وإنك لترى هاتين الوجهتين في تعاليم الإسلام تتفقان في أنهما لا تدعان تناقضا أساسيا بين حياة الإنسان الجسدية وحياته الأدبية .. ليس هذا فحسب ، ولكنّ تلازمهما هذا وعدم افتراقهما فعلا أمر يؤكده الإسلام إذ يراه الأساس الطبيعي للحياة )

ثم يقول ( إن الإسلام لا يكتفي بأن يأخذ على عاتقه تحديد الصلات المتعلقة بما وراء الطبيعة ولكنه يعرض أيضا للصلات الدنيوية بين الفرد وبيئته الاجتماعية ) الإسلام على مفترق الطرق ليوبولد فايس ترجمة عمر فروخ ط 1977 ص 22 –0 24

إنه الإسلام بما له من صفة الشمول الجديرة بكل دين صحيح

إنه الإسلام الذي هو الحل

 

 وهاهو روجيه جارودي يقول عن شمول الإسلام وهيمنته على العمل السياسي وترشيحه بذلك لكي يكون هو الحل على مستوى الغرب :  : ( إن الإسلام برفضه فصل الثنائية المزعومة بين السياسة والإيمان يمكنه مساعدة الغرب على تجاوز أزمته ،  كذلك فإنه يمكن للإسلام بربطه كل شيء بالله .. في الملكية . والسلطة والمعرفة إلخ أن يكون خميرة تحرر ونضال ضد كل أشكال التسلط والعبودية المفروضة على الإنسان بحجة أطروحات مزيفة )

ويقول أيضا  في شمول الإسلام وهيمنته على الجانب الاقتصادي : ( إن الاقتصاد الناجم عن المبادئ الإسلامية هو نقيض النظام الغربي الهادف للنمو ، والذي يعتبر فيه الإنتاج والاستهلاك غايتين بحد ذاتهما . فالاقتصاد الإسلامي لا يهدف في مبدئه القرآني إلى النمو ، بل يهدف إلى التوازن . لذا لا يمكن مقارنة الاقتصاد الإسلامي بالنظام الرأسمالي _ على الطريقة الأمريكية مثلا – ولا النظام الجماعي – على الطريقة السوفيتية مثلا - . إن من ميزاته الأساسية عدم الخضوع إلى حركة عمياء تجعل الاقتصاد غاية في حد ذاته . بل هو يتعلق بأهداف سامية إنسانية وإلهية تتجاوزه ، لأن الإنسان لا يكون إنسانا بشكل حقيقي إلا بارتباطه بالله . )

أنظر " الإسلام دين المستقبل " لروجه جارودي  ترجمة عبد المجيد بارودي نشر دار الإيمان بدمشق وبيروت ط 1983 ص – 70 - 76

إنه الإسلام بما له من صفة الشمول الجديرة بكل دين صحيح للشرق أو للغرب على السواء : إنه هو الحل

وبعد : فهاهو العلامة ابن أبي العز شارح الطحاوية المتوفى عام 792 هـ  يضع النقط على الحروف فيمن يصح وصمه بالكفر أو لا يصح ممن يرفضون الشريعة والحكم بها فيقول : يقول : ( هنا أمر يجب أن نفطن له :

     وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة ، وقد يكون معصية كبيرة ،       أو صغيرة  ، ويكون كفرا مجازيا ، وإما كفرا أصغر على القولين المذكورين ،وذلك بحسب حال الحاكم

فإن اعتقد أن الحكم بما انزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو مستهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفرا أكبر

 وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافرا كفرا مجازيا أو كفرا اصغر

 وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأ فهذا مخطئ ، له أجر على اجتهاده ، وخطؤه مغفور )

والفرق بين ما يسمى كفرا أصغر أو مجازيا تابع للخلاف في ما إذا كان للكفر مراتب فالقائلون بذلك  يسمون العصيان كفرا أصغر ، وما إذا كان الكفر لا مراتب له وإنما هو حقيقة واحدة كالإيمان فهؤلاء يسمون العصيان كفرا مجازيا . انظر شرح الطحاوية لابن أبي العز ص 228-229-230

 

هاهم آباؤنا أرباب ثقافتنا وديننا وحضارتنا فأين هم آباء أقباط المهجر وأقباط العلمانية وملاحدتهم غير " زعماء الصراع " وسماسرة الصدام ، ودهاقنة النفاق ، وزعماء الكذب ، وكهنة الرذيلة ، وأساتذة الدبلسة ،  ونسل الأبالسة : من أمثال مكيافيلي ودارون وتاليران وماركس ، ولينين ، وهرتزل ، وأتاتورك ، وشبلي شميل ، وسلامة موسى ، وهنري كورييل ، وهتلر وتشرشل وبوش وكوندوليزا رايس وشارون ؟؟

 

والله أعلم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

(3) الفقه الأبسط بشرح أبى الليث ( ص 4) .

(4) الفقه الأبسط ( ص 44 ) .

(5) المصدر السابق .

(1) المصدر السابق ( ص 48 ) .

(5) نقله أحمد أمين عن الزبخشري فى الكشاف . انظر ضحى الإسلام ( جـ3 ص 274 ) .

1 

إلى صفحة مقالات وأراء 2