30/09/2005

بعد 35 عاماً على رحيل عبد الناصر

رسالة إلى عبد الناصر في وصف حالتنا

بقلم  : عبد الإله بلقزيز

في مثل هذا اليوم منذ 35 عاماً رحل جمال عبد الناصر بعد أن قام بآخر مهمة قومية في سلسلة معاركه المتواصلة، ألا وهي وقف نزيف الدم في الأردن في تلك الأيام الحالكة من “أيلول الأسود”.

بعد ان ودع القادة العرب واحداً واحداً، ودع أمته العربية التي اعطاها عمره وجهده وعرقه ودمه، وأعطته حباً وثقة ووفاء بلا حدود. الملايين العربية من المحيط إلى الخليج خرجت إلى الشوارع تهتف بصوت واحد هادر “وداعاً ياحبيب الملايين”، واتصل الليل بالنهار والأمة في حالة ذهول بعد ان فقدت القائد الذي اعاد اليها الأمل والكرامة والعزة، ومنحها الثقة بالقدرة على فعل المعجزات. في ذلك اليوم شعرت الامة العربية بأنها قد تيتمت، فقدت من كان يحميها ويخطو بها ومعها على طريق العزة والمجد، ويبني لها كياناً ويرسم طريق مستقبلها. الآن وبعد 35 عاماً نتذكر جمال عبد الناصر وندرك كم كان غيابه صعباً ومريراً، لأن الأحلام والآمال تنهار تباعاً.

الرسالة 

 أبا خالد،

بَعُد العهد بك عن قراءة ما كان يؤتى اليك به من رسائل وتقارير، تقرأها وتعلق عليها في الحواشي قبل ختمها أو إحالتها أو حفظها في الارشيف الرئاسي. كانت تنهمر على مكتبك يومياً: هذه من أمين هويدي أو الفريق فوزي، وتلك من شعراوي جمعة أو علي صبري، وهاتيك من هيكل أو محمد فائق أو فتحي الديب.. الخ، وسامي شرف خط الربط اليومي بينك وبين مصادر المعلومات.

استأذنك في ان أكسر هدأتك الطويلة، أبا خالد، وأستأذنك في “رفع تقرير” اليك في وصف حالتنا اليوم: بعد خمسة وثلاثين عاماً من رحيلك، ومن “يتم جماعي” عربي لم نوفق بعد في الخروج من نفقه، ومن أثقاله النفسية شديدة الوطأة علينا.

هل تعلم ما نحن فيه اليوم من سوء حال وبئس مآل؟

لقد “انتهى” الصراع العربي - “الاسرائيلي” الذي أنفقت عمرك العسكري والسياسي فيه: منذ حصار الفالوجة والى إخمادك حرائق القتال الاردني - الفلسطيني في الهزيع الاخير من نبض قلبك. لكنه ما انتهى بدحر “اسرائيل” وتحرير فلسطين، ولا حتى بتسوية سياسية “عادلة” بمقتضى القرار 242 - الذي اعترفت به مرغما - وإنما “انتهى” بتسوية قضية فلسطين على الارض وإهالة التراب على جثمانها، و”انتهى” باحتلال علم “اسرائيل” . أما السيوف، فأدخلت في أغمادها وجنح اصحابها إلى “السلم” حتى من دون ان تجنح “اسرائيل”. وها هي الاسلحة التي اقتنيت - مقتطعة من رغيف الخبز والمدارس والمستشفيات - تصدأ في مستودعاتها - ولولا قلة قليلة من ابنائك في فلسطين وجنوب لبنان والعراق نهضت بفرض الكفاية القتالي، بعد إذ ازْوَرِّت الجماعة عن النهوض بفرض العين ازوراراً، لقلنا: إن الهدنة زحفت على النفوس بعد الجبهات وخارت الهمم واستسلمت الارادات.

وانتهت التنمية الوطنية المستقلة وبرامج الرعاية الاجتماعية وذهب القطاع العام الى رحمة الله، فبيعت ممتلكات الشعب والدولة ل “القطط السمان”، وأطلق الاستخصاص “الخصخصة” قوى طفيلية متوحشة في اقتصادات البلدان العربية نمّت ثرواتها من سرقة المال العام أو من الاستثمار في الاقتصاد الموازي غير الشرعي: تجارة السلاح والمخدرات والتهريب..، وأثقل كاهل الدولة بالمديونية، فطفقت نخبها الحاكمة تسدد ديونها واقساط ديونها من جيوب الفقراء وحقوقهم في التنمية الاجتماعية تاركة اهل اليسار “اليسر” في ثرائهم الفاحش يعمهون، معفية إياهم من دفع حقوق الشعب والدولة عليهم، متعللة بما في الضرائب من إرهاق لهم قد يكفهم عن الاستثمار في البلاد. لقد خرجنا في عهدك - أبا خالد - من الاستعمار الاجنبي، وها اننا اليوم نواجه استعماراً داخليا من فئات وطبقات ليست منا، ولا تتحدث بلغتنا، ولا تهجس بهواجسنا، ولا نكاد نرى بعض كبرائها إلا في نشرات الاخبار المتلفزة!

ولقد توقف العمل طويلا بمفردة الاشتراكية، أو العدالة الاجتماعية، فخرجت من قاموس السياسات الرسمية وانسحبت من مجال التداول العمومي، فما عاد أحد يتحدث عن الفقراء أو عن حقوق الكادحين، حتى الذين كانوا على يسارك فكرياً، أمسكوا عن مديح الكادحين، بل اصاب كثيراً منهم مس من الحب لليبرالية والاقتصاد الحر بعد إعياء من طول الحديث عن الاشتراكية، وبعد ان قضى الاتحاد السوفييتي نحبه. ومقابل ما كنت تدافع عنه من حقوق للفقراء “الغلابة”، لم يعد لديهم من الحق سوى “الحق في المعاناة”، فلقد باتوا لا يستطيعون إرسال ابنائهم الى المدارس أو العلاج في المستشفيات لأن عليهم ان يدفعوا ما ليس لهم منه شيء: المال. أما العمل، فممتنع عليهم بعد إذ أقفلت المصانع وخربت الزراعة وتكدست أعداد العاطلين بالملايين، وانسدت امامهم فرص الهجرة بحثا عن الارزاق في بلاد الله الواسعة!

ثم ما تحقق من الوحدة العربية، التي بها آمنت وعليها عملت طويلاً، شيء ما خلا وحدة اجهزة الامن والاستخبارات، وما تبقى، أقطار مقفلة على بعضها كالغيتوات ولا تفتح إلا على خارج اجنبي يستبيحها. والأنكى والامرّ مما يمضّ النفس - أبا خالد - أن وحدة تلك الاقطار نفسها باتت عرضة، اليوم، الى تفتيت جديد: تارة باسم حقوق الأقليات، وتارة باسم الحكم الذاتي، وطوراً باسم الفيدرالية.

ولقد نشأ جيل سياسي ثالث من الكيانيين العرب غير جيلك الذي قدَّس الوحدة، وغير الجيل “الثاني” الذي قدَّس الدولة الاقليمية “الوطنية أو القطرية”، إنه الجيل الذي يقدس اليوم الدولة العصبوية “أو دويلات العصبيات والطوائف والمذاهب”: جيل “الفيدراليين” الذي ابتذل معنى الفيدرالية حين زج بفكرتها في فضاء ليس فضاءها: عنيت به فضاء الملل والنحل! فمسخ الفيدرالية (الديمقراطية) كما مسخ من سبقه معنى الحداثة والاشتراكية والقومية.

لقد غادرتنا واقطارنا حرة مستقلة، وها هو الاستعمار يعود اليها اليوم بالغزو الكولونيالي العنيف (كما في العراق) او بزرع القواعد العسكرية في الكثير من بلاد العرب، او بادارة شؤون دولها وحكوماتها من سفراء الدول الكبرى وقناصلها في عواصمنا!

لقد تحولت حركة التحرر الوطني، التي أجزلت لها الدعم والسند، وفتحت لرجالاتها بوابات القاهرة، حركات “ارهابية” ملاحقة من الاستخبارات الامريكية والاوروبية شأنها شأن حركات التطرف الاخرى - من دون تمييز بينها! - بل ان اجهزة استخبارات عربية تقدم مساهمتها في تزويد صديقتها الغربية بالمعلومات عنها، ومعظمها لا تعرفه - أبا خالد - مثل “حماس”  و”الجهاد الاسلامي” و”حزب الله” والمقاومة الوطنية العراقية، “والجيش الجمهوري الايرلندي” و”مجاهدي خلق” و”حزب العمال الكردستاني”..

أما حركة عدم الانحياز وفكرة الحياد الايجابي التي كنت من بناتها ومؤسسيها الكبار، فآلتا الى أشد ما يكون عليه الانحياز الى سياسة الدولة العظمى الوحيدة في العالم، ولولا ان رفاقك الصينيين والكوبيين الأباة (وقد انضم إليهم طيب الذكر الفنزويلي هوغو شافيز: الذي لا تعرفه، لكنه معجب بك جدا كما يقول) ظلوا مستمسكين باستقلالية قرارهم والدفاع الثابت عن ديارهم، لتوحد العالم الثالث كله وراء أمريكا!

وبعد،

ما كان سرك لو عشت حتى هذا الزمان أبا خالد، رحلت في عزك ورحل العز معك. اما نحن، فعلينا ان نتحمل كثيرا: القمع والقهر والفقر والحرمان والاحتلال، وان نتماسك ونحن نعاين فصولا من اقتلاع العروبة في العراق او شتمها على مذبح “الارز” في لبنان، فلقد قتلتنا الردة.. قتلتنا ان الواحد منا يحمل في الداخل ضده (يقول مظفر النواب) ما أبعد المسافة بين زمن كنت فيه وكان، وزمن نحن فيه الآن.

كأنك لم تكن فينا قبل عقود قليلة، كأنك كنت فينا قبل مئات السنين

إلى صفحة مقالات وأراء