29/11/2005

 

رجل .. رفع هامات الأمة

 

بقلم :شعبان عبدالرحمن

 

تمر ذكرى استشهاد الرجل كل عام مروراً عابراً دون الاهتمام والتقدير اللذين يليقان بمكانته.. ولو أن هناك عقولاً تتدبر حال الأمة الذي بلغ منها الهوان مبلغه على أيدي يهود.. لوقفت لذكرى هذا الرجل احتراماً.. الزعماء قبل الشعوب.

 

ولو أن هناك من يحرص على حراسة ذاكرة الأمة بانتصاراتها المجيدة وأبطالها الذين حفروا بدمائهم تاريخاً ناصعاً.. لأصبح يوم التاسع عشر من نوفمبر كل عام عيداً قومياً يجتمع حوله العرب ليكون من الأيام النادرة التي تجمعهم بعد أن فرقتهم الأهواء .. لكن يبدو أنني أحلم حلماً بعيداً.. فالرجل نفسه لو كان حياً لكان على رأس المطلوبين من أنظمة عربية كثيرة إرضاء لليهود، ولتم تصنيفه على رأس قائمة الإرهاب لأنه هو الذي غرس بذرة الجهاد على أرض فلسطين ضد المشروع الاستعماري الصهيوني.. ومن يومها ترعرعت البذرة حتى صارت اليوم شجرة باسقة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. وصارت مستعصية على الاقتلاع.

 

ففي مثل هذا اليوم.. التاسع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1935م استشهد الشيخ المجاهد عزالدين القسام وهو ممسك بسلاحه ووسط إخوانه يقاوم الاحتلال الغاصب بجسارة منقطعة النظير .. بينما كانت بعض الحكومات العربية تشارك في حراسة المشروع وتخذّل عنه وتسارع للدخول في هدنة تلو الهدنة حتى اليوم.

 

بين الحين والآخر أتوقف كثيراً أمام شخصية الرجل، كلما سمعت اسم «كتائب الشهيد عزالدين القسام» وأعيد قراءة سطور حياته الناصعة فأخلص إلى نتيجة واحدة وهي: إن الإيمان بالله سبحانه وتعالى مع العلم من منابعه الصافية النقية مع العمل المخلص لله يصنع رجالاً يعدلون أمماً.. بهم يحيي الله موات أقوام، ويبعث فيهم همة وجسارة وإقداماً، وبهم ينعدل ميزان الحق والقسطاس وبهم تتحرر الأوطان وتصان الأعراض.. وترتفع رايات الإسلام خفاقة.

 

الرجل كان عالماً ورعاً من علماء سورية «من مواليد قرية جبلة» وداعية من دعاة الإسلام الذين تهتز لهم القلوب قبل المنابر.. كان عالماً عاملاً، وكان من قواد الثورة على الاستعمار الفرنسي، وعندما طارده الاستعمار الفرنسي في سورية غادرها في مطلع عشرينيات القرن الماضي مع شقيقه إلى مدينة «حيفا» في فلسطين وهناك اتخذ من المسجد الكبير مقراً يلقي فيه دروسه اليومية التي تركزت على مشروعية الجهاد في سبيل تخليص الأوطان من الاحتلال، وإعلام المسلمين بأن الجهاد العملي والقتال الصادق هو خير منطق يجابه الأعداء الذين يهاجمون أرضنا ويدنسون مقدساتنا.

 

ومن هذه الدروس انتقى تلامذته من الشباب والرجال الذين كانوا يلتفون حوله ويتفاعلون مع دروسه وكلماته، وكوَّن أول كتيبة للجهاد عرفتها أرض فلسطين. وانطلق في أوائل عام 1935م من المثلث العربي «جنين ـ نابلس ـ طولكرم» ومن هذا المثلث انطلقت أول شرارة للجهاد ومنه سرت روح الجهاد إلى أنحاء فلسطين، لكن قوات الاحتلال الإنجليزي ومعها الصهاينة سارعوا إلى إطفاء جذوة تلك الشرارة، فحاصروا الشيخ ومعه إخوانه المجاهدين في غابة «يعبد» بمنطقة جنين.. ودارت معركة فاصلة استشهد فيها الشيخ يوم 25 تشرين الثاني/نوفمبر 1935م..

 

وذهب القسام إلى ربه شهيداً بعد عام إلا قليلاً من الجهاد، وظن اليهود أنه تم وأد شرارة الجهاد في مهدها، لكن قطرات الدماء التي تفجرت من جسده الطاهر روت أرض «جنين» وسرت من تحت الأرض لتنبت شجرة الجهاد الصلبة وتحولت شرارتها إلى نيران تحرق العدو كل يوم..

 

لقد استشهد عزالدين في عام 1935م فأشعل استشهاده الثورة الكبرى في عام 1936م التي استمرت ثلاث سنوات ولم يطفئها إلا نداء الزعماء العرب الذين انخدعوا بوعود بريطانيا.

 

واستشهد عزالدين عام 1935م لتولد من جديد عام 1987م بنفس الاسم «كتائب الشهيد عزالدين القسام» .. التي عدلت الميزان.. ميزان القوة.. وميزان الرعب مع عدو لا تجدي معه إلا القوة.. ولا يرغمه على الاعتراف بحق إلا الرعب.

 

ألا يستحق الشهيد عزالدين القسام تكريماً يليق به؟! يكفي الرجل أن من يعرف قدره ـ وهم يتكاثرون مع مرور السنين ـ ينزله منزله مردداً قول شاعرنا فؤاد الخطيب:

1

 

 

إلى صفحة مقالات وأراء2