02/11/2005

 

من يصلح كمبيوتر محاكمة صدام!!

 

بقلم :أميـر سعيـد

amirsaid@gawab.com

 

يحق لنا ألا ننزعج إذا ما أطاح عطب بالكمبيوتر بمقال كنا نكتبه أو بحثاً كنا نجريه, فإن هذا الأمر مما قد عمت به البلوى حتى أصاب جهاز كمبيوتر جابت شهرته الآفاق, وهو ذاك الذي كان من المفترض أن يبث من خلاله القرص الخاص بأدلة افتراضية تدين الرئيس السابق صدام حسين في المحكمة التي جرت وقائعها منذ ساعات, والذي خذل ممثل الإدعاء في المحكمة فلم ينطق شاهداً على الرئيس السجين في موقف نادر ذكرنا بطرفة جحا مع السلطان قبل قرون!!

لابد أن نجد في العطل الفني هذا سلواناً لما يصيبنا من ضيق صدر إذا ما أحرجنا الكمبيوتر وخذلنا في أمس الأوقات حاجة إليه, فكمبيوتر المحكمة كان شاهداً على أن هذه الأعطال لا ينجو منها أحد ولو كان جهة كبيرة وممتدة العلاقات والمصالح من طهران إلى واشنطن مروراً ببغداد ولندن تريد أن تجد في محاكمة صدام حسين عنواناً لعدالة المبررات التي سيقت لغزو العراق وسبيلاً لتفهم كنه هذا التحالف الذي قطع أوصال العراق.

كمبيوتر المحكمة لم يكن إلا أحد أمارات الاهتزاز في الإجراءات التي ترافقت مع المحاكمة العالمية الأشهر في هذا القرن لحد الآن, فكثير من الإجراءات لم يرق لأي قدر من التنظيم الذي يكفل مشهداً يحظى بالتقدير ولو في فبركته أو تجييره لمصلحة النظام العراقي في بغداد أو قوى الاحتلال الغربية والإقليمية, أو في عدالته الافتراضية, وفي هذه المحاكمة بشقيها السياسي والقضائي يمكن ملاحظة عشرة أخطاء وقع فيها كلا الفريقين (السياسي والقضائي) على الأقل بالتزامن مع هذه المحاكمة :

1 ـ عدم إمكانية بث القرص ـ كما تقدم ـ في أثناء هذه الجلسة من المحاكمة والذي وشى بقلة اكتراث القائمين بتجهيز جهاز الكمبيوتر بهذا القرص كدليل افتراضي يعكس بدوره عدم اعتداد الادعاء ذاته بهذا القرص, ومن جانب آخر يشير إلى استخفاف الادعاء بعقول المراقبين والمشاهدين والمتهمين وحتى هيئة المحكمة ذاتها.

وعطفاً على ما سبق, القطع غير المبرر للبث فور سقطة الشريط بما قدح في أذهان المشاهدين أن شيئاً ما يدبر في الخفاء لتغطية هذا الموقف المحرج والعجيب.

2 ـ تسريب أجزاء من هذا الشريط لبعض الوسائل الإعلام, وقد ظهرت الصور التي توافرت لقناة العربية على نحو لم يف لصانعي الشريط بما قاد إليه مقصودهم إذ كانت الصور لا تظهر أي شيء يدين الرئيس السابق, ولا يعني ذلك بالطبع عدم تورط صدام أو عدم اشتمال الشريط الكامل على ما يدينه (وإن كان كدليل استئناسي كما أكد على ذلك صدام نفسه), وإنما فقط يدل على فشل الأجزاء المسربة في تحقيق أغراضها, لا بل منح المؤيدين لصدام حجة قوية, ومن المثير للدهشة أن تبث قناة فضائية أجزاء من الشريط في الوقت الذي يفشل فيه أصحاب الشريط الأصليون في بثه أمام جهة قضائية!

3 ـ تأخير سماع الصوت لمدة 20 دقيقة كاملة لاقت عند المشككين في أجواء المحاكمة تساوقاً مع قناعتهم تلك, فإذا كانت هذه المحكمة هي مفخرة الاحتلال الأمريكي وإحدى دلائل انعكاسات عدالته على العالم القادم إليه لاسيما من خلال الأنموذج العراقي, ألم يك من الحكمة أن تجرى المحاكمة وفقاً للنمط المعمول به في الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها, التي إذا ما سمحت ببث المحاكمات على شاشات التلفزة فإنها تسمح لشبكات التلفزة ببثها على الهواء مباشرة من دون أي تأخير كهذا التأخير الطويل جداً والمريب في آن معاً.

ولماذا يغاير النموذج الأصل الذي منه انبثق؟ وما الداعي إذن للإدعاء بأن المحاكمة ثَم علنية إذا خرجت هكذا متأخرة جداً وسمح تأخرها للتلاعب بها متى أراد القائمون على بثها؟!

4 ـ وعلى ذكر التأخير , فقد كان تأجيل موعد المحاكمة لساعات دليلاً على اضطراب من القائمين على المحاكمة, وأيضا قادح في الإعداد الجيد لمحاكمة القرن, أو دليلاً  تخوف ما من القائمين عليها يصب في ذات الخانة الاضطرابية التي بدت بها هذه المحاكمة.

5 ـ فضيحة الأوراق البيضاء التي سلمت لهيئة الدفاع بدلاً من أوراق القضية التي هي المادة الخام لأي محاكمة عادلة أظهرت جل المحاكمة في وضع بائس مخجل لا يتسق والنزاهة المفترضة في محكمة أصرت على محاكمة الرجل في بلاده وبين أبناء شعبه, واعدة بتقديم أمثولة للنزاهة والحيدة والعدالة, فإذا الأوراق في يد الدفاع بيضاء وفي يد الادعاء سوداء مثلما هي أيام عراق ما بعد الغزو, ولكم سيسمح هذا الخطأ بمن يريدون أن يصيدوا في الماء العكر والرائق على حد سواء!

6 ـ بدا جلياً التمييز حتى في منح "هبة" الميكرفونات بين الادعاء والهيئة المخولة الدفاع عن صدام حسين ومساعديه ؛ ففيما كان صوت الأول واضحاً كان صوت الآخرين ـ كما المتهمين ـ مشوشاً, وهو أيضاً ما عرض حيادية النقل الإعلامي للقدح.

7 ـ كانت المحكمة ضنينة بالوقت, تمنحه لهيئة الدفاع التي تسلمت أوراقاً فارغة للدعوى فاختزلت الشهور الثلاثة التي طلبها الدفاع لأربعين يوماً فقط, من دون أن يوجد ما يبرر عجلتها تلك لاسيما وأنها تشبه محاكمة عهد كامل أو هكذا أريد لها أن تبدو, وبالتالي فقد كان اختزال الوقت لافتاً للجميع مثلما كان ذلك داعياً إلى المقارنة ما بين محاكمة الدجيل التي استمرت عامين (1982ـ1984) وبين محاكمة الرئيس السابق المتعجلة والتي استبقتها مانشيتات الصحف العربية بأن الإعدام ـ حال الحكم به ـ سينفذ في غضون 30 يوماً فقط.

8 ـ تبرير ممثل الإدعاء لاختلاف عددي "ضحايا الدجيل" ما بين ما أكده في جلسة الاستماع إليه وما وضع بين يدي هيئة المحكمة أثار مشاعر تمزج ما بين الدهشة والسخرية لجهة استبعاد تكرر الخطأ المطبعي لمرات كثيرة على هذا النحو, ولجهة عجز الإدعاء في تقديم صورة متكاملة عن القضية التي قيل إنها أظهر وأيسر وأكمل القضايا التي يمكن من خلالها إدانة صدام في مدة قصيرة, وهو ما حدا بالأستاذ بديع عزت القيادي السابق في البعث للتشديد على ضرورة إعادة عقد هذه الجلسة الافتتاحية مرة أخرى وتعريف المتهمين من جديد ..  إلى غير ذلك استناداً إلى تغير جوهري في القضية وهو عدد الضحايا عن العدد الذي من أجله شكلت المحاكمة بالأساس, وهو ما دعاه لأن يؤكد بأنه لا يشك بأن الرئيس بوش لا يرضى بالتأكيد عن هذا الاهتزاز.

9 ـ لعل من الأمور الطريفة التي واكبت هذه المحاكمة, هو تكرر الخطأ الذي وقع فيه ليث كبة الناطق باسم الحكومة العراقية بعد المحاكمة أيضاً, فحيث تصدى زركار محمد أمين قاضي المحكمة بانفعال لممثل هيئة الدفاع عن صدام الذي أثار نقطة مهمة حول إعلان ليث كبة عن موعد المحاكمة وهو المفروض أنه حق احتكاري المحكمة ذاتها فقط, حتى إن أمين قال بلغة حاسمة (لم تظهر أثناء مرافعة الإدعاء) :"هذا بهتان"!! , إلا أن كبة قد عاود إثر المحاكمة مباشرة القول :"المحكمة بدأت بداية عادلة, وسنكمل المشوار إن شاء الله".

10 ـ تزامن بدء المحاكمة مع ذكرى مذبحة حلبجة في نفس يوم وقوعها ليلقي بظلال من الشكوك حول حيادية هذه المحكمة وقدرتها على احترام القضاء واستقلاليته والنأي به بعيداً عن المؤثرات السياسية الأخرى, إذ ليس من المقبول أن يختار هذا اليوم بالذات ليمثل عنصراً ضاغطاً من الإعلام والقوى السياسية المختلفة, وأين منها الحيادية حين يتولى قاض كردي قضية متهم هو أيضاً متهم بالضلوع في المسؤولية عن مذبحة طالت آلافاً من مواطني القاضي الكردي, وإلى أين ستهرب هيئة المحكمة من سحب المذبحة التي تظلل الأجواء وتأتي ذكراها وهم يعالجون قضية أخرى لنفس المتهم؟! 

 

وتستطيع قراءة سريعة للمحاكمة وأجوائها أن تسجل ما يلي :

•        خيبة أمل الشعب العراقي بخاصة والشعوب العربية بصفة عامة في جهود إعمار العراق ووضعه على بداية طريق التقدم من جديد مثلما كان يتبوأ هذه المنزلة قبل الحصار الذي ضربته الولايات المتحدة الأمريكية عليه قبل 14 عاماً, فخلال 30 شهراً كاملة لم تستطع الولايات المتحدة أن توفر للمحاكمة بثاً لائقاً غير مضطرب ومشوش الصوت والصورة هكذا, ولم تتمكن من توفير جهاز كمبيوتر يمكن عرض الشريط المعجز من خلاله, ولم يمكنها شراء آلة تصوير مستندات حديثة بمقدورها أن تمنح  هيئة الدفاع بواسطتها حقها القانوني في الحصول صورة مستندية لأوراق الدعوى!

•        لم تكن المحاكمة في هذا التوقيت بريئة عن لفت الأنظار بعيداً عن إشكالية الاستفتاء على الدستور التي تدخل مرحلة الحسم التي قد لا تكون بالضرورة بمنأى عن تدخلات وتأثيرات محلية طائفية وإقليمية ودولية حيث تتضافر مصالح دول عديدة وتتعاكس بغية حرف التصويت باتجاه التصويت الإيجابي أو السلبي, وحيث تحدق العيون بكاريزما صدام وأجواء محاكمته فإن مطبخ الاستفتاء يوشك أن ينهي إعداد الوجبة المسمومة للشعب العراقي.

•        وعلى الخلفية السابقة يمكن تأسيس تحليل أو تفهم حالة الاضطراب الذي بدت بها المحاكمة والتي تدعو إلى تساؤل لا وجود لإجابة عليه حول قدرة الولايات المتحدة الإعلامية العالية التي لا يجادل في حرفيتها أحد وعجزها في ذات الوقت في إخراج محاكمة تبدو متماسكة الأركان غير مهتزة على هذا النحو, وهو ما قد يدفع مفسري الأحداث بالمؤامرة باعتماد تصور تعمد الخطأ هنا لاستخدام الجدل حول المحاكمة في "تمرير" الدستور أو إيقاف اندفاعه..

•        استطاعت رغد صدام حسين أن تخطف الأضواء أكثر من المحاكمة ذاتها بتصريحاتها الثورية والقوية حول ثبات والدها وشجاعته, وجاءت كلماتها الرعدية تصف مشاعرها للعربية "سعيدة لأنني ابنة لأب شجاع أسد" "ما رأيت بعيني أروع من هذا أب ولا أشجع من هذا أب", "الصعاليك يتكلمون .. دعهم يتكلمون (مشيرة إلى تصريح مستشار الأمن القومي العراقي موفق الربيعي حول انهيار صدام في المحاكمة وتخاذله وخوفه) بعد كل هذا الأمور سيخاف, حاشاه أبا عدي", "الحكم لله وهو فوق الكل وأكبر من الكل", "الكبير يبقى كبير, والرجل يبقى رجل .. السجن ما يقلل من (قيمة) الرجل الصلب", لتأخذ المشاهدين باتجاه الجانب الإنساني في القضية بعيداً عن ملابساتها القانونية.

•        وعلى شاكلة تجويع السبع قبل النزول إلى الميدان لإظهاره حانقاً على الضحية وليس راغباً في سد جوعه فقط, كان الغرض من البدء مع صدام في إجراءات الجلسة من الساعة الثانية ليلاً وحرمانه من النوم وتأجيل المحاكمة لعدة ساعات لكي يبدو الرئيس السابق في حالة ضعف وانقطاع صفاء الذهن, وهو ما أظهره طلبه للورق من أجل تدوين ملاحظاته فيما كانت أوشكت الجلسة على الانتهاء ومن ثم تدوين ملاحظة واحدة فقط وسرعة طلبه للكلمة خشية أن ترفع الجلسة قبل أن يقول شيئاً فيها (أو هكذا بدا). وقد التقاه مستشار الأمن القومي موفق الربيعي قبل المحاكمة فجراً ـ حسبما صرح للعربية ـ من دون أن يوضح لماذا اختير هذا التوقيت بالذات للحديث معه.

•        في الأخير تبدو وزارة العدل العراقية عاجزة عن دفع الظنون الطائفية التي تخيم أجواؤها على هذه المحكمة, ما زالت حتى الآن مكبلة أيديها عن اختيار قاض سني عربي ضمن فريق المحاكمة, فقد اختير قاضي الجنايات الكردي زركار أمين لرئاسة هذه المحكمة واختير لرئاسة الهيئة الثالثة القاضي الشيعي حسين الموسوي ، ويرأس قضاة التحقيق القاضي رائد جوحي حمادي الساعدي، وترأس الادعاء العام السيد جعفر الموسوي وهو محام سابق .

ترى هل هي ذات التركيبة التوافقية للفرقاء الشركاء في آربيل والنجف؟ هل القاضي طالباني ومعه السيستاني والحكيم, والادعاء جعفري؟!

 عن دورية العراق

 

1
إلى صفحة مقالات وأراء 2