15/01/2006

 

  

الخروج الأميركي غير المهين من العراق يحتاج لإطار سياسي

القوات العراقية مدد وليست بديلاً

 

 بقلم :هنري كيسنجر

ترجمة: حاتم حسين /واشنطن بوست
 

يبدو أن الإدارة الأميركية ومنتقديها قد اتفقا على أن بداية الانسحاب الأميركي من العراق سيمثل نقطة تحول جذرية. ما يختلف عليه الطرفان هو سرعة ومدى الانسحاب وما إذا كان هذا الانسحاب يجب أن يرتبط بجدول زمني أو باستراتيجية تهدف إلى تحديد شكل وملامح الأحداث.

وعلى الرغم من أن الحديث عن القضية غالباً ما يأخذ طابعاً تقنياً ، إلا أن الأمر لا يرتبط بآلية الانسحاب. فبدلا من ذلك يجب أن يتركز النقاش على النتائج التي سيتمخض عنها الأمر؛ بعبارة أخرى يجب أن يتركز الحديث عما إذا كان الانسحاب في النهاية سيُنظر إليه باعتباره تراجعاً اضطرارياً أم سيُعتبر استراتيجية اُتخذت بعناية من أجل دعم الأمن العالمي.

ومهما كانت نظرة المرء لقرار شن الحرب أو الطريقة التي تم الدخول بها في هذا الصراع أو الاستراتيجية التي تم اتباعها ـ وأنا كنت من ضمن الذين أيدوا القرار الأصلي بشن الحرب- فعلى المرء أن يكون واضحا بشأن عواقب الفشل.

فإذا كنا في حالة الانسحاب لن نترك وراءنا سوى دولة فاشلة وفوضى، فإن العواقب ستكون وخيمة وكارثية على المنطقة برمتها وعلى مكانة أميركا في العالم.

إن ظاهرة الإسلام المتشدد ليست مجرد حوادث إرهابية فردية تقع في بالي وتمتد إلى جاكرتا وتونس ونيودلهي والرياض واسطنبول والدار البيضاء ومدريد ولندن، فالأمر أشد وطأة من ذلك ويتمثل في أيديولوجية يسعى من خلالها الجناح المتشدد من الإسلاميين إلى محو العلمانية والقيم التعددية والمؤسسات الغربية في أي مكان يعيش فيه المسلمون. إن ديناميكية هذا الفكر يغذيها الاعتقاد المتمثل في أن الضحايا آخذون في التناقص ويفتقدون إلى إرادة المقاومة.

 وأي حدث يبدو أنه يؤكد تلك المعتقدات من شأنه أن يعضد من تلك الديناميكية الثورية. وإذا حدث وأن وصل نظام أصولي إلى الحكم في بغداد أو في أي من المدن الرئيسية الأخرى مثل الموصل أو البصرة، وإذا استطاع المتشددون الحصول على مساحة كبيرة من الأراضي يتدربون ويحتمون فيها أو إذا سادت الفوضى واندلعت الحرب الأهلية في أعقاب الانسحاب الأميركي، فإن المسلحين الإسلاميين سيكتسبون أرضا في أي منطقة توجد بها نسب كبيرة من الشعوب الإسلامية أو حكومات إسلامية غير أصولية.

ولن تكون هناك أي دولة يستطيع الاسلاميون الوصول إليها بمنأى عن العواقب الوخيمة التي سيتسبب فيها وجود هذا العدد الكبير من المراكز الفردية للتشدد.

إن الهزيمة ستنتقص من المصداقية الأميركية في مختلف أرجاء العالم وسيتقلص معها قدر الاحترام الذي تناله أراؤنا بشأن القضايا الإقليمية الأخرى مثل القضية الفلسطينية والمسألة الإيرانية، وسيضُعف مقدار الثقة التي تضعها الدول الكبرى مثل الصين وروسيا والدول الأوروبية واليابان في قدر المساهمة الأميركية المحتملة في حل تلك القضايا، وستختصر كذلك فترة الراحة التي تفصل بين العمليات العسكرية التي نقوم بها حتى قبل أن تنهال فوق رؤوسنا كوارث أكبر ..

إن العواقب ذات الطابع العالمي، وليست العبارات الطنانة التي تقال على الساحة الداخلية، هي التي تحدد ما إذا كانت النتائج كارثية أم لا. لقد تقدم الرئيس بوش باستراتيجية تستحق الإشادة . وتعترف تلك الاستراتيجية بأن السياسة تعززها الخبرات والتجارب.

غير أن تزايد المطالب بتحديد جدول زمني يلغي قيمة الصبر الذي يقول التاريخ إنه مطلب أساسي للتغلب على حرب العصابات.فحتى الاستراتيجيات السليمة يمكن أن تفسد إذا ما نُفذت بشكل متسرع.

تجتمع آراء الإدارة الأميركية وآراء منتقديها على الطرح المتمثل في أنه في حال تلقي القوات العراقية تدريبات مناسبة فإنها يجب أن تحل محل القوات الأميركية.

ومن ثم فإن الجدل يدور حول ما هي الوحدات العراقية التي هي على قدر من الاستعداد يمكنها من أن تحل محل القوات الأميركية.غير أن الاستراتيجية التي تقوم على استبدال العراقيين بالقوات الأميركية ربما تتمخض عن تمديد حالة الجمود غير المرضية.

وفي حال افتراض أن التدريب يجري في الإطار الزمني المحدد له وبافتراض أنه يُفرز وحدات عراقية معادلة للقوات الأميركية التي يجري استبدالها- وهو الاقتراح الذي يحوم حوله شك كبير ـ فإنني بدوري أستطيع تحدي صحة الافتراض المتمثل في أن التخفيض في عدد القوات الأميركية ينبغي أن يتم بشكل متوافق مع معدل التدريب الذي تخوضه القوات العراقية.  

إن تصميما يهدف إلى المحافظة بكل بساطة على الوضع الأمني الحالي يحمل بين طياته مخاطرة تؤكد المقولة التي تفيد بأن رجال العصابات منتصرون إن لم يكونوا منهزمين.

أما الأفضل في هذا الشأن فيتمثل في أن تضاف أول دفعة عراقية مدربة بشكل كامل إلى قوات التحالف ولا تحل محلها، وهو ما يجعل من الممكن مد القوات في اتجاه الحدود من أجل الحد من عمليات التسلل وكذلك من أجل زيادة فعالية عمليات الهجوم على البنية التحتية لقوات التمرد.

إن مثل تلك الاستراتيجية من شأنها تعويض النقص في القوات البرية ، وهو النقص الذي يُبطئ العمليات المضادة لأنشطة رجال العصابات.

وعلى الرغم من أنها تبدو وكأنها ستتطلب وقتاً طويلا، إلا أن تلك الاستراتيجية ستقدم فرصا أفضل لإشاعة الاستقرار في البلاد ومن ثم فإنها ستُمهد إلى سبيل خروج يمكن الاعتماد عليه بشكل أكبر.

و لا يمكن قياس أداء الوحدات الجديدة من خلال معيار التدريب وحده؛ فالمعيار النهائي هو إلى أي مدى وصل دافع تلك الوحدات فيما يخص الأهداف المتفق عليها. فالهدف الذي يقاتلون من أجله هو الذي سيحدد مدى الكفاءة التي سيحاربون بها.

إن أمر وضع إستراتيجية مجدية للانسحاب من العراق يجب أن ينبثق من تكامل نظامي بين العناصر الأمنية والسياسية، وأهم عنصر في هذا الشأن هو تقوية الحكومة الوطنية. فالتقدم الحقيقي سيحدث عندما تُدرك القوات المسلحة العراقية ـ وكذلك يُدرك الشعب بأكمله ـ أنها تدافع عن مصلحة الوطن وليس عن مصالح إقليمية وطائفية.

إن تلك القوات ستمثل قوة وطنية عندما تتمكن من نقل المعركة إلى المناطق السنية ويكون لديها استعداد لنزع سلاح الميليشيات في المناطق الشيعية التي جاءت منها معظم عناصرها.

أما منح القادة العسكريين تفويضا يحددون بموجبه الجدول الزمني للانسحاب فهو أمر يمثل عبئاً كبيراً عليهم لا يطيقونه. فوجهات نظر هؤلاء حول الموقف الأمني تحتاج إلى أن تتكامل مع الأحكام الخاصة بالعواقب السياسية والكلية التي من شأن أي مبادرة كبرى أن تتمخض عنها.

مثل هذا التوازن في الآراء يفترض على نحو مسبق أن تتبنى الأطراف الموجودة داخل النقاش المحلي حول القضية ضبطا للنفس يفرضه علينا ذلك الوعي بخطورة العواقب التي سيتمخض عنها أي فشل يمكن أن يحدث.

إن الأثر النفسي للانسحاب والذي سينال أول ما ينال من النسيج السياسي العراقي سيكون خطيراً. فهل سيُنظر إلى التخفيض المبدئي، المقرر أن يبدأ في وقت ما بعد الانتخابات العراقية، باعتباره خطوة أولى نحو عملية شاقة من الانسحاب السريع والكامل؟ أم أنه سيُرى باعتباره مرحلة من عملية متفق عليها تعتمد على تقدم أمني وسياسي ملموس وواضح المعالم؟

في حال حدوث الافتراض الأول، فإن الأحزاب السياسية في العراق ستناور من أجل حماية أصولها المباشرة استعدادا إلى اختبار القوة المتوقع بين الجماعات المختلفة.

وسيتقلص الحافز الخاص بالتفكير في الاقتراحات المفضلة لدى الأميركان والمتعلقة بتشكيل حكومة علمانية تضم مختلف الأطراف في إطار رؤية عراق موحد.

وسيكون من الصعب توسيع قاعدة حكومة في الوقت الذي تدرك فيه تلك الحكومة أنها تفقد دعامتها العسكرية الرئيسية. وفي تلك الظروف، فإنه حتى خيار الانسحاب المحدود غير المرتبط بجدول زمني محدد والذي يهدف إلى تهدئة الرأي العام الأميركي ـ هذا الخيار يمكن أن يكون له أثر عكسي.

و إذا كان لنا في تجربة فيتنام أسوة حسنة، فإن أعداد القوات العائدة يمكن في تلك الأجواء أن تكون هي الاختبار المحلي الرئيسي لمدى نجاح السياسة الأميركية. ويمكن أن تتضاعف الضغوط الهادفة إلى مواصلة وزيادة سرعة الانسحاب بدرجة يمكن أن يضيع معها المعيار السياسي للتقدم . إن عملية تقودها معايير محلية أو تقنية يمكن أن تثير منافسة بين الأحزاب العراقية على تحقيق قبول وطني لتسريع الانسحاب الأميركي وذلك ربما عن طريق الانقلاب علينا سياسيا أو عن طريق ميليشياتهم .

لقد تدخلت الولايات المتحدة في العراق من أجل حماية أمن المنطقة وأمنها هي أيضا. ولكنها لا تستطيع أن تُنهي تلك العملية من دون أن توفر لهذا الإنهاء إجماعا دوليا . إن الحقائق الجيوسياسية لن تختفي من منطقة عاشت مع تلك الحقائق وعانت منها طيلة آلاف من السنوات ، وهي الحقائق التي أتت بالقوات الأميركية إلى ما مرت به من مشكلات في لبنان في الخمسينات والثمانينات وفي أفغانستان في 2001 وفي منطقة الخليج في 1991 و،2003 .

وهي أيضا التي تسببت في صدور تحذيرين عسكريين أميركيين بشأن الغزو السوري للأردن في 1970 وحرب 1973 بين العرب وإسرائيل . ستستمر الخلافات العقائدية والخصومات بين الأحزاب في العراق . وسينشأ نظام إقليمي في ذلك البلد بشكل أو بآخر من خلال تفاعلنا نحن إما مع تلك القوى أو من خلال غيابنا عن المسرح .

وفي هذا السياق يجب على الأميركيين تقبل تلك الحقيقة التي تفيد بأن بلادهم لا يمكنها أن تقوم بانسحاب سياسي كامل وذلك على الرغم من أن حجم ومكان الوجود العسكري سيختلفان . وسيتطلب الأمر دائما تكامل الأهداف السياسية والأمنية معا إذا كانت هناك رغبة في تفادي سيطرة الدول المتشددة على الموقف .

يجب منح الدول التي لها علاقة بأمن العراق واستقراره أو التي تعتقد أن أمنها واستقرارها سيتأثران بالترتيبات الناشئة- يجب منحها قدراً من المشاركة في السياسة العراقية خلال المرحلة المقبلة.

وثمة حاجة إلى إعادة بناء المؤسسات السياسية الناشئة في العراق ودمجها في إطار دولي وإقليمي ليس بدافع احترام التعددية النظرية وإنما لأن أي شيء غير هذا ستضطر أميركا معه لأن تعمل وحدها كشرطي دائم للعالم، وهو الدور الذي من شأن أي حكومة عراقية أن ترفضه على المدى البعيد، وهو أيضا الدور الذي يرفضه أيضا أي نقاش ورد في مقالي هذا.

لقد آن الأوان ليس لتحديد المستقبل الإستراتيجي للعراق فحسب وإنما أيضا لتوسيع قاعدة التشاور السياسي في المنطقة برمتها. وينبغي أن يعقد اجتماع لمجموعة تشاور واتصال سياسية تضم الحلفاء الأوروبيين والهند( بسبب التعداد الكبير للمسلمين فيها) وباكستان وتركيا وبعض جيران العراق- يجب أن تجتمع تلك اللجنة في هذه المرحلة بعد انتهاء الانتخابات العراقية.

وقد تمت الموافقة بالفعل على فتح قنوات نقاش سياسية بين السفير الأميركي في بغداد والسلطات الإيرانية بشأن العراق. ولا ينبغي أن تكون تلك هي الاتصالات الوحيدة مع جيران بغداد.

فمهام تلك اللجنة يمكن أن تشمل العمل على تقديم مشورة بشأن التطور السياسي للعراق وكيفية توسيع قاعدة شرعية الحكومة وتوضيح أن ضمان استقرار وتقدم المنطقة كلها هو في مصلحة العالم بأسره.

وبمرور الوقت يمكن أن تتحول تلك اللجنة إلى منتدى للتعامل مع القضايا التي تمس استقرار الشرق الأوسط،بما فيها القضايا التي تتسبب في التشدد الإسلامي.

 

إن وجود إطار عمل سياسي لا يعد بديلا لنتيجة عسكرية ناجحة، غير أن النجاح العسكري لا يمكنه أن يستمر طويلا من دون هذا الإطار. 

 عن موقع الكادر

 

إلى صفحة مقالات وأراء3