28/12/2005

 

ثالوث الإنجيلية الأمريكية: التنصير والتجسس والاحتلال

 

بقلم:حسن السرات

   - كاتب مغربي -

 

أشهر الوعاظ في "العالم الحر" هم آل غراهام. ظل بيلي المستشار الروحي لخمسة رؤساء أمريكيين، وهو الذي يقال إن الرئيس الحالي جورج بوش الابن تاب واستقام على يديه. حاليا يسير ولده فرانكلين جمعية للمبشرين المرافقين للقوات الأمريكية الغازية للعراق. تختفي وراء هذه الأسرة منظمة عسكرية دينية أنشئت لتخوض من قبل الحرب الباردة وتدعم المسيحية ضد الشيوعية الملحدة، وتستعمل اليوم ضد الإسلام.

 

كان بيلي غراهام، هو الواعظ الأول والدؤوب الخاص بالرؤساء الجمهوريين: إيزنهاور ونيكسون وفورد وريغان وبوش الأب. واليوم يوجد فرانكلين غراهام الابن، واعظ البنتاغون والواعظ الخاص بالوراثة للرئيس بوش الابن.

القس بيلي غراهام رجل معروف مألوف بين آل بوش، يقضي أحيانا كثيرة إجازاته في إقامتهم الصيفية "كينيبنكبورت". هناك، وفي عام 1986، ارتبط هذا "الراهب" بجورج بوش الذي كان يعاني من الإدمان على الخمر والمخدرات وآفات أخرى. لم يكن بمقدور القس أن يمنع نفسه من اعتبار بوش الصغير مثل ولده البيولوجي فرانكلين الذي كان هو الآخر "ضالا" طريق النزق والعربدة. يقال إن بيلي استطاع أن ينفذ إلى قلب الشاب بوش ويجعله محلا لمحبة الله. كبرت كلمة القس غراهام في نفس بوش، وفجأة قرر الخروج بين عشية وضحاها من حاله السيء ويتخلى عن الخمر والكوكايين ويتوجه إلى الرب والمسيح المخلص. هذه الصورة هي التي ظل يروجها المستشارون الإعلاميون لبوش طيلة حملته الانتخابية الرئاسية.

ذلك ما يجعلنا نفهم لماذا عين بوش فرانكلين غراهام واعظا يترأس الصلاة العامة في حفل الافتتاح بمجرد أن اختير ليكون الرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا أيضا نفهم لماذا اختارت إدارة بوش الجمعية التبشيرية "ساماريتانز بورس" لتنشط بالعراق المحتل وتحمل إلى العراقيين "الإيمان" من جديد.

 

حتى تؤمنوا بالملة

 

""ساماريتانز بورس" أنشئت عام 1970، وهي "منظمة مسيحية تسعى لنشر الكلمة الطيبة للمسيح المخلص، عن طريق توزيع الأناجيل وتقديم المساعدات للفقراء والمحرومين".

ويوجد مقر هذه المنظمة الدولية في بوون بولاية كارولينا الشمالية. ولها ميزانية حالية تصل إلى 200 مليون دولار ولها فروع ببلدان كندا وأستراليا وأنجلترا وهولندا وكينيا. وتعلن أنها تقدم "يد المساعدة" لأكثر من مئة بلد في العالم.

ورغم أن التمييز على أساس الجنس واللون والعمر والحالة المدنية والعجز والانتماء العرقي، وغير ذلك، كله ممنوع في العمل المهني، إلا أن قانون الولايات المتحدة يبيحها لأغراض دينية. فمن المشروع إذن في هذه المساعدات، أن تنص هذه المنظمة الإحسانية على أن يكون الراغبون في تلقي مساعداتها "مؤمنين بملتها"، وأن يؤمنوا بأن "الإنجيل هو كتاب الله الوحيد الموحى به الذي لا يأتيه الباطل"، وأن الرب خالد وواحد، وأن "المسيح المخلص هو السبيل الأوحد" ل"نجاة الضالين والمذنبين". كما أن من أركان عقيدة المنظمة الإيمان بيوم البعث للمستقيمين والمنحرفين، فالأولون لهم الحياة الأبدية، والآخرون في العذاب خالدون.

في الحقيقة، تتميز "ساماريتانز بورس" في آن واحد بأنشطتها الإحسانية، وبعقيدة عاطفية زائفة، وجميع هذا يصاحبه هم كبير بجني الأرباح. ولهذا، يتلقى القس فرانكلين غراهام، باعتباره إطارا في هذه المقاولة "تعويضا" سنويا يصل إلى 283798 دولار، دون احتساب المداخيل والأرباح الاقتصادية الأخرى المحولة إليه باعتباره "منقذا للأرواح".

وكشفت انتقادات موجهة لآل غراهام بأنهم امتنعوا عن الإفصاح عن المبلغ الحقيقي لثروتهم، وعن مداخيلهم من عملهم الديني الإنجيلي.

في عام 2002، راكمت "ساماريتانز بورس" 170225005 دولار كمداخيل، في مقابل مصاريف بلغت 166338832 دولار، بما فيها حوالي 5000000 دولار صرفت في الحملات الدعائية للحصول على تبرعات. وارتفع ربح هذه السنة إلى 3886173 دولار، وذهبت نسبة 10 بالمئة إلى جيوب فرانكلين.

في تلك السنة، بلغت الأرباح المتراكمة ل"ساماريتانز بورس" 66201651 دولار. وتعتبر الإدارة الأمريكية هذه المنظمة من الجمعيات ذات النفع العام والتي لا تسعى نحو ربح مادي، فهي إذن معفية من أداء الضرائب.

في ماي 2003، ظهر أن منظمة فرانكلين غراهام حصلت على مبلغ 4200000 دولار من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (أوسايد) كتمويلات مختلفة منذ 1988، وأنها ظلت تتلقى أكثر من ذلك لتنمية أنشطتها بالعراق.

في عام 2001، اهتمت صحيفة "نيويورك تايمز" بأنشطة "ساماريتانز بورس" بالسلفادور. ومولت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بناء مأوى لضحايا زلزال مدمر بمبلغ 202000 دولار. وحسب اليومية الأمريكية الكبرى، فقد كان مستخدمو "ساماريتانز بورس" ينظمون الصلوات قبل أن يعلموا الناس كيف ينشئون مساكن مؤقتة.

 صرحت "ساماريتانز بورس" أن نسبة مئوية صغيرة من مداخيلها تأتي من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وأن هذه الوكالة لم تدفع لها في عام 2000 سوى 3900000 دولار كمساعدات لتغطية 2.9% من 135 مليون دولار هي الميزانية العامة للجمعية الإحسانية. ودائما، حسب المنظمة الدينية، لم تتساءل "الأوسايد" أبدا عن استعمال تلك التبرعات، سواء في السلفادور أو في هندوراس أو في كوسوفو، أو في أي بلد آخر حيث تنشط فيه "ساماريتانز بورس".

 

دعم اليمين الأمريكي

 

ومع أن هذه المنظمة تنفي اشتراط تقيم المساعدة باعتناق عقائدها الدينية، أو المزج بين العمل الإحساني والعمل التبشيري، فإنها تضيف "أننا باعتبارنا منظمة إحسانية مسيحية، فإننا على استعداد دائم للاستجابة للحاجات الجسدية والروحية لكل الناس في العالم كله. ولن نمل من تكرار القول للناس الذين نشتغل معهم: إن الرب يحبكم ويعتني بأجسادكم وأرواحكم وقلوبكم". وعلى سبيل الإثارة تختم بالقول "إذا طالبتنا الحكومة الأمريكية بتعديل هويتنا المسيحية أو التخلي عنها كشرط للحصول على مساعدة مالية، فإننا سنرفض بكل أدب أي مساعدة".

منظمات مثل "ساماريتانز بورس" تتلقى الدعم والتشجيع من لدن اليمين الأمريكي المتطرف الذي يقود الحكومة الأمريكية، لاستغلال الوضع والدعاية التبشيرية الدينية. وهكذا ففي 11 يناير 2001، أعلن جيس هيلمز -رئيس اللجنة السيناتورية لشؤون العلاقات الخارجية بالكونغرس- في مقر معهد المقاولة الأمريكية، أنه ينوي "العمل مع الحكومة الأمريكية لبوش لتعويض الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بمؤسسة دولية جديدة يكون من مهامها الحصول على قروض تفضيلية مخصصة لمساعدة عمل منظمات الإغاثة الحرة والمجموعات الدينية، مثل "ساماريتانز بورس"، و"الإنقاذ الكاثوليكي" ومنظمات أخرى أيضا". وأضاف هيلمز "سوف نقوم بتقليص البيروقراطية الثقيلة على المساعدات الخارجيةوالأموال الموفرة من هذا الإجراء إلى آخر سنتيم، سوف توهب ل"كتائب القلوب" تسعى بها في مساعدة الكائنات المحتاجة في هذا العالم".

 

منصرون وغزاة

 

في عام 1982، رافقت منظمة غراهام فرانكلين مسلحة بنشاطها التبشيري العدوان الصهيوني على المخيمات الفلسطينية، ومارست نشاطها التبشيري عام 1991 بين الأكراد ، وفي أوساط الفتيات البوسنيات المسلمات اللاتي تعرضن للاغتصاب على يد القوات الصربية المسيحية المعتدية.

وفي عملية "عاصفة الصحراء" عام 1990، قال غراهام: "يجب أن نفعل كل ما في وسعنا لاستغلال الحضور العسكري الأمريكي للولايات المتحدة لنتقاسم مع الناس العقيدة والإيمان اللذين بنيت عليهما أمتنا".

في دجنبر من السنة نفسها، أرسلت "ساماريتانز بورس" 30000 علبة تحتوي على نسخ من "العهد الجديد" للرجال والنساء العاملين تحت رايتها. وهذا العمل التبشيري أثار حفيظة الجينرال نورمان شوارزكوف –قائد الحملة العسكرية يومذاك- الذي أمر بإتلاف الأناجيل لاجتناب صراعات دينية طائفية في قلب الجيش الغازي.

بعد هجمات 11 شتنبر 2001 بنيويورك وواشنطن اتهم فرانكلين غراهام دين الإسلام بالمسؤولية المعنوية والحث على الهجمات ضد أراضي الولايات المتحدة الأمريكية. وفي اليوم الأول من شهر رمضان المعظم التي تلى تلك الهجمات، قال غراهام: "الذين تفجروا ضد الأبراج لم يكونوا من "الميتوديين" ولا من "اللوثريين"(نحلتان مسيحيتان بروتستانتيتان). إنها هجمات ضد هذا بلدنا قام بها رجال يدينون بالإسلام. وإذا ما قرأت القرآن وآياته سوف ترى أنه يحض على قتل الكافرين غير المسلمين". في نهاية 2001 كان أكثر وضوحا فقال: "نحن لم نهجم على الإسلام، الإسلام هو الذي هجم علينا. رب الإسلام ليس مثل ربنا. إنه ليس ابن الله كما نؤمن به في العقيدة المسيحية أو اليهودية المسيحية. إنه رب مختلف، وأظن أن هذه ديانة سيئة جدا ومنحرفة".

"نحن نمضي حيث توجد الضرورة استجابة للحاجات"، هكذا صرح في سنة 2003 كين إسحاق، المدير الدولي لمشاريع "ساماريتانز بورس"، الموجود في بوون ن.سي. "نحن لا نرفض دعوة المسيح. نحن نؤمن بضرورة المشاركة في الاستجابة بالوقائع والكلمات"، وفق ما أضافه حين الإعلان عن إرسال مبشرين يرافقون قوات الاحتلال الأمريكي بالعراق.

في معسكر "بوشماستر" قريبا من النجف، استغل الواعظ جوش ليانون ندرة الماء الضروري لدورة المياه بالنسبة للرجال، باشتراط التعميد والتحول عن الإسلام إلى المسيحية الإنجيلية للوصول إلى البراميل الخمس مئة المراقبة، قال لأحد الصحافيين دون حياء ولا تردد: "الأمر بسيط للغاية، (المسلمون) يريدون الماء. أنا أملك هذا الماء، وهو لهم إذا قبلوا تعميدهم".

ويوم العاشر أكتوبر 2003، وجه مسؤولون بالكنائس الإنجيلية في الإكواطور رسالة مفتوحة إلى فرانكلين غراهام عقب إعلان الجمعية الإنجيلية لبيلي غراهام، التي يرأسها فرانكلين نفسه، أنها ستنظم مؤتمرا بالإكواطور عند نهاية الشهر. واستغرب القساوسة الإكواطوريون من إحجام آل غراهام عن الضغط على آل بوش للدفاع عن السلام، بدل الحرب، كما تنص على ذلك العقيدة الإنجيلية.

وإلى جانب التفصيل في الوعود الكاذبة التي قدمت لتبرير احتلال العراق، أعادت الرسالة التذكير أنه في "1992 احتفلنا بالذكرى 500 لوصول كريستوف كولومب إلى أراضينا، وانتقدنا بشدة أن تصاحب الكنيسة الكاثوليكية قوات الجيش الغازية، من أجل فرض الصليب بقوة السيف، (...) عشر سنوات بعد ذلك، هاهم الإنجيليون، وضمنهم منظمتكم "ساماريتانز بورس"، من يصل إلى العراق صحبة جيش الاحتلال".

وفي السودان، طورت "ساماريتانز بورس" أنشطتها المزدوجة الإحسانية والتبشيرية. ووفقا لما أعلنه فرانكلين غراهام على موقع الأنترنت، فقد شارك رئيس الأغلبية بالكونغرس الأمريكي بيل فورست، في الرحلات الجوية الإنسانية للمنظمة بإعطائها مضمونا سياسيا. وبلور نظرية الإدارة الأمريكية التي تحمل المسؤولية في الأزمة للحكومة السودانية، وهي أزمة لا يمكن حلها إلا بتدخل البنتاغون.

 

الواعظ الحداثي

 

ولد ويليام فرانكلين غراهام الثالث عام 1952، وهو رابع خمسة أبناء الإنجيلي بيلي غراهام. في مقال مخصص للإمبراطورية المسيحية لفرانكلين غراهام، فصل الكاتب جون شوكمان الرغبات المبكرة لفرانكلين. وتطابقا لعدة شهادات كان فرانكلين مراهقا متمردا، يدخن (وهذه عادة تطارد عدة إنجيليين)، ويعاقر الخمر ويرتكب أعمال شغب. ولذلك طرد من ثانوية "طورنو". ودون الدخول في تفاصيل حياته الرسمية المنشورة، ففي سن 22 عاما، "وبعد مرحلة تمرد وجولات عبر العالم، انتهى فرانكلين إلى تسليم حياته بين يدي المسيح المخلص"، ليقوم الطبيب بوب بييرس، مؤسس "ساماريتانز بورس"، بإرساله في مهمة تبشيرية بآسيا. "وأحس بالحاجة إلى العمل مع بؤساء الحروب والمجاعات والأمراض والكوارث الطبيعية".

في سنة 1978، عين عضوا بمجلس الإدارة في هذه المنظمة، وفي السنة التي تلتها وشهدت وفاة بييرسي رئيس المنظمة، بقي في هذا المنصب حتى يومنا هذا، أي ربع قرن بعد ذلك.

انطلاقا من سنة 1989، زاوج فرانكلين بين أنشطته كقطب في العمليات الإحسانية الدينية من جهة، ومواعظه وأنشطته الإنجيلية بتعاون مع والده.

يوم 23 شتنبر 2003، في ملعب تولسا بأوكلاهوما، كان الحاضرون يقدرون بحوالي 40000 شخص للاستماع إلى خطبته. وأثناء المهرجان، أخذ إدوارد ابنه الأصغر الكلمة، وكان قد حصل لتوه على دبلوم الأكاديمية العسكرية لويست بوينت، فألقى في الناس أن "إيمانه ساعده" طيلة تكوينه. ولكن القس فرانكلين لم يسعفه الزمان مع ابنه نيد، وهو أيضا قس، إذ شاعت في الصحف فضائحه الجنسية.

 

"الأسرة" الخفية

 

الواقع أن خليط الناس الذين يلتقي بهم آل غراهام ليس وليد الصدفة، فتلك استراتيجية يحرص على التمسك بخطواتها وتكتيكاتها. وليس آل غراهام سوى ناطقين رسميين لمنظمة عسكرية دينية سرية، أنشئت في عام 1947 من قبل أبراهام فيريد، لتطوير بديل مسيحي للشيوعية الملحدة في سياق الحرب الباردة. ورغبة في كتمان أمرها، لا تحمل المنظمة أي اسم، غير أن أعضاءها يسمونها فيما بينهم "الأسرة". المقر يوجد في إقامة فاخرة لها حديقة كبيرة ذات أشجار رائعة بالقرب من البنتاغون.

لم تكتشف "الأسرة" مؤهلات بيلي غراهام إلا في بداية سنوات 1950، لتصنع منه النجم المفضل. جمعيات كثيرة أنشئت لتنصير المسؤولين السياسيين أولا بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم بوتيرة تصاعدية في كل دول الحلف الأطلسي. والفرع الفرنسي أنشئ عام 1956 . في سنوات 1970 أنشأت "الأسرة" مركزا بالفيليبين "كوليج السفراء" حيث تلقى التكوين عدد من كبار الموظفين بالإدارة الأمريكية، وحيث "أقاموا" صلواتهم. واليوم يقود الصلاة والوعظ بهم فرانكلين غراهام. ومنذ إنشائها عام 1947، لا تظهر "الأسرة" إلا مرة واحدة في السنة، لتختفي بعدها عن الأنظار خلف نجمها الواعظ الرئاسي. وتنظم على هامش المؤتمر الدولي للبرلمانيين من جميع أنحاء العالم، غذاء صلاة ووعظ يترأسه الرئيس الأمريكي. ورغم البرودة التي يبديها الديمقراطيون مقارنة مع الجمهوريين، إلا أن أحدا منهم لم يتغيب عن اللقاء ولو مرة واحدة.

 

إلى صفحة مقالات وأراء2