19/01/2006

(الفلوجة) تشكو التعتيم الإعلامي على مأساتها!

 

د. أيمن الهاشمي

كاتب من العراق

(الفلوجة) مدينة المساجد، ومنبر العلم، هذه المدينة الصامدة الصابرة التي دخلت التاريخ، وخُلّدت مثلما تذكر مدن صمدت في وجه الغزاة المعتدين على مرّ التاريخ. شغلت الفلوجة حيزا إعلاميا واسعا مذ كانت المدينة التي إنطلقت منها شرارة المقاومة العراقية عقب الغزو الأمريكي للعراق 2003 ومازالت، وتصدرت الفلوجة واجهة الإعلام حين تصدت ببسالة نادرة للغزاة، وحين دارت على رحاها أكبر معارك العراق إطلاقا، وأستخدمت القوات الغازية عليها أسلحة الفتك والدمار الشامل بما فيها الفسفور الأبيض والعنقودية والقنابل فائقة الوزن وغيرها، وقدمت المدينة المجاهدة خيرة شبابها ورجالها شهداء على طريق حرية الوطن، وتم تخريب وتدمير مساجدها وأبنيتها وأحياءها، وتعرّض من تبقى من أهلها على قيد الحياة إلى التشريد في البراري وفي المدن القريبة، أما الشهداء فقد تحولت بهم شوارع المدينة وساحاتها إلى مقابر جماعية.

هذه المدينة تتعرض اليوم لتجاهل إعلامي مقصود للتعمية على واقعها السئ وعلى محنة ومعاناة أهلها، فقوات الغزو ومعها قوات الحكومة العراقية (ماتسمى بالحرس الوطني وجلّهم من قوات الميليشيات الطائفية!) تمنع دخول أي صحفي أو إعلامي إلى الفلوجة لتغطية أخبار وضعها .. أو للأطلاع على مأساة هذه المدينة الصابرة، والفضائيات التي كانت متواجدة في المدينة قبل أكثر من عام لتغطية أخبار المعارك الشرسة غادرت المدينة أو أجبرت على مغادرتها بعد أن أحست القوات الاميركية والحكومية، أن هذه الوسائل الإعلامية قد كشفت للعالم حجم المقاومة البطولية الجهادية النادرة ومقدار الضرر والأذى التدميري الذي أصاب المدينة، ووحشية الغزاة، لذلك تم طرد كل وسائل الإعلام وبخاصة الفضائيات ومراسلي الصحف ومنعهم من التواجد في الفلوجة او الدخول إليها، وأسهم هذا الإجراء في عزل الفلوجة عن الأخبار وحصول تعتيم إعلامي متعمّد للتغطية على مايجري اليوم في الفلوجة أو لنقل تفاصيل معاناة أهلها إلى الرأي العام العالمي.

الفلوجة (مدينة المساجد) التي تعانق منائرها السماء بطابع عربي إسلامي أخاذ، تضم 300 أكثر من  مسجد داخلها وفي ضواحيها، تسمى (شامة الأنبار) لأنها أكبر مدن الأنبار والأخيرة تسمى أيضا (شامة العراق) التي تشكل مساحتها ثلث مساحة العراق، والفلوجة هي (مدينة العلم) ففيها كانت أكبر مدرسة دينية (مدرسة الشيخ عبدالعزيز السامرائي) التي تخرج منها معظم علماء العراق، وأسست الفلوجة على انقاض مدينة الانبار التاريخية التي فتحها خالد بن الوليد وعرف عن اهلها تدينهم الشديد وتمسكهم بعقيدتهم وعروبتهم، فأهلها من العرب الاقحاح والقبائل الاصيلة، وكانت الفلوجة في مقدمة مدن العراق التي تصدت للغزو الأنكليزي أوائل القرن الماضي، وغالب اهل الفلوجة مثقفون وينتشر بينهم اصحاب الشهادات العليا بشكل يفوق سائر مدن العراق، وتمتاز الفلوجة بصحوة اسلامية واعدة ومتوقدة نضجت منذ ثورة العشرين، فصمود الفلوجة امام المحتل لم يكن وليد الحدث بل قاد ثورة العشرين على الانكليز في وقتها الشيخ الفلوجي الباسل (ضاري السليمان) وقتل قائد القوات البريطانية في وقتها (لجمن) على أيدي أهل الفلوجة وكتب فيهم الشاعر معروف الرصافي قصيدته المعروفة.

إلتقيت أحد شيوخها مؤخرا أسأله عن حال الفلوجة اليوم فقال متنهدا: (ماذا أقول؟! ليس هناك في الفلوجة اليوم ما يسر، آثار الدمار في كل مكان، لقد أتوا بحربهم على كل شيء. لم تعد الفلوجة تلك المدينة التي نعرفها، اختفت معالمها ودُمرت مساجدها ومُحيَت بيوت بأكملها وسويت بالأرض، لا وجود للماء والكهرباء في المدينة والذين فضلوا البقاء داخل المدينة يعيشون على المساعدات التي (يتكفـل) الجنود الأمريكان بتوزيعها!. قنينتان من الماء وبعض المعلبات حصتك كل يوم ليس لك غيرها. في أحد أحياء الفلوجة تجلس مجندة أمريكية في غرفة صغيرة بعد دعوة الأهالي لاستلام التعويض عن العدوان وهو (100) دولار فقط، وأضاف الشيخ- لقد رأيت نسوة لسن من أهالي الفلوجة بل أتين من قرى ومحافظات بعيدة وهن يتسابقن لأخذ المبلغ من المجندة الأمريكية وهنَّ يتبادلن القبلات مع تلك المجندة وكاميرة الجيش الأمريكي  تصوّر هذا المشهد المؤلم لتدعي أن نسوة الفلوجة يرحبن بجيش الإحتلال). وحين سألناه عن الوضع داخل الفلوجة قال الشيخ الفلوجي: (لا تزال المعارك مستمرة حتى الساعة، فعندما دخلنا المدينة قُتل ثلاثة من عناصر الحرس الوطني فقام أحد جنود الحرس بإطلاق النار على رجل برئ كان يرافقنا فأرداه قتيلاً وكأنّه يثأر لرفاقه الثلاثة). بعد ساعات جاءنا خبر بأن المجاهدين نجحوا في أسر عشرين من أفراد الحرس الوطني وجلّهم من الميليشيات الطائفية).  وأضاف الشيخ (وصلنا إلى بيوتنا، ويا ليتنا لم نصل لم يبقَ منها شيء، منها ما هُدم ومنها ما أُُحرق ومنها ما سُرق كل ما في داخله. في هذه اللحظات جاء الجنود الأمريكان يحملون صوراً لرفاق لهم كانوا قد (اختطفوا) قبل أيام داخل الفلوجة ويسألوننا إن كنا نعرف عنهم شيئاّ!!). وأضاف الشيخ الفلوجي (وبينما كنا نهم بالخروج من المدينة في طريق عودتنا استوقفتنا إحدى سيطرات الحرس الوطني فتقدم إلينا أحدهم وقام بتفتيشنا وبالغ بتفتيش أحدنا فقال له أحد الرجال الكبار متهكماً: "انتبه.. سينفجر عليك ! " فقال الجندي: "أتمنى أن ينفجر علي ويقتلني!." فتعجبنا من كلامه وقلنا له: "إذا كنت يائساً هكذا فلماذا جئت لقتال أهل الفلوجة إذن ؟" قال: "من أجل المال، لقد وعدونا بأننا سنبقى 20 يوماً فقط مقابل مليون دينار، ولم يحصل شيءٌ من ذلك، فلم يعطونا ما وعدونا به، والعشرون يوماً صارت أشهراً !))

وقد أكدت مصادر مطلعة أن هناك أكثر من 26 ألف عائلة من أهالي مدينة الفلوجة ما زالت مشردة وهي بحاجة إلى التعويض لبناء دورها التي هدمت بالكامل بفعل القصف الامريكي ،وأن هناك الكثير من المعوقات التي تعتري عملية أعمار هذه المدينة التي لا تحظى برعاية الجهات المسؤولة في الدولة وخاصة فيما يتعلق بالإيفاء بمبالغ التعويضات للمتضررين من الأهالي الذين فقدوا دورهم جراء الأعمال العسكرية رغم ألمطالبه المستمرة بها بهدف الإسراع بإيواء نحو (26) ألف عائلة مشردة وبناء أكثر من (6) ألاف دار وذكر مصدر مسؤول ان عملية أعمار المدينة هي الاخرى قد شهدت تعطيل كبير في تخصيص الأموال اللازمة من قبل الحكومة وأن المشاريع والمخططات جاهزة وبانتظار حصول الموافقة على المبالغ ، ولايزال سكان ( حي جبيل ) جنوب غرب مدينة الفلوجة يعيشون في خيم نصبوها فوق بقايا منازلهم التي دمرها هجوم قوات الاحتلال الأمريكي وقوات الحكومة المؤقتة قبل أربعة أشهر .كما يعاني أهالي الفلوجة من إنفجار الألغام التي خلفها الجيش الأمريكي في مناطق مختلفة من الفلوجة وحولها، كما أن المئات من أهالي الفلوجة رجالا وأطفالا ونساء يعانون من مختلف أنواع العوق نتيجة العدوان الأمريكي ويعانون من ضيق الحال وعدم توفير العلاج المرئم لهم. وقال ( محمد فهد سعود غزال الهيتاوي ) 38 عاماً الذي نصب خيمة فوق منزله المهدم وجلس فيها هو وأطفاله العشرة :(( بات كل ما أملكه الآن هو هذه الخيمة الصغيرة وأربعة أغطية ونحن بانتظار تعويضنا عن الدمار الذي ألحقوه بمنزلنا لكي نعيد بناءه من جديد)) ولم يتبق من منزل ( الهيتاوي ) الذي تبلغ مساحته 671م2 شيء يُذكر , فقد رفع جنود الاحتلال الأنقاض وحولوه إلى ساحة فارغة ويقول (الهيتاوي) - وعلامات الاستغراب بادية عليه- (( لا أعرف ما الذي حلَّ بمنزلنا؟ وأين ذهب الطابوق والحيطان وكل شيء؟ . لقد كان منزلاً كبيراً جميلاً من طابقين, أما الآن فهو مجرد ساحة أرض فارغة ليس فيها طابوقة واحدة)).

والمعلوم أن معظم سكان المدينة الذين يتجاوز عددهم 450 ألف نسمة قد فروا قبل الهجوم الذي شنته قوات الاحتلال والقوات العراقية على الفلوجة في السادس من نوفمبر 2004، وأعلنت مفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين في شهر ديسمبر الماضي أن نحو 10% من 85 ألف نازح عادوا إلى الفلوجة. ويعاني من عاد إلى الفلوجة من عوائل من تدمير دورهم وسكنهم في خيام لاتقيهم البرد ولا الحر، فضلا عن إنتشار الأمراض، والبطالة التي تضرب أطنابها في المدينة التي كانت تعد أكبر مدينة صناعية في البعراق، ومازال معظم أهلها يعيشون على المساعدات التي لاينتظم وصولها إليهم نتيجة الفساد الإداري، وتدّخل القوات الامريكية وقوات الحرس الوطني بعدما توقف نشاط معظم المحلات التجارية والصناعية في المدينة )). وحدثني أحد أبناء الفلوجة وإسمه حميد الذي فقد ابنه أثناء محاولته الخروج من المدينة ولم يجد جثته لحد الآن (( لم يعد لنا معيل فقد كان ابني الذي فُقد هو الوحيد الذي يعيلنا, وأحمدُ الله على أننا نملك هذه الخيمة وكل ما أتمناه أن يكون ابني لازال حياً  يُرزَق))

وبعد مرور أشهر على انتهاء المعارك في هذه المدينة يحاول العديد من سكانها إعادة الحياة في مدينتهم إلى طبيعتها على الرغم من ضعف الإمكانيات المادية، وأن أعداد كبيرة من أهالي المدينة يسكنون في الخيام أو في العراء، داخل المدينة أو عند أطرافها، ومازالت قوات الإحتلال الأمريكي وقوات الحكومة تضايق السكان بالإجراءات الأمنية القاسية والمُبالغ فيها  بذريعة الخوف من تجدد القتال أو المقاومة، كما أن هناك المئات من الأسر فقدت معيلها الوحيد وتحولت إلى أرامل وأيتام ليس لهم إلا الله.

لاندري إلى متى يبقى الصمت العالمي والعربي عن محنة ومأساة أهل الفلوجة، وإلى متى يستمر التعتيم الإعلامي على كارثة الفلوجة التي تشكل لطخة عار في جبين الإنسانية المتغافلة عما يجري هناك من إنتهاك لأبسط حقوق الإنسان ومن تشريد للأهالي، ومنع لأهاليها من معاودة الحياة على أنقاض مدينة جميلة دمرها تتار القرن الحادي والعشرين إسمها (الفلوجة)... ويبدو أن الأمريكان ومعهم حكومة بغداد يريدان أن يعاقبا أهل الفلوجة ويجعلوها عبرة لكل مدن العراق!!! ولا ندري أين هو دور الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية؟ وأين هو دور الجامعة العربية؟ نرجوكم تذكروا مدينة عربية مقاومة باسلة اسمها الفلوجة!

شبكة البصرة

السبت 14 ذو الحجة 1426 / 14 كانون الثاني 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند إعادة النشر او الاقتباس

 

إلى صفحة مقالات وأراء3