02/11/2005

لمصلحة من يستهدف البعض حزب البعث والرئيس صدام حسين؟

د. فيصل الفهد

بعد مرور ما يزيد على عامين ونصف على احتلال العراق تفرض مجريات الأحداث وتداعياتها حقيقة أنّه لم يعد هناك مجال لأن يدّعي بعض الأطراف على الساحة العراقيّة أنّه لا زال هناك تداخل في الخنادق وعدم وضوح هيكلة وتوجهات القوى التي تتصارع فيما بينها أملاً في الهيمنة شبه المطلقة على الأوضاع في العراق .

لقد فرزت المرحلة الماضية منذ 9/4/2003 بروز خندقين الأول يمثله الاحتلال ومن جاء معه من العملاء والخونة والانتهازيين الذين اصطفوا معهم لأهداف سيئة مثل أصحابها في حين جمع الخندق الثاني كلّ الخيرين من الشعب العراقي الذين التفوا حول قواهم الوطنية والقومية والإسلامية وفي طليعتهم أبطال المقاومة الوطنية العراقيّة المسلّحة .. والمنازلة الكبرى بين طرفي الصراع مستمرة ، وتشير  الوقائع يوماً بعد يوم إلى رجحان كفة الشعب العراقي ومقاومته على الاحتلال وعملائه .

وبات واضحاً أنّ المكونات الأساسية في الخندق الوطني جمعت قوى مختلفة في التوجهات والبرامج والأهداف والأفكار والمواقف .. إلاّ أنّها اصطفت جميعها في مواجهة التحدّي الأكبر والأهمّ وهو الاحتلال وعملائه . ومن هنا نجد اليوم جبهة عريضة قد تشكلت لتفعل ما في وسعها لتحرير العراق واستعادة عافيته وتشكيل نظام وطني تعدّدي ديمقراطي وتجسيد كلّ ما طرحته المقاومة الوطنية العراقيّة في برنامجها الاستراتيجي المعلن عنه في آذار 2004 .

ويقف من بين أبرز مكونات الخندق الوطني المقاوم البعثيون الذين يمتلكون إرثا فاعلاً وتجربة وطنية أصيلة عززها دورهم في قيادة العراق 35 سنة ، وهنا لا نهمل وجود الأخطاء والسلبيات التي مورست خلال تلك الحقبة ، إلاّ أنّنا عندما نضع كلّ التجربة في الميزان فإنّ أحداً لا يشك في رجحان الكفة بوضوح لصالح الإيجابيات على السلبيات وهذه السلبيات ستكون عنواناً رئيساً فيما سيهتم بمناقشته طويلاً البعثيون في أول مؤتمر قطري يعقدوه لتقويم المرحلة السابقة والحالية وطرح برنامج عملهم القادم ... هذا عدا إقرار كلّ قيادات الحزب ومفاصله بوجود تلك الأخطاء التي عادة ما تصاحب كلّ التجارب الإنسانيّة في العالم .

لقد كان للبعثيين دورهم في الدفاع عن بلدنا ومواجهة قوات الغزو ، وقد اختلفت صيغة المجابهة من حرب جيوش كانت حتماً ستكون لصالح المعتدين ( لأسباب معروفة ) إلى مواجهة الغزاة بمجاميع صغيرة ( كمائن وكرّ وفرّ ... وغيرها ) وهذه بدأت منذ نهاية آذار 2003 واستمرت بعد ذلك وتبلورت أكثر بعد 9/4/2003  لا سيّما بعد تطبيق الخطة (ب) التي انتظمت فيها أعداد كبيرة من القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية وجيش القدس وفدائيي صدام والتنظيمات الحزبية وأصبحت هناك تشكيلات مناطقية للمقاومة وأخذت مقاومة الاحتلال تزداد وتنتشر بين الشعب العراقي حتى أصبحت ظاهرة متميزة يتسابق نحوها كلّ الشرفاء وتشكلت فصائل عديدة ذات طابع وطني وإسلامي وقومي وأخذت كلّ فصائل المقاومة تنسق وتتعاون لا يقام أكبر قدر ممكن من الخسائر الجسيمة بالمحتلين وعملائهم . وفي العراق اليوم كمّ هائلٌ من الأبطال المجاهدين لا يفخر بهم  العراقيون فقط بل والعرب والمسلمون وكلّ شعوب الأرض المحبّة للسلام والرافضة للعدوان بما فيها شعوب أمريكا وبريطانيا وإيطاليا واستراليا واليابان وكوريا وغيرها رغم أنّ أنظمة هذه الدول تساند الإدارة الأمريكيّة المتصهينة .

نسوق هذه المقدمة للتذكير ببعض ما يحاول بعضنا للأسف الشديد أن يتجاهله أو يهمله لغايات في نفس يعقوب وهو أمر واقع على الأرض ، وأياً كانت هذه الغايات فإنّ تزمّت وإصرار أصحابها على إظهارها بمناسبة وبدون مناسبة يضعها موضع التساؤل لا بل والشكوك عن الغرض منها في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى تعميق تلاحمنا الوطني وتوجيه إمكانياتنا صوب خندق الأعداء الذين وصلوا إلى مشارف الانهيار الكامل وإنّ ممارسات البعض المثيرة للتساؤل تساعد على إطالة عمر وجود المحتلين وتقوي شوكة عملائهم .

وفي الوقت الذي حشد كلّ شرفاء العراق إمكانياتهم لمواجهة مؤامرة الاستفتاء على الدستور الأسود وخروج المظاهرات في كثير من مدن العراق المجاهدة الرافضة للاحتلال ودستوره والمنددة بـه وبمن وضعوه ، ونسمع ونشاهد الخطب الرصينة في المساجد التي تحثّ العراقييّن على مقاطعة مهزلة الاستفتاء أو التصويت بكلمة كلا للدستور .

نقول في هذه الأجواء الإيمانية الوطنية المناهضة للاحتلال وأعوانه يخرج على العراقييّن بعض السادة من خطباء المساجد ليصبوا جام غضبهم وعباراتهم التحريضية ولكن ليس ضدّ الاحتلال ومشروع دستوره الأسود بل ضدّ البعثيين وضد رئيس جمهورية العراق الشرعي .. ولا ندري ما هي الأسباب والدوافع الحقيقية التي دفعت بهؤلاء الأخوة لأن يتركوا الموضوع الأساس وهو الاحتلال ودستوره ويتوجهوا إلى موضوع لم يعد مبرراً لأيٍّ كان الخوض بـه ولأيّ سبب ، ليس دفاعاً عن السيّد الرئيس صدام حسين رئيس العراق الشرعي والبعثيين لأنّهم لا يحتاجون إلى شهادة دفاع مني . ولكن من باب الإنصاف للحقائق ... ولكي نطوي صفحات هذه الممارسات التي لم تعد مجدية أو مقبولة بعد أن أصبح ( اللعب على المكشوف ) وأصبح كلّ ما يتعلّق بالعراق واضحاً أمام أنظار الناس فإنّنا نودّ الإشارة إلى ما يلي :

أولاً – إنّ خروج مظاهرة بشعارات بعيدة عن الموضوع الذي يشغل بال العراقييّن ويستحوذ على اهتمام وهو الاستفتاء على الدستور الأسود يضع على هذه المظاهرة اكثر من علامة استفهام ، وفي ذات الوقت يطرح تساؤلات مشروعة تحتاج إلى إجابات واضحة وأبرز هذه التساؤلات تلك التي تصبّ في معرفة المبررات التي تدفع أصحاب هذه الشعارات لأن يرفعوها في مناسبات معينة لا سيّما تلك التي تتعلّق بممارسات الاحتلال وعملائه ضدّ بلدنا .

ثانياً – إنّ توجيه الشعارات نحو البعثيين والسيد الرئيس صدام حسين تؤكّد أنّ من يقف وراءها يريد أن يؤسس لدى المواطن العراقي ( البسيط ) قناعة تساوي بين موقفه من الاحتلال وبين موقفه من البعثيين .

والسبب في هذه المحاولة أنّ جميع الأطراف المؤيدة للاحتلال ظاهراً وباطناً ومن خلفهم المحتلين يدركون جيداً أنّ أحد أهمّ العوائق أمام حصولهم على موطئ قدم بين قطاع واسع من جماهير شعبنا هو حزب البعث ، كما أنّ تلميع صورة أيّة شخصية تريد أن تستحوذ على اهتمام العراقييّن تصطدم بجدار صلب من المشاعر والأحاسيس والاهتمام والتأييد لشخص السيّد الرئيس صدام حسين ، ولذلك فإنّ البعث والرئيس ربما كان عقبة يعتقد البعض أنّها تعيق تحركه للهيمنة على الشارع العراقي !!


 

ثالثاً- إنّ هذه المظاهرات وبما رفعته من شعارات لا علاقة لها بجوهر الحدث (الاستفتاء) تعزّز نظرة الآخرين وطريقة تقويمهم للأطراف المنظمة لهذه المظاهرات بأنّهم لازالوا يستخدمون المواقف الرمادية التي  لا يمكن من خلالها الاستدلال هل أنّ أصحابها ضدّ الاحتلال أو أنّهم غير رافضين لـه؟

رابعاً – إنّ مواقف من هذا النوع لا تبتعد كثيراً عن الأسلوب الذي تنتهجه أطراف إيرانية في تعاملها مع الشأن العراقي وتحديداًُ في الموقف من الاحتلال .

خامساً – إنّ مواقف بعض الأطراف لم تقتصر على رفع الشعارات ضدّ البعثيين وتهشيم صورتهم بل تعدتها إلى تنفيذ الاغتيالات بحقّ أعداد منهم .

 

ملاحظات لابدّ منها  حول :

أ- اجتثاث البعث :

نريد هنا أن نلفت عناية الجميع أنّ إنهاء وجود حزب البعث فكراً وسلوكاً هدف يلتقي عنده كلّ أعداء العروبة والإسلام والعراق وفي مقدمتهم الفرس والصهاينة ، ولذلك فإنّ قرار اجتثاث البعث سيء الصيت الذي أصدره المجرم الإرهابي بول بريمر الحاكم الأمريكي في العراق كان في مقدمة نصوص ما أسموه بقانون إدارة الدولة ( الذي اعتمدت اغلب فقراته في الدستور ) واجتثاث البعث كان مطلباً إسرائيلياً واجب التنفيذ،  ولذلك نتساءل : لمصلحة من يطالب البعض بتفعيل وتشديد تطبيق هذا القرار المشين الآن ؟ مع العلم أنّه طبّق منذ شهر مايس 2003 ، علماً بأنّ الذين استهدفهم هذا القرار هم خيرة كفاءات وعلماء العراق، ثمّ ما هي تلك المصلحة التي تجعل هذا الطرف أو ذاك يطرح هذه المطالب الآن ؟ فهل أصبح الهدف اجتثاث البعث أم اجتثاث الاحتلال وعملائه؟!

إنّ فكر البعث وأهدافه وعمق تجربة مناضليه وسعة انتشارهم في أوساط الشعب العراقي ودورهم في مقاومة الاحتلال وخبراتهم العلمية تجعلهم في مقدمة من سيعوّل عليهم أبناء الشعب العراقي لتخليصهم من الاحتلال وليكونوا ركناً أساساً مع كلّ الفصائل والقوى العراقيّة المجاهدة ضدّ الاحتلال ولهذا فإنّه من غير المنطقي أن يتصوّر البعض أنّ مجرّد رفع الشعارات ضدّ البعثيين كافٍ لطيّ صفحتهم من تاريخ الشعب العراقي ومن حياته الجهادية اليومية أو تعطيل دوره في تحرير العراق ، وإسهامه مع كلّ الفصائل الوطنية والقومية والإسلامية لبناء الغد الأفضل للعراقيين .

ب- محاكمة السيّد الرئيس صدام حسين :

يدرك الجميع محبين وأعداء أنّ كلّ ما حدث ويحدث في العراق لا أساس قانوني أو شرعي لـه وفي مقدمة كلّ ذلك مسرحية المحاكمات للسيد الرئيس ولعدد من كبار المسؤولين العراقيين والتي تعدّ سابقة خطيرة ستلقي بظلالها السوداء على مستقبل العلاقات الدوليّة .

إنّ اللوائح والنصوص والمواد التي ترتكز عليها الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة وروح اتفاقيات جنيف تؤكّد عدم جواز مثل هذه المهازل بحقّ رئيس دولة شرعي وكذا بالنسبة لبقية المسؤولين . وإذا ما أراد هؤلاء المجرمون والقراصنة أن يجعلوا محاكمة السيّد الرئيس قاعدة جديدة في القانون الدّولي وتعديلاً لاتفاقيات جنيف فإنّ كلّ ما جمعوه من تهم باطلة وأكاذيب وافتراءات ضدّ شخوص القيادة العراقيّة ينطبق على 99% من رؤساء الدول ومسؤوليها وفي مقدمتهم بوش وبلير .. أمّا العملاء الذين جاءوا مع الاحتلال فإنّ واحدة من أبسط العقوبات التي يواجهونها هي الإعدام حسب القانون العراقي.

ونعود إلى مهزلة المحاكمة حيث ركّز العملاء على :

1- قضية الدجيل :

وهنا أريد أن أسأل كلّ من يهمه موضوع المحاكمات سؤالاً بسيطاً وهو : ماذا يفعل أيّ رئيس دولة في العالم عند محاولة اغتياله والاعتداء على موكبه بمختلف أنواع الأسلحة ؟ لقد تعرّض السيّد الرئيس صدام حسين رئيس جمهورية العراق لاعتداء شاركت فيه مجموعة من الناس وهو عمل منافٍ للقانون العراقي ، وقد أحيلوا للمحاكم واتخذت بحقهم العقوبات !!

2- قضية حلبجة :

كلّ العالم يعرف اليوم وأولهم المسؤولون الأمريكان والإيرانيون والعملاء أنّ الجريمة التي ارتكبت في حلبجة كانت قد نفذت من قبل القوات الإيرانية وبالتنسيق المباشر مع الجاسوس جلال الطالباني (رئيس جمهورية العراق المؤقت) ؟! وتقارير مراكز البحوث والمخابرات الأمريكيّة تؤكّد ذلك عدا عن أنّ الأسلحة الكيماوية التي استخدمت في تلك الجريمة لم يكن يمتلكها العراق بل كانت أسلحة إيرانية !

3- صفحة الغدر والخيانة والمقابر الجماعية :

أصبح الجميع يعلم علم اليقين أنّ الذي نفّذ صفحة الغدر والخيانة هم عناصر المخابرات الإيرانية وعناصر حرس الثورة ومجموعة من عملائهم ، وكانت الحكومة العراقية تحتفظ بـ 170 ضابط إيراني من الذين بقوا أحياء وكان هؤلاء الدليل المادي على أنّ إيران كانت وراء تلك الأحداث والمسؤولين الأمريكان أكثر من يعرف هذه الحقائق .

أمّا المقابر الجماعية فلم يعد أحدٌ يشكّ في عائدية تلك المقابر لمقاتلي الجيش العراقي البطل في حربه الدفاعي ضدّ العدوان الإيراني وكذلك في صدّ العدوان الامبريالي الصهيوني 1991 وكذلك ضحايا صفحة الغدر والخيانة إضافة إلى المقابر التي ضمت جثث أعداد كبيرة من ملاكات الدولة والحزب ومجاميع الجيش العراقي المنسحب من الكويت حينها ، والذين قُتلوا من قبل الإيرانيين وعملائهم بطرق بشعة وتمّ دفنهم جماعياً.

إنّ الرسالة التي نريد أن يفهمها الجميع هي أنّ كلّ ما حدث في العراق وسيحدث تحت أيّة عناوين كلها باطلة وإنّ الإقرار بهذا الباطل أو التسليم بـه إرضاءً وتزلفاً لأمريكا سيكون بمثابة نسف لكلّ ما حاولت المجتمعات الإنسانيّة أن تؤسس لـه وترسخه من قواعد وأصول حضارية إنسانية طيلة قرون من الزمن ولذلك فالعدوان على العراق وأفغانستان وغيرهما عدوان على البشرية وعلى حقوق الإنسان وإقرار لشريعة الغاب ولقوانينها .

وسنحاول هنا أن نضع بعض النقاط على حروفها لإظهار حقيقة ما تقوم بـه الإدارة الأمريكيّة من جرائم وعدوان بعد جريمة احتلالها للعراق واغتصاب سيادته وسلطاته السياسية .

ويمكن لنا أن نعطي أمثلة بسيطة لأغراض المقارنة أولاً والتذكير ثانياً بما تندفع نحوه إدارة بوش وذيولها في العراق .

أولاً – دكتاتورية الرأسمالية الأمريكيّة :

رغم كلّ ما تشيعه المطابخ الدعائية الأمريكيّة الصهيونية عن الديمقراطية المثالية في الولايات المتّحدة الأمريكيّة فإنّنا سنشير هنا إلى بعض الحالات وهي غيض من فيض التي تؤكّد أنّ الديمقراطية الأمريكيّة مثالية على الورق وبالادعاءات إلاّ أنّها مشوهة في التطبيق .

ففي الانتخابات التي أجريت 2001 وشارك بها جورج دبليو بوش كانت كلّ الدلائل والبراهين تؤكّد فوز منافسه الديمقراطي ( آل غور ) ولكون الديمقراطية الأمريكيّة أداة ووسيلة بيد دكتاتورية الشركات الرأسمالية العملاقة ولأنّ مصلحة هذه الشركات تقضي بالتغير والمناورة بين الديمقراطيين والجمهوريين فقد زوّرت الانتخابات وتمّ تعيين بوش رئيساً لأمريكا بالتزوير .

وعندما وقعت أحداث سبتمبر استغلتها هذه الشركات ( إن لم تكن هذه الأحداث من تدبير المخابرات الأمريكيّة الصهيونية فعلاً ) وهي  أكبر شركات النفط وإنتاج الأسلحة في العالم لتوجيه أنظار العالم نحو العراق لاحتلاله ولأنّ الشعوب الأمريكيّة اكتوت بنار التجربة الفيتنامية فقد خرج ملايين الأمريكيّين في كلّ المدن الأمريكيّة ضدّ الحرب ، وهذا يعني أنّ هؤلاء يمثلون الرأي العام الأمريكي الحقيقي الفاعل وعلى الرئيس الأمريكي أن ينصاع لرأي هؤلاء ... ولكن ما الذي حصل ؟ ... ذهب بوش واحتل العراق ‍‍! واكتشف العالم أنّ ما ادعاه بوش من حجج لامتلاك العراق  الأسلحة النووية كانت كاذبة ، وخرجت المظاهرات بأعداد هائلة في أمريكا والعالم لوقف العدوان وخروج القوات المحتلة من العراق ،  فهل استجاب بوش الديمقراطي ؟ والجواب معروف .. إذن أين الديمقراطية وأين احترام الرأي العام الأمريكي ؟! إنّ موقف بوش غير الديمقراطي ينبع من كونه جزءاً من مؤسسات رأسمالية عملاقة تقتضي مصالحها أن تمارس الدكتاتورية أسلوباً لتحقيق كلّ مصالحها .

ثانياً – الجرائم بحقّ الشعوب :

في حالة أحداث سبتمبر 2001 والتي لم يثبت لحدّ الآن أنّ منظمة القاعدة هي من قام بها وإنّ الشكوك تحوم حول مؤسسات أمريكيّة يعتقد أنّها وراء إخراج هذه المسرحية ، .... لاحظنا أنّ الإدارة الأمريكيّة عاقبت العالم واحتلت دولاً ذات سيادة وقتلت مئات الآلاف في أفغانستان والعراق ولم يقل أحد كلمة واحدة ولم تطالب المؤسّسات الدوليّة (الشرعية الدوليّة) بمحاكمة بوش وكذلك بلير على الإبادة البشرية والمجازر وفضائح التعذيب في سجون العراق وغوانتانامو .

وفي العراق تقوم قوات الاحتلال الأمريكي والميليشيات العميلة (الحرس الوثني) بتدمير مدن وإبادة سكانها وقتل المئات يومياً بدون حتى أن توجه لهم تهمة أو تصدر بحقهم أحكام !! كلّ الذي فعله هؤلاء ( المبادون ) أنّهم يرفضون الاحتلال .. ولا أحد أيضاً يطالب بمحاكمة بوش وبلير والحكومة العميلة لهم على كلّ حملات الإبادة والقتل بالجملة ، هذا عدا عن أنّ القوات الأمريكيّة تقتل بالجملة كلّ من يتواجد قريباً منها إذا تعرّض أحد أفرادها أو أرتالها لطلقة نارية واحدة .

وجرائم القتل الجماعي مستمرة مثل الجريمة التي حدثت يوم 16/10/2005 في الأنباء ( منطقة البوفهد ) حيث قتلت الطائرات الأمريكيّة أكثر من 25 مواطن عراقي أعزل ، لماذا ؟ لأنّهم كانوا يتفرجون على سيارة أمريكية شبّت فيها الحرائق !! وقتل عشرات بعد تدمير بيوتهم ومثلهم قتلوا أثناء تأديتهم للصلاة في الجوامع ... فالموت على يد الأمريكيّين يلاحق الشعب العراقي أينما وجد .

أمّا الميليشيات العميلة بدر وحرس الدعوة والبيشمركة الذين يرتدون الذيّ الحكومية ( شرطة وحرس وثني ) فهؤلاء يقتلون على الهويات والأسماء ويستخدمون (المثقب الكهربائي ) لقلع العيون وعمل ثقوب في كلّ أجزاء الجسم ، وهؤلاء يقتلون ولا يعرفون لماذا !!

هذا مثال بسيط مما يحدث من جرائم قتل وإبادة جماعية ومقابر جماعية يومية .. ولكن لا أحد يطالب بمحاكمة هؤلاء المجرمين .. في حين أنّ رئيس دولة العراق تعرّض لمحاولة قتل وتتخذ الدولة الإجراءات القانونيّة بحقّ مرتكبي الجريمة ثمّ بعد عشرين سنة يحتل العراق وتأتي دولة الاحتلال وتأسر رئيس الدولة ثمّ تقدّمه للمحاكمة على خلفية ممارسات طبيعية يقوم بها أيّ رئيس دولة !

ونسأل السيّد بوش : لو أنّه تعرّض الآن لحادث كتلك التي تعرّض لها الرئيس صدام حسين في الدجيل فماذا يفعل لمن يريديون قتله ؟ هل يوزع عليهم الهدايا والأموال؟ ونفس الشيء بالنسبة لأيّ من المعنيين في الحكومة العميلة هل سيسامحون المواطنين إذا حاولوا أن يستهدفونهم بالقتل .

وكمثال بسيط على سلوك الحكومة العميلة الإجرامي .. حاول الإرهابي إبراهيم الأشيقر رئيس الحكومة العميلة قتل ابن عمته أمام بيته لمجرّد أنّه نصحه نصيحة لوجه الله لكنها لم تعجب الأشيقر لأنّه يرى نفسه أكبر من كلّ العناوين ، وكانت النصيحة الانتقادية عبارة عن بعض جمل قالها ذلك الرجل وهي (( أقترح عليك يا دكتور إبراهيم أن تستخدم الآيات القرآنية أثناء أحاديثك مع الناس ومع وسائل الإعلام مثلما كان يفعل صدام حسين )) . ولم يكن ابن العمة يكمل آخر كلمة حتى وجد جسمه هدفاً لقدح العصير الذي كان بيد إبراهيم الأشيقر ، والذي  لم يكتف برمي أقربائه بالقدح بل انهال عليه بالعبارات
( الوسخة ) وأخرجه من مكتبه بطريقة (ديمقراطية) أمام زوجته وأبنائه ، وفي صباح اليوم التالي تعرّض ابن العمة لهجوم بالأسلحة الرشاشة خرج منه سالماً ( بقدرة قادر ) ولم ينتظر هذا القريب محاولة أخرى من إبراهيم الأشيقر فما كان عليه إلاّ أن يضع عائلته خلال ساعة في سيارة أجرة وتوجه إلى عمّان ولم يشعر بالأمان إلاّ عندما ركب هو وعائلته في الطيارة ليرجع من حيث أتى .. تخيلوا هذا رئيس وزراء العراق الديمقراطي الإنساني حكم على ابن عمته بالموت لأنّه نصحه .. فماذا سيفعل الأشيقر إذا أراد أن يقتله أحد ؟!

 

ملاحظات لابدّ منها :

كثر الحديث عن اجتثاث البعث ومحاكمة السيّد الرئيس ، وهنا نودّ الإشارة إلى ما يلي :

أ- اجتثاث البعث :

نقول لكلّ من يتمنى أن يقف على أطلال حزب البعث سواء أكان باجتثاثه بقانون بريمر أو بإدخاله فقرة أساسية في مسودة دستورهم الأسود أو بحملات الإبادة والاغتيالات أو بالاعتقالات والتعذيب أو بالتهجير القسري خارج العراق .

إنّ حزب البعث في العراق لم ينشأ بقانون أو قرار من أحد لكي يلغى أو يعطّل بقانون أو قرار من كائن من يكون ... وإنّ الغالبية العظمى من مناضليه انتسبوا إليه عن رغبة وإيمان وقناعة وهذا أحد أسرار قوته  وصلابته وديمومته ، ولذلك لم ولن تتمكن أيّة قوة في الأرض أن تنهي البعث أو تلغيه من الوجود بل إنّ أهمّ ميزة في البعث هي قدرته أن يخرج أقوى من كلّ محنة تفرض عليه .

إنّ أفكار البعث لم تستورد لأنّها أفكار ولدت من رحم الأمة ومن معاناتها ومن آلامها وحاجاتها وأهدافها ومستقبلها وهي استجابة علمية واعية للتاريخ ولأبعاد التجربة الحضارية للعروبة والإسلام والقيم السليمة القويمة لأبناء الأمة العربيّة .... وأفكار حزب البعث أكثر الأفكار قدرة على التعامل مع إرهاصات الأمة ومشاكلها والأنجح في حمل الأمة على تجاوز واقعها السلبي المريض والانطلاق بها نحو آفاق المستقبل .

ورغم أنّ تجارب البعث شهدت أخطاء حقيقية إلاّ أنّ ديناميكية فكر الحزب وشجاعة مناضليه قادرة على معالجتها وتجاوزها ومن هنا كان الرهان على البعث بالتفاعل والتكامل مع القوى الوطنية والقومية والإسلامية للاصطفاف بخندق واحد لتجاوز محنة العراق وتحريره والشروع بالمسيرة الجديدة إن شاء الله .

ب- محاكمة السيّد الرئيس :

إنّنا عندما نرفض مهزلة المحاكمة لا ننطلق من موقف عبثي منحاز لشخص السيّد الرئيس بل لأنّنا كعراقيين وعرب ومسلمين تربينا على الخلق الكريم والمبادئ والوفاء والشرف وليس من شيمة العراقي الوطني النزيه أن يقبل بأن يمتهن رئيس جمهوريته لأنّ الإساءة والمسّ برئيس العراق الشرعي هو مسّ بكرامة وأخلاق ونزاهة كلّ الشعب العراقي ولذلك فإنّنا عندما ندافع عن السيّد الرئيس لا ندافع عنه كشخص بل لأنّه رمز لبلدنا وهو إن أخطأ فلا يوجد إنسان معصوم عن الخطأ وإذا كان لدى بعض العراقيين ملاحظة هنا أو هناك ( يجب أن لا تهمل ) إلاّ أنّ هذا لا يبرّر لنا أن نسمح لدولة احتلت بلادنا بدون وجه حقّ واستباحت شرفنا ومقدساتنا وقتلت أبناءنا وسرقت ثرواتنا ثمّ تأسر رئيس جمهوريتنا وأن تحاكمه على ممارسات يقوم كلّ رؤساء دول العالم يومياً فإن طالب البعض محاكمة الرئيس صدام فعلى أغلب شعوب الأرض أن تعدم رؤسائها بدون محاكمة جراء ما يرتكبوه من جرائم بحقّ شعوبهم وأولهم  بوش وبلير .

تمّ تحت أيّ عنوان تتدخل إيران وتقدم ملفاتها ضدّ رئيس العراق الشرعي وكلّ العالم يعرف أنّها هي من بدأت العدوان على العراق وأنّ رموزها هم من يجب أن يحاكموا دولياً على جرائمهم التي لم تتوقف ضدّ العراق ؟!

ومن هنا تقتضي الوطنية والشهامة العراقيّة الأصيلة أن لا نندفع في مواقف تشفي غليل أعدائنا وتحقق أحلامهم ، فليس من مصلحة قضية العراق أن نوجه جهودنا ضدّ بعضنا ، بل إنّ الحكمة كلّ الحكمة والعقل يوجبان علينا أن نوجه كلّ ما مكّننا الله سبحانه وتعالى من قدرات نحو أعداء بلدنا المحتلين وعملائهم وليس أيّ اتجاه آخر يفتتنا ويضعفنا إن كنا وطنيين صادقين .

عن شبكة البصرة

 

إلى صفحة مقالات وأراء 2