26/11/2005

 

ليس عربياً من يدير ظهره لسوريا

بقلم: فهد الريماوي/رئيس تحرير صحيفة المجد الأردنية

ليس وطنياً يستحق شرف الانتماء إلى هذا الوطن، وليس عربياً يستأهل مجد الانتساب إلى هذه الأمة، وليس مؤمناً يتحلى بطهر المعتقدات الإسلامية والمسيحية، وليس شجاعاً يتميز بعنفوان الشجاعة الأدبية والمواقف الرجولية، وليس محترماً تليق به آيات التكريم والتعظيم والاحترام.. كل عربي يتقاعس هذا الأوان عن نصرة سوريا علناً ودون خجل أو وجل، ويمتنع عن الوقوف إلى جانب شعبها وقيادتها دون تردد أو تحسب أو ترقب، مهما بلغت خلافاته معها او انتقاداته لأدائها السياسي في الداخل والخارج.

فسوريا التي تقف اليوم في "بوز المدفع" الصهيوني - الصليبي، وتصمد في وجه أشرس حملات العداء الأمريكي - الفرنسي، وتفتقد تعاطف الأنظمة العربية الدائرة في فلك الامبريالية بفعل الترغيب أو الترهيب، وتعاني أشد العناء من تكالب الأقلام والفضائيات المأجورة والموتورة والمدججة بأموال النفط.. تستحق بكل جدارة واحترام وقوف شرفاء الأمة العربية كافة إلى جانبها بشكل حاسم وصريح يكشف للأعداء المتربصين بكل وضوح، أنها ليست وحيدة أو معزولة، وأن الاستفراد بها ليس سهلاً أو ميسوراً، وأن تكرار التجربة العراقية معها ضرب من المستحيل، ومقامرة فاشلة سلفاً.

وليس من شك إن الانحياز الشعبي العربي لسوريا هو انحياز للذات، وانتماء للمبادئ، واختيار للنضال، وانتصار للحق، وتجسيد لكل معاني الشرف والفضيلة والكبرياء القومي، نظراً لأن سوريا تمثل اليوم آخر تجليات الضمير القومي، وآخر قلاع العروبة الصامدة، وآخر أصوات الرفض والممانعة والاستبسال في مواجهة التحالف الصليبي – الصهيوني.

أكثر من هذا، فأن سوريا تشكل اليوم - بصرف النظر عن أية سلبيات وأخطاء - مسطرة القياس، وبوصلة الاتجاه، ودائرة الاختبار، لمواقف سائر أبناء العروبة في كامل الأقطار والأمصار.. فالمنحازون لسوريا هم الأحرار والشرفاء والوطنيون والرجال الرجال، أما المنحازون لأعدائها فهم الجبناء والعملاء والحاقدون والأنذال.. وإلا فكيف يمكن أن نفهم مواقف الزمر الضالة التي تناصر أمريكا وفرنسا و"اسرائيل"، وتستقوي بها على بلد شقيق وعزيز لا ذنب له سوى التمسك باستقلاله وحقوقه، والالتزام بقضية فلسطين، والاعتراض على احتلال العراق، والتعاطف مع (حماس) و(الجهاد) و"حزب الله"، والدعوة للوحدة والحرية والاشتراكية، ورفض الإذعان للمشيئة الأمريكية أو المصالحة مع الكيان الصهيوني؟؟

في هذا الظرف العصيب، لا مكان للتلاوم والمماحكة والاختلاف، ولا مجال لتصفية الحسابات القديمة والثارات البائتة.. فبعد مأساة العراق التي تطالعنا كل يوم، والتي انطلقت من مزاعم القبور الجماعية وأسلحة الدمار الشامل، لم تعد أحابيل أمريكا، وأباطيل أوروبا، وأضاليل "اسرائيل"، تنطلي على أصغر طفل عربي، أو تنطوي على أي قدر من المصداقية.. فاللعب الآن على المكشوف، والفرز الآن على أشده، فإما التمترس في الخندق السوري الصامد والمستهدف، وإما الوقوف في صف الغزاة المعتدين.. ولا خيار آخر.

باسم "تحرير الكويت" جرى تدمير العراق، وباسم تحرير لبنان يراد تدمير سوريا.. باسم القبور الجماعية تم إسقاط الرئيس صدام وأسره ومحاكمته، وباسم اغتيال الحريري يراد محاصرة ومحاكمة الرئيس بشار، حتى إن كلباً (يـ..دياً) من فصيلة "بوليتون" قد تجاوز حدوده، وتجرأ على أسياده، حين دعا بوقاحة سافرة إلى التحقيق مع شخص الرئيس السوري في جريمة اغتيال الحريري.. ناسياً أو متناسياً فضائح إدارته البوشية الجمهورية التي تزكم الأنوف، بدءاً من "كارل روف" مستشار بوش الأول، ومروراً بـ "لويس ليبي" مدير مكتب تشيني، وانتهاء بالسناتور "بيل فريست" رئيس الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ.

باسم المرونة الدبلوماسية، وسد الذرائع الأمريكية، وتفويت الفرصة على المتربصين والمتشككين، تقاطرت على الرئيس صدام "نصائح" الزعماء والخبراء العرب التي تحضه على إبداء حسن النية، وتسهيل مهمات المفتشين الدوليين، وتبيان خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل.. غير أن هذه "النصائح" قد أدت في واقع الأمر إلى عكس أهدافها المعلنة، فبدل أن يؤدي كشف الحقيقة إلى إلغاء العدوان الأمريكي المبيت، أدى إلى تسريعه وتشجيعه بعد أن أيقنت إدارة بوش وقيادة البنتاغون، أن الحرب على العراق الخالي من الأسلحة الفتاكة، لن تكون مكلفة أو مطولة.

هذا الأوان انطلق نفس الزعماء والخبراء العرب بنصائحهم إياها نحو الرئيس بشار، وسارعوا إلى دعوته للتعاون مع المحقق المشبوه ميلس، وتسليم أركان حكمه المشتبه بهم إلى محكمة دولية ينادي بقيامها جاك شيراك وسعد الحريري، وطرد قادة الفصائل الفلسطينية من سوريا ثم تجريد "حزب الله" من سلاحه ثم غض الطرف عن الجولان المحتل·· وذلك مقابل نيل رضا أمريكا التي تملك وحدها حق التنازل عن دم الحريري وثأره.

غير أن زمن أوّل قد حوّل، فالرئيس السوري الذي رأى بأم عينه ما حل بزميله الرئيس العراقي، جراء استجابته لتلك النصائح المسمومة والملغومة، لن يكرر تلك التجربة، ولن تنطلي عليه تلك الخديعة.. خصوصاً وأن الحقيقة في الاعتبار الأمريكي لا تساوي شيئاً، والبراءة في العرف الأمريكي لا محل لها من الإعراب.. فالمهم في المعيار البراغماتي ليس معرفة الحقيقة المجردة بل توظيفها لحساب المصالح الأميركية، وليس التثبت من براءة سوريا بل طمسها لخدمة المخططات الصهيونية، وليس الأخذ بثأر الحريري المغدور بل دق إسفين تاريخي وجغرافي سميك بين سوريا ولبنان.

تعرف أمريكا يقيناً أن سوريا لم تقتل الحريري، وأن الفاعل الذي اقترف هذه الجريمة قد استثمر بدهاء شديد خلاف الحريري مع سوريا حول التمديد للرئيس إميل لحود، فضرب ضربته لكي تتوجه أصابع الاتهام مباشرة نحو سوريا، تاركاً لأطراف أخرى أهمها المحقق ميلس تحويل الاتهام إلى إدانة كاملة، وتوظيف العملية لحساب المصالح والمخططات الأمريكية والفرنسية والصهيونية.

تعرف أمريكا يقيناً أن الأجهزة الأمنية السورية التي دأبت على وصفها بالقوية والجبارة، لو أرادت اغتيال الحريري لما احتاجت إلى كل هذا الطابور الطويل العريض من القيادات والعناصر والأسماء السورية واللبنانية والفلسطينية لانجاز هذه المهمة.. إذ يكفي دس كمية صغيرة من السم الذي لا يترك أثراً، في فنجان شاي بالنعناع، أو قهوة بالهيل، يتم تقديمه للحريري على سبيل الضيافة، خلال إحدى زياراته المتكررة إلى دمشق أو عنجر.. وذلك شأن ما فعلت "اسرائيل" بالأمس مع الرئيس ياسر عرفات الذي تدرك الدنيا بأسرها أنه قد قضى مسموماً، ولكن بغير إثبات طبي على ذلك حتى الآن.

يعرف ميلس أن فاروق الشرع لم يحاول تضليل التحقيق، ولكنه أراد من وراء هذا الافتراء، هز مصداقية الدبلوماسية السورية، وتصغير مكانة الشرع في المحافل الدولية.. ويعرف ميلس أن القادة الأمنيين السوريين الكبار الذين وضعهم في دائرة الاشتباه، ليس لهم علاقة تخطيطية أو تنفيذية بجريمة الاغتيال، غير أنه زج بأسمائهم عمداً وقصداً لغرض سيكولوجي خبيث يتمثل في كسر شوكتهم وتقليل هيبتهم، وتشويه سمعتهم، وهز ثقتهم بأنفسهم، وتجريء الناس عليهم، وجعلهم مضغة تلوكها أفواه الجميع وتشرشحها سائر وسائل الإعلام.. وذلك على سبيل التمهيد للخطوة الأمريكية المقبلة والمتمثلة في محاولة نشر الفوضى، وزعزعة الاستقرار في البيت السوري.

أما مجلس الأمن الذي أهان نفسه حين تقبل تقرير ميلس على علاته الواضحة، فقد وجه من خلال قراره رقم 1636 رسالة عدائية لسوريا، ولكن دون تهديدات عسكرية، أو عقوبات اقتصادية.. الأمر الذي قد يشكل "اضعف الإيمان" في مواجهة الحملة الأمريكية - الفرنسية - الانجليزية الشرسة التي خفف من غلوائها الموقف الروسي المعاكس والشجاع.

وعليه وكي لا نطيل.. فالرئيس بشار الذي يشتري الوقت بأغلى الأثمان، ويدير معركته بأعلى درجات الحنكة والمداورة والاقتدار، لن يسلم رجالات حكمه لأي طرف خارجي، ولن يسمح بالتعاون مع لجنة ميلس إلا عبر القوانين واللجان القضائية السورية، ولن يفك تحالفاته أو يغير ثوابته وقناعاته تحت كل الظروف والضغوط.. وان غداً لناظره قريب.

 

إلى صفحة مقالات وأراء 2