20/02/2006

أيها المسلمون عليكم  بالرأس لا بالذنب


د. فيصل الفهد

أثار موضوع نشر الموضوعات التي أساءت إلى رمز الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم زوبعة كبيرة إلى درجة اختلطت فيها الأوراق بحيث لم يعد بالإمكان ( لغالبية من يعنيهم الأمر ) التفريق بين من احتجوا لأسباب إيمانية إسلامية حقيقية وبين من وظفوها لخدمة أغراض لا علاقة لها بصلب الموضوع .


إنّ وجود حسّ إسلامي نظيف بنّاء لدى عموم المسلمين أمر نعتز بـه كثيراً بل ونتمناه ونرجو أن يتحول من مجرّد مشاعر تعتمر القلوب إلى آليات عمل وممارسات تثبت حقيقة وجوهر الإيمان بالله ورسوله بالفعل لا بالقول .


إلاّ أنّ الملفت للانتباه أنّ قسماً مهماً ممن أظهروا استنكارهم واحتجاجهم الذي بلغ أشدّه في حالات استخدام العنف ضدّ السفارات الدانماركية في عدد من العواصم لم يحركوا ساكناً في حالات كثيرة لم تكن أقلّ إساءة إن لم تكن أكثر لرموز الإسلام وهذا مايجعلنا نتساءل لماذا تضخمت هذه الإساءة ؟ وأخذت كلّ هذه الأبعاد في حين مرّت الإساءات الأخرى رغم خطورتها مرور الكرام ولم يحرك أيّ من هؤلاء المحتجين ساكناً .. اللهم إلاّ إذا كان ذلك الاحتجاج في قلوب البعض وهو أضعف الإيمان .


لقد تعلمنا من خلال أسرنا ومدارسنا وقراءاتنا والتزامنا الصميمي بتعاليم ديننا السمح ما مفاده أنّ هناك ثوابت في الإسلام لا يمكن العبور عليها أو تجاوزها وإنّ الإخلال بواحد منها هو بالمحصلة إخلال بجميعها فالشرك بالله والإساءة والعبث بكتابه (القرآن الكريم ) والمسّ بشخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبسنّته كلها عناوين كبيرة هدفها تقويض الدين الإسلامي الحنيف بل وكذلك تشويه الديانات السماوية الأخرى فأعداء الإسلام ومستهدفيه هم ذاتهم أعداء المسيحية واليهوية وإذا ما أراد البعض أن يثبت مصداقيته في مجابهة أعداء العروبة والإسلام فعليه أولاً أن يشخص هوية الأعداء بوضوح تام لا أن يستخدم الألوان الرمادية كما يفعل كثيرون هذه الأيام إلى درجة خلطوا فيها الحابل بالنابل وجعلوا الفروع أساساً والأساس فروعاً وأصبح مصدر العداء صديقاً حميماً بل وإنّ من يحرّض العرب المسلمين اليوم على اتخاذ بعض المواقف ضدّ هذا الطرف أو ذاك هم ذاتهم من يخططون ومنذ قرون للإطاحة بالعرب وبالإسلام لأنّهم ببساطة لن يمحوا من ذاكرتهم اللئيمة أنّ العرب المسلمين هم من دحروا امبراطورياتهم .

إنّ الموقف الحازم مما ترتكبه بعض وسائل الإعلام في أوربا من إساءات ضدّ الإسلام مطلوب وبقوة إلاّ أنّ مثل (هذا الموقف الحازم ) لا طعم لـه ولا رائحة إن انحصر في هذه الحالات التي لا تعدو أن تكون قضية بسيطة أمام ( قم ) من الإساءات التي ارتكبت ولا تزال بحقّ العرب والمسلمين . ونسأل هنا جميع المحتجين ( ولا نذهب في الزمان بعيداً ) ماذا فعل الصهاينة في فلسطين خاصّة مقدسات المسلمين وفيها أولى القبلتين وماذا فعلوا لمن دنسوا حرمة القرآن الكريم وهي ظاهرة تتكرر يومياً في العراق منذ احتلاله وحتى اليوم .

ولماذا لم يحرك كلّ هؤلاء المحتجين ساكناً ضدّ أمريكا وبريطانيا و( إسرائيل ) وإيران ومن حالفهم وهم يرتكبون يومياً كلّ الجرائم بحقّ شعب العراق وفيه أكثر من 85% عرب مسلمين ؟
ولماذا لم يتحرك كلّ هؤلاء المحتجين أمام بعض ما نشرته وسائل الإعلام من اغتصاب للنساء والرجال والتجاوز على الحرمات في العراق . ألا تعني صور الجرائم في أبو غريب ( وهي الأبشع ) إساءة للاسلام والمسلمين ؟ وغيرها .. وغيرها التي تمارس ضدّ العراقيين كلّ ساعة !!


لقد أصبحت الممارسات المعادية لجوهر الإسلام سياسة يتبعها كلّ من يعتقد أنّ مصالحه يمكن أن تتضرر بوجود إسلام قوي ومسلمين متماسكين متوحدين قلباً وقالباً يؤمنون بالله ورسوله ويلتزمون بالقرآن الكريم وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلّم ، ومن هنا بدأنا نرى محاولات لنشر بعض الممارسات التي ما أنزل الله بها من سلطان على عباده ( الصالحين ) . والغريب في هذه الممارسات أنّها مُنعت في مركز صناعتها وتصديرها ( إيران ) في حين أنّها أصبحت جزءاً فعالاً في برامج الأحزاب والحركات العميلة والتي بدأت تستخدمها لأغراض لا علاقة لها بالإسلام أو المسلمين .

 
إنّ الموقف المبدئي الصحيح يجب أن يوجّه إلى الأسباب التي تنتج مثل هذه السلوكيات الشائنة المسيئة ليس للإسلام ورموزه العظيمة وحسب بل للإنسانية جمعاء . فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لم يكن حالة عارضة في تاريخ البشرية بل كان أهمّ ركن فيه ...... وبرسالته السماوية السمحاء طلّ فجر جديد أنعش الحياة وكرّم البشر وعزز مكانتهم وفتح الباب أمام الآفاق الرحبة لمجتمعات حلّ فيها العدل والتسامح و(الديمقراطية الحقيقية) ورأت النور على يد المسلمين بعد أن كان غالبيتهم يعيشون في ظلمات التخلّف والقهر والاستبداد والذي يجب أن يعرفه دعاة السوء والإساءة للعرب والمسلمين أنّهم لولا حضارتنا وثقافتنا وابتكاراتنا العربيّة والإسلاميّة لم يكونوا ليصلوا إلى ما وصلوا إليه . ومن هنا نوجّه الأنظار ونلفت الانتباه إلى القوى الحقيقية التي تريد أن تقلّل من شأن الإسلام والمسلمين وتحطّ من رموزهم العظيمة ( لأنّ هؤلاء العتاة الغلاة يرون في الإسلام الحقيقي عدوّهم الأول اليوم وغداً ) وهذه القوى ليست الدنمرك وإنّما هم محور الشرّ والعدوان ( الولايات المتّحدة والصهيونية والصفوية ) ولذلك .... وجب الانتباه لكي يدار الصراع وتتوجه الجهود نحو الأعداء الحقيقيين وليس ذيولهم ، فمن هي الدنمرك ومن هي شبيهاتها ؟ ونسأل الجميع أين أمريكا وإسرائيل وإيران مما يحدث من إساءات للعرب والمسلمين ؟ إنّه سؤال يحتاج وقفة معمّقة وتأمّل منطقي صادق !! فإن قطعنا الرأس فلا حياة للذنب.


إلى صفحة مقالات مثالات واراء3