28/01/2006

 

المقاومة توقف تقدم الحملة الصهيونية الصليبية و تردها على أعقابها

الانسحاب الانجلو أمريكى من العراق خلال عام 2006

الموت السريرى للفكرة الصهيونية سبق الموت السريرى لشارون

الدلائل الاستراتيجية لتصريحات أحمدى نجاد أخطر من تصريحاته نفسها

هزائم مروعة للولايات المتحدة فى أمريكا اللاتينية

و تراجع نفوذها أمام وحوش آسيا

فى لبنان لا يجروء أحد على الاقتراب من سلاح المقاومة

سوريا و السودان صامدان أمام الضغوط الجائرة

الزرقاوى يؤكد القيام بـ 800 عملية استشهادية ضد الأمريكان

و يقدر خسائر أمريكا بـ 40 ألف قتيل و جريح

 

 بقلم: مجدى أحمد حسين

magdyhussien@hotmail.com

 

بعد فترة من الانشغال بقضايا الاصلاح الداخلى فى مصر نحتاج وقفة تقييم للأوضاع الاقليمية و الدولية ذلك إن جهادنا فى الداخل لا ينفصل عن أوضاع العالم الذى نعيش فيه ، كذلك فان جهادنا جزء لا يتجزأ من المقاومة العربية و الاسلامية للحملة العدوانية الأمريكية – الصهيونية على الأمة .

و لست من أنصار عمل تقييم لعام مضى ، لأن حركة التاريخ لا تعرف أرقام الأيام و السنين ، فهى حركة منسابة كنهر ، و للتاريخ محطاته الفاصلة التى لا تقترن بعام محدد أو بأول يناير أو بآخر ديسمبر ، و لكن عام 2005 لم يكن عاما عاديا على صعيد الداخل و هو ما أوسعناه متابعة و تحليلا، و أيضا على صعيد الخارج و هو ما نخصص له هذه الدراسة المطولة .

منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضى ، كاد حزب العمل أن ينفرد بتحليل – سماه البعض افراطا فى التفاؤل – و هو أن موازين القوى تنتقل بالتدريج لصالح أمتنا العربية و الاسلامية فى مواجهة الأعداء التاريخيين (الحلف الصهيونىالأمريكى ) .

و جاءت الأحداث عقب ضربة 11/9 ضد الولايات المتحدة ، بغزو أفغانستان ثم العراق ، و ما أعقبها من تراجع و انسحاب ليبى من القضية القومية ، و إحكام الحصار حول السودان و تراجع اليمن بعد إنجاز الوحدة الكبير الى علاقات خاصة مع الولايات المتحدة و غيرها من الأحداث و كأنها تأكيدات عملية على أن الحلف الصهيونىالأمريكى مايزال عفيا و قويا و يمتلك زمام المبادرة باقتدار ، و أن أمتنا ماتزال فى موقع الدفاع تكيل لها الضربات فى ركن الحلبة!

و ترافق مع ذلك أيضا تصعيد الحصار للبنان المقاومة ثم سوريا و الاستدارة إلى ايران ، و الأهم من كل ذلك الانبطاح المصرى الرسمى ، و انكسار أى محاولة لتصحيح توجهات النظام المصرى من داخله. و لعل هذا التغير المصرى كان هو الخطأ الأساس فى التقديرات ، فقد لاحت امكانيات التصحيح من داخل النظام المصرى فى سلسلة من الواقف بين 1996 و عام 2000 بدءا من مؤتمر القمة العربى بالقاهرة عام 1996 الذى اعترف بالمقاومة اللبنانية و الفلسطينية و كف عن وصمها بالارهاب ، مرورا بمقاطعة مؤتمر الدوحة للسوق الشرق أوسطية ، انتهاء بصحوة اعلامية داعمة لانتفاضة الأقصى ، و لكن هذه البوادر تم تبديدها تماما و عاد النظام سيرته الأصلية راكعا أمام المطالب الأمريكية – الصهيونية على المستوى الداخلى بوزارتى عاطف عبيد و نظيف ، و على المستوى الخارجى بالتعاون مع الغزو الأمريكى لأفغانستان و العراق ، و الاندفاع من جديد فى طريق التطبيع مع العدو الصهيونى ، و ممارسة الضغوط المتوالية على المقاومة الفلسطينية من أجل تهدئة و وقف اطلاق النار بدون مقابل !

و مع ذلك فان تقدير حزب العمل لم يكن يستند الى عنصر واحد ، كما انه لا يقوم على أساس فكرة التنبوء الدقيق بمسار الأحداث ، أو التنبوء بسلوك كل طرف فى معادلة الصراع ، و إنما على أساس التقدير الموضوعى لعناصر القوة التى تمتلكها الأمة بالفعل. و بهذا المعنى نرى أن التوجه الرئيسى لتحليلنا مايزال صائبا ، أى أن موازين القوى تواصل الميل لصالح أمتنا و على حساب الأعداء. و أننا مانزال فى مرحلة الهجوم الذى يجبر العدو على اتخاذ موقف الدفاع بالمعنى التاريخى ، السياسى ، الحضارى ، و حتى العسكرى .

و عندما نقول باتجاه موازين القوى لصالحنا لا يعنى ذلك انه يتم عبر طريق مستقيم فى اتجاه واحد ، بل عبر منعرجات شتى ، و لكن يظل الخط البيانى المتعرج فى صعود لصالحنا. كيف ؟! فى الحروب عندما نقول ان السير العام للمعارك لصالح طرف معين ، لا يعنى ذلك ان الطرف الآخر لا يحقق بعض المكاسب هنا و هناك ، و لا يعنى ان قواته لا تتقدم هنا أو هناك ، و لكن المسار العام يظل لصالح الطرف الأول وفق التقديرات الكلية لسير المعركة .

بالنسبة للولايات المتحدة كان القيام بغزو استعمارى تقليدى خارج جدول أعمال هذه القوة العظمى منذ حرب فيتنام حتى غزو أفغانستان 2001 . و لم يكن تصرف جورج بوش الأب خارجا عن هذا السياق حين رفض غزو العراق عام 1991 و اكتفى باجلاء القوات العراقية عن الكويت .

إن تأخر أمريكا عن غزو العراق لمدة 14 عاما كان لذات الأسباب التى تعانى منها القوات الأمريكية حاليا فى العراق ، أى أن المأزق الأمريكى الحالى فى العراق كان متوقعا دائما فى اطار تقدير الادارات الأمريكية المتعاقبة. أما بالنسبة لأفغانستان فلسنا حقيقة أمام غزو و احتلال تقليدى استعمارى ، فقد كان الغزو أقرب لحسم الصراع الداخلى لصالح طرف (التحالف الشمالى من الأوزبيك و الطاجيك) ضد طرف آخر (طالبان و البشتون عموما) و لذلك فان القوات الأمريكية جد محدودة فى أفغانستان (حوالى 10 آلاف جندى) ، بينما تعاون قوات دولية فى ضبط الأمن فى العاصمة كابول فحسب .

لقد كان الغزو الأمريكى للعراق مغامرة بكل معنى الكلمة ، و بكل المقاييس ، لكل الأسباب التى شرحناها قبل و أثناء و بعد الغزو فى مقالات عديدة ، و الآن تحول الكر الى فر ، و تحول الهجوم الى دفاع ، و سعى للتفاوض مع المقاومة ، و سعى للانسحاب الذى يحفظ ماء الوجه ، و أصبح الانسحاب الأمريكى من العراق خلال عام 2006 سياسة معلنة ، و كذلك الانسحاب البريطانى ، و ذلك بعد هروب قوات العديد من الدول الاوروبية و الآسيوية و الأمريكية اللاتينية .

و غزو أفغانستان تحول بدوره الى ورطة أخرى و نزيف دموى و ان كان أقل بسبب قلة القوات كما ذكرنا و الاعتماد بصورة أكبر على عناصر محلية و أيضا بسبب حالة التعتيم الاعلامى العالى الذى يخفى ان مناطق الجنوب و الشرق ليست تحت سيطرة كابول أو القوات الأمريكية ، بل و يستمر فيها نفوذ القاعدة و طالبان و الحزب الاسلامى بزعامة حكمتيار .

و بالتالى فان أهداف الغزو فى العراق و أفغانستان لم تتحقق فى البلدين ، و لكن الأزمة معلنة و طافحة و لا يمكن اخفاؤها أو التغاضى عنها فى العراق ، حيث تحول احتلال العراق الى مشكلة أمريكية داخلية حادة ، لا تحتمل التسويف .

و بالتالى تحولت عملية استعراض العضلات لما يسمى القوة العظمى الوحيدة إلى بوادر كارثة (حسب وصف هنرى كيسنجر لمعنى الانسحاب من العراق ) .

و تتوالى الخسائر الأمريكية فى مجال النفوذ السياسى و الاقتصادى فى آسيا لصالح الوحوش (ولا نقول النمور) الآسيوية بزعامة الصين القوة العظمى الصاعدة اقتصاديا و عسكريا . و على جبهة أمريكا اللاتينية التى اصطلح على تسميتها بالفناء الخلفى لأمريكا فان أمريكا تعانى من تمرد واسع يكاد يقضى على نفوذها التاريخى و المستقر فى هذه القارة الجنوبية .

و رغم التقارب السياسى مرة أخرى مع أوروبا بعد انشقاق عميق إبان غزو العراق ، و رغم ما أصاب الاتحاد الاوروبى من شرخ بسبب عدم اقرار الدستور ، إلا أن أوروبا ستظل قوة اقتصادية منافسة للولايات المتحدة ، و سيتواصل النزاع الأمريكىالفرنسى المكتوم فى شتى أنحاء القارة الافريقية .

استعادة روسيا لعافيتها الاستقلالية الاقتصادية و السياسية عنصر جديد أصبح حاضرا على المسرح الدولى ، و تحالف شنغهاى مع الصين أصبح بمنزلة فكى كماشة لنزع النفوذ الأمريكى من جمهوريات وسط آسيا . و إيران ليست بعيدة عن هذا التحالف الجديد .

و بروز الهند كقوة عظمى و ان كانت ليست فى حالة صدام مع الولايات المتحدة بل على العكس فى حالة وئام ، إلا ان الهند ليسن دولة تابعة ، و بروزها يعنى تعدد اللاعبين الدوليين و أن الكرة الأرضية ليست مرتعا للولايات المتحدة كما يصور بعض المنبطحين من مثقفى و حكام العرب .

و المؤشرات الاقتصادية تشير الى مواصلة هبوط الخط البيانى للاقتصاد الأمريكى ، و هو العمود الفقرى لأى دولة عظمى تسعى للهيمنة و التسلط على العالم .

فى اطار عمليات الكر و الفر هذه ، لاشك أن أمريكا حققت مكسبا استراتيجيا بتعاون نظام مشرف الباكستانى معها لمحاصرة المقاومة الأفغانية ، إلا أن كل التقديرات تشير الى استمرار فاعليتها و نفوذها فى منطقة القبائل بالتعاون مع أهلها الباكستانيين ، و ان الجيش الباكستانى لا يمكنه إحكام السيطرة على هذه المنطقة الوعرة و الممتدة لمئات الكيلومترات على حدود أفغانستان. كذلك فان مشروعية نظام مشرف تآكلت فى مواجهة المعارضة الاسلامية التى تشكل مع غيرها 45% من مقاعد البرلمان ، و كذلك فى مواجهة حركات تحرير كشمير التى ترفض مواقف مشرف تجاه هذه القضية ذات الشعبية القصوى فى باكستان .

على المستوى العربى كان صمود العراق قبل الغزو من عناصر قوة الأمة ، أما الآن فان المقاومة العراقية تقوم بنفس الدور ، و بشكل أعظم ، فبينما كان النظام السابق يسعى لمجرد أن يبقى ، و يحاول فك الحصار ، فان المقاومة الآن تستنـزف أكبر جيش فى العالم و تمرغ أنفه فى التراب ، و تعرض القوة العظمى الأولى فى العالم لهزيمة محققة و هو أمر ستكون له تبعات بالغة الخطورة لصالح أمتنا و العالم ، و على حساب غطرسة و هيبة الولايات المتحدة و بالتالى مكانتها الاستراتيجية فى العالم .

و تنظيم القاعدة و ان لم يتمكن من القيام بأى عمل بحجم 11/9 إلا أنه أثبت قدرته على القيام بعمليات متوسطة مؤثرة أثرت على كثير من مجريات الأحداث فى العالم ، إلا أن أبرز المفارقات أن أهم انجازات القاعدة كان فى العراق التى أدعت أمريكا كذبا انه كان على علاقة بالنظام العراقى السابق ، و أنها أتت للقضاء على الارهاب فى العراق . و إن كنا ندين أى أعمال تنسب الى القاعدة باستهداف مدنيين شيعة ، و نعتبر ذلك من السلبيات الضارة بالصحوة الاسلامية ، و نطالب بالتبرؤ من هذه الأعمال ، و وقفها إن كانت بالفعل من صنع تنظيم الزرقاوى ، و نحسب من الايجابيات فحسب تلك الأعمال الموجهة لقوات الاحتلال و أى قوات حليفة لها ( أعلن الزرقاوى ان تنظيمه قام بـ 800 عملية استشهادية ضد الأمريكان و حلفائهم الغربيين بالاضافة للعمليات الأخرى ضدهم و قدر خسائرهم بـ 40 ألف قتيل و جريح). حاول العدو المحاصر فى العراق أن يفك حصاره بفتح جبهات أخرى .. فى لبنان استغل حادث اغتيال الحريرى و الغضبة الشعبية التى رافقته لتوجيه الاتهام لسوريا ، و لاخراجها من لبنان ، و خروج سوريا من لبنان كان مطلوبا ، و لكنه تم بصورة تشبه الطرد ، فى ظل تصريحات متوالية لجورج بوش ، و تحول الأمر الى تحالف مارونىدرزى سنى لا يستهدف سوريا فحسب بل يستهدف سلاح المقاومة (حزب الله – المقاومة الفلسطينية) ، و قد وصل التحالف إلى منتهاه بخروج سوريا ، و ان أى تصعيد آخر يعنى الوصول الى الحرب الأهلية ، و هو ما لايتمناه أى لبنانى. فهذا المد المعادى لسوريا و الموالى لأمريكا و فرنسا وصل الى منتهاه ، و لا أحسب ان السنة (تيار الحريرى – الجماعة الاسلامية) يمكن أن يواصلوا الطريق ضد المقاومة ، بل نحسب ان حركة البندول قد وصلت إلى أقصى نقطة و عليها أن تعود الى الخلف تدريجيا ، فلا تملك أى قوة فى لبنان أن تنـزع سلاح المقاومة من الناحية الواقعية ، كما أن معظم الشعب اللبنانى لن يقبل ذلك ، بل لن يقبل الجميع أن يتم ذلك عبر الحرب الأهلية المرفوضة .

أيضا بلغت الضغوط على سوريا منتهاها بطلب التحقيق الدولى مع الرئيس السورى بشار الأسد و هذا ما لا يمكنه القبول به و قد سبق و أعلن صراحة أنه سيعتصم بالصمود و الممانعة و كل الدلائل تؤكد ذلك. و من أهم ما يحمى النظام السورى من البطش الأمريكى المتعجل ، هو الشبح العراقى ، فمن الناحية النظرية يمكن للقوات الأمريكية رغم ورطتها فى العراق أن تقوم بحملة عسكرية لإسقاط النظام السورى و لكن ذلك سيؤدى الى حالة واسعة من المقاومة الشعبية المسلحة للاحتلال ، و تصبح هناك خطوط متصلة بين المقاومة فى لبنان و فلسطين و سوريا و العراق و يتحول الهلال الخصيب إلى هلال مقاوم و بؤرة متفجرة بالعمل الشعبى المسلح أو (الارهاب) كما تحب أن تسمى أمريكا ، سيصبح هلال اضطرابات يؤدى فى النهاية لهزيمة الغزاة و قيام نظم أكثر تطرفا فى العداء لأمريكا. و لهذا السبب فان التلويح بالخيار العسكرى غير مطروح حتى الآن و فى المدى المنظور ، و انما المطروح ضغوط دبلوماسية و سياسية و أشكال من العقوبات ثبت أنها لا تصلح لتحقيق الأهداف الأمريكية(نموذج العراق) .

و تصر سوريا على مواصلة مواقفها الداعمة للمقاومة اللبنانية و الفلسطينية و الرافضة للاحتلال الأمريكى للعراق  و الرافضة للتطبيع مع الصهاينة ، و تعزز تحالفها مع الجمهورية الاسلامية فى ايران ، و تعزز علاقاتها مع تركيا التى يجمعهما معا خطر نشوء دويلة كردية فى شمال العراق مما ينعكس على تفتيت تركيا و سوريا. كذلك عززت سوريا علاقاتها مع روسيا (صفقة تنقيب و انتاج الغاز بـ 38 مليار دولار كمثال) ، و روسيا كانت وراء تعديل قرار مجلس الأمن الأخير بحذف أى اشارة للعقوبات .

و من علامات حيوية الأمة أن العدو عندما يضغط فى مكان فانه يجد المقاومة فى مكان آخر!! ففى الشهور الأخيرة كان نجاح محمود أحمدى نجاد رئيسا للجمهورية الاسلامية فى ايران أشبه بالنجدة التى جاءت من مكان بعيد . (و جاء رجل من أقصى المدينة يسعى) و كما جاءت الثورة الاسلامية فى ايران من حيث لا يحتسب الناس ، جاء تجديد دماء هذه الثورة على يد الرئيس الشاب الزاهد أحمدى نجاد و كأنه الانقاذ القادم من خارج مسرح الأحداث .

حقا لقد ظلت إيران إحدى القلاع الصامدة العصية على النفوذ الأمريكىالصهيونى ، إلا ان مرحلة رئاسة السيد خاتمى و ما اتسمت به من "اعتدال" بالمفهوم غير الطيب للاعتدال ، كانت قد أثارت الجدل التقليدى حول الدولة و الثورة ، و انتهاء الثورة بضرورات الدولة ، و قد شهدت هذه المرحلة ارتفاع نبرة البحث عن المصالح الايرانية .

وجاءت رئاسة أحمدى نجاد لتفتح صفحة جديدة أو بالأحرى تعيد فتح الصفحة الأولى ، فوجدنا نفس نبرة الثورة الأولى مدعومة بالمصداقية و طهارة اليد . و لا يمكن اعتبار نجاح أحمدى نجاد إنقلابا على الأوضاع القائمة بل بالأحرى تصحيحا لها. و أصبحت المؤسسات الكبرى للدولة متفاهمة و منسجمة لأول مرة منذ 8 سنوات. و لا أتصور ان مواقف أحمدى نجاد بعيدة عن توجيهات و مواقف القائد آية الله خامنئى ، و بالتالى نحن أمام توجه أصيل و مستقر للجمهورية الاسلامية. فبالاضافة للصلابة فى موضوع البرنامج النووى ، نجد ان السياسة الايرانية و قد لاحظت تدهور المواقف الاوروبية و اقترابها من الموقف الأمريكى ، فانها لم تضطرب ، بل ان تصريحات أحمدى نجاد حول ضرورة أن تتولى ألمانيا و النمسا إقامة دولة لليهود على أراضيهما كانت تضرب عصفورين بحجر: (1)تجلية الموقف الاسلامى من الكيان الصهيونى. (2) عدم مجاملة أوروبا بأكثر مما ينبغى و ان ايران ستتعامل معها بلغة المصالح الباردة .

ان موقف أحمدى نجاد موقف تاريخى بكل معنى الكلمة ، فقد أعاد الروح للحقائق التى أضحى الكثيرون يخشون من إعلانها ، أعلن رئيس دولة واحدة من أكبر الدول الاسلامية ان اسرائيل يجب أن تمحى من الخريطة ، بينما أصبح أكثر المثقفين ثورية من اليسار الى اليمين ، من العلمانيين الى الاسلاميين ، يخشون قول هذا الموقف أو يرونه نوعا من التهور و التطرف . لقد كادت اسرائيل أن تتحول الى كيان شرعى فى أذهان كثير من العرب و المسلمين بحكم الأمر الواقع و بحكم الشعور الداخلى بالهزيمة ، فجاءت هذه الكلمات من قائد مسئول كنوبة صحيان لايقاظ النائمين و الغافلين و المخدرين ، جاءت و كأنها قادمة من مكان سحيق ليس لأن ايران بعيدة جغرافيا عن فلسطين ( وهى ليست بعيدة جدا على أى حال) بل لأن المسألة لم تعد مطروحة بهذا الشكل البسيط العادل ، لأن أغلبية النخبة العربية فى الحكم و المعارضة قد تعبت من الجهاد و اعتصمت بالجبن !!

و لا أتصور ان مرحلة أحمدى نجاد ستقتصر على الموضوعين : النووىالفلسطينى بل أرى أن نهجا جديدا سيحكم اعادة صياغة السياسات الايرانية فى الداخل و الخارج .. نحو الأفضل عموما. و يمكن الاشارة الآن الى اهتمام نجاد بالملف الاجتماعىالاقتصادى و إعادة الاهتمام بمشكلات الشباب و المستضعفين و هذا الملف بالغ الأهمية لتمتين الجبهة الداخلية .

و لا أتصور فى بلد مؤسسات كإيران أن أحمدى نجاد قد أخذته الحماسة أو الثورية ، فأخذ يردد هذه التصريحات ضد اسرائيل و اليهود و الصهاينة. خاصة و انها ليست مرة واحدة ، و ليست زلة لسان. لذا أرى أن هذا النهج يعنى :

(1) ان ايران بلغت من القوة العسكرية حدا من الاستقرار و الاطمئنان بحيث لم تعد تخشى أى رد فعل عسكرى اسرائيلى أو حتى أمريكى .

(2) ان ايران قد أصبحت الدولة النووية الثامنة فى العالم و أن هذا الأمر قد حسم و قضى الأمر ، و أذكر اننى أشرت لهذا التقدير منذ حوالى عام ، ولكننى الآن أكثر ثقة على ضوء تصريحات نجاد. و قد أشار الى ذلك ايرانيون فى مقالات منشورة .

(3) ان تحول ايران الى دولة نووية لا يعنى بالضرورة أنها بدأت فى انتاج القنابل النووية ، و لكن يعنى بشكل مؤكد ان ايران أصبحت تمتلك كل التكنولوجية النووية الاساسية الكافية للاستخدام فى أغراض سلمية (مفاعلات لتوليد الطاقة الكهربائية) أو فى الأغراض الحربية اذا اقتضت الضرورة. بمعنى ان ايران تمتلك القدرات الوطنية لكل حلقات و مراحل التكنولوجيا النووية و انها لا تحتاج لأى مساعدة تقنية من الخارج من الآن فصاعدا ، بل انها تستطيع بناء مفاعل ، كمفاعل بوشهر بدون مساعدة الروس أو أى أجنبى .

(4) أشارت تقارير غربية عديدة منذ سنوات ان ايران ربما اشترت عدة قنابل نووية جاهزة من السوق السوفيتى الذى أصابه الاضطراب فترة انهيار الاتحاد السوفيتى و قيل فى أحد هذه التقارير (4 قنابل) ، و مع ذلك فلا يوجد ما ينفى ان ايران قد انتجت بالفعل بعض القنابل النووية أو أنها أصبحت قريبة جدا من ذلك .

و الآن يذكر زئيف شيف المعلق العسكرى الاسرائيلى المعروف بتصريح قديم للرئيس السابق هاشمى رافسنجانى و الذى قال فيه (ان قنبلة نووية واحدة تكفى لمحو اسرائيل) .

و الحقيقة فاننى لم أطلع على هذا التصريح من مصدر اعلامى ايرانى مباشر ، و لكننى سمعت بنفسى وزير الدفاع الايرانى السابق / السيد شمخانى و هو يتحدث بالعربية لقناة الجزيرة منذ فترة و يقول ان ايران اذا تعرضت لهجوم اسرائيلى "فان ايران سترد بأسلوب يفوق مخيلة أى مسئول أو سياسى اسرائيلى " .

(5) ان المعلومات عن مدى دقة الصواريخ الايرانية من طراز شهاب معلومات معلنة و معروفة و هى تصل بالتأكيد الى الكيان الصهيونى

(6) يدخل فى التقديرات الايرانية بالتأكيد الحالة المتردية للجيش الأمريكى فى العراق ، و كذلك وجود قرابة 250 ألف جندى أمريكى على مقربة منها فى العراق يمكن استهدافهم بسهولة. كما كانت الصين تعتبر ان وجود ربع مليون جندى أمريكى فى فيتنام المجاورة صيد ثمين فى حالة تعرض الصين لأى هجوم نووى أمريكى .

هذا بالاضافة لما تملكه ايران من أشكال ردع أخرى : ضرب القواعد الأمريكية فى الخليج ، ضرب القطع البحرية الأمريكية فى الخليج بعمليات استشهادية ، ضرب منابع البترول فى الخليج ، اغلاق مضيق هرمز الذى يُنقل عبره نصف بترول الخليج .. الخ

ان تصريحات أحمدى نجاد ليست حماسة شباب (عمره 46 أو 47 عاما ) و ليست حرب مكبرات صوت ، انها تعكس الادراك و التقدير السليم لحقيقة موازين القوى مع العدو .

 

ننتقل الى السودان..

بلغ الهجوم على السودان ذروته بعد غزو العراق ، و كانت أمريكا تسعى لجنى ثمار الخوف من رأس الذئب الطائر (العراق) على أمل ان تجنى الثمار مجانيا ، و قد حدث شئ من ذلك فى ليبيا. أما فى السودان فكانت الضغوط السياسية و الدبلوماسية على أشدها ، و قد أدت الى اتفاقية سلام مع الجنوب ربما ليست بالشروط التى كانت ممكنة بدون هذا التدخل الأجنبى. و مع ذلك فان الاتفاقية لم تركع نظام السودان الاسلامى الذى أصر على الالتزام بالشريعة الاسلامية فى شمال السودان. ثم كان التحضير لجبهة دارفور بتدفق الدعم الغربىالاسرائيلى المالى و التسليحى ، و كان حلف الأطلنطى يتحدث عن ارسال قوات ، و تحدث بلير عن ارسال 4 آلاف جندى بريطانى ، إلا أن تفاقم الوضع فى العراق جعلهم يبتلعون هذه التصريحات العنترية . و ربما انخلع قلبهم من تظاهرة ضخمة فى الخرطوم تدعو للجهاد و حمل السلاح. فعاد الأعداء الى الحرب بالوكالة ، و الاكتفاء بدعم التمرد ، مع الضغط لعقد المفاوضات ، تحت لهيب التهديد بالعقوبات فى الكونجرس الأمريكى التى وصلت الى حد التلويح بطرد السودان من الأمم المتحدة و حظر صادرات البترول .

و رغم أن التآمر امتد أيضا إلى الشرق ، إلا ان النظام السودانى مايزال صامدا و متمسكا بثوابته العقائدية و الوطنية ، و يحقق انجازات اقتصادية كبرى تساعده فى الصمود لعل أهمها : زيادة انتاج و تصدير البترول الذى وصل انتاجه الى 500 ألف برميل . و هكذا يظل السودان أحد معاقل الصمود و الاستقلال .

* * * * * *

من كل اللوحة السريعة السابقة نرى أن ما كان يدعو اليه حزب العمل كان صحيحا من الناحية الأساسية ، فرغم كل المنعرجات و المواقع التى ضربت أو سقطت هنا و هناك فان الخط البيانى للمقاومة العربية و الاسلامية بشكل عام فى صعود .

و يرجع صواب هذه الرؤية إلى أنها تركز على جوهر الأشياء و الظواهر .. فالصحوة الاسلامية ظاهرة تاريخية و هى فى حالة تصاعد منذ أواخر السبعينيات ، و هى ظاهرة أصيلة و ليست عارضة (مايزال بعض اليساريين يرددون فى مصر ان المد الاسلامى يرجع الى مؤامرة بين السادات و محافظ أسيوط فى أواسط السبعينيات!! ) و هى ظاهرة حضارية شعبية و ليست نتيجة تدبير هذه المنظمة أو تلك مع تقدير جهود كل المنظمات و الجمعيات الاسلامية ، ان الأمة تستعيد الذاكرة مع سبق الاصرار و الترصد و لن يستطيع أحد أن يمنعها من السير فى طريقها الى النهاية ، قد يعوقها قد يؤخرها و لكنها ماضية إلى الأمام لا تلوى على شئ .. العودة الى دين الله .

و تقترن العودة الى دين الله بقضايا الاستقلال و التنمية و التحرير ، و يتعاظم كل يوم الربط بين هذا الشوق الدينى و قضايا الأمة .

شمس الحضارة تدور بدأت فى الشرق و غربت فى الغرب و ها هى تعود مرة أخرى الى الشرق (و تلك الأيام نداولها بين الناس) .

و فى المقابل فان كل أعراض الهبوط الحضارى تصيب أمريكا و الغرب و كل المفكرين العقلاء فى الغرب يشيرون الى ذلك و يبحثون فيه و لم يصلوا بعد الى حل !!

و هكذا و بالمحصلة النهائية فان كل يوم جديد يحمل تقدم الشرق عموما و الشرق العربى الاسلامى خصوصا خطوة الى الأمام و يتراجع الغرب خطوة الى الخلف .

* * * * *

كان ما مضى هو مقدمة الدراسة و ما تناولناه هو الخطوط الرئيسية و العريضة لها و كان لابد من رسم لوحة كلية ، قبل الدخول فى تفاصيل كل قطاع من هذه القطاعات سواء على المستوى الاقليمى أو الدولى .

 

الكيان الصهيونى.

لم يسقط وضع الكيان الصهيونى سهوا من هذه المقدمة، لأننا سنبدأ به فى الفصل الأول من الدراسة. و كما تعانى الأم (أمريكا) من أزمة فان الابن (الكيان الصهيونى) بالأحرى فى أزمة طاحنة. و كنت أعد لهذه الدراسة قبل سقوط شارون صريع المرض. و الحقيقة ان انسحاب شارون من غزة ، ثم من حزب الليكود ، ثم تأسيسه لحزب كاديما ، كان نهاية شارون قبل موته إكلينيكيا ، أو بالأحرى نهاية لحقبة مثلها شارون ، كآخر رموز من تبقى حيا من الرعيل الأول (عدا شيمون بيريز) للكيان الصهيونى ، حقا انه ليس من القادة المؤسسين فقد كان عمره لدى قيام الكيان عشرين عاما ، و التحق بالعمل الارهابى لمنظمة الهجناه قبل حرب 1948 بثلاثة أعوام أى و هو فى السابعة عشر من عمره. و هو مولود فى فلسطين من عائلة روسية مهاجرة  ، هو اذن من الجيل الذى كان من جنود عملية التأسيس و يمكن أن نعتبره مع شيمون بيريز الأكبر منه بخمسة أعوام آخر من تبقى من هذا الجيل الثانى الذى شهد عملية تأسيس الكيان . و أقصد أن شارون كأفضل ممثل للفكرة الصهيونية من أحياء اسرائيل قد انتهى مهزوما حين أعلن تخليه عن الفكرة الصهيونية الجوهرية (اسرائيل الكبرى) و عندما أصيب بالجلطة الدماغية أو (الموت السريرى) فقد كان ذلك مفارقة مذهلة. لأنه كان رمزا لما هو أخطر :

ان الذى مات إكلينيكيا حقا هو الفكرة الصهيونية. ليس بمعنى ان هؤلاء سيكفوا عن العدوان و الاستيطان و التآمر الشيطانى على الأمة و لكن بمعنى أنهم بدأوا يعترفون ببداية النهاية لمشروعهم ، و ان حالة عدم اليقين أمسكت بتلابيبهم و هى حالة يهودية مزمنة. و ان الجهاد الفلسطينى هو وحده الذى أوصلهم الى هذه الحالة التى وصفوها بـ "العهر السياسى" (صحيفة معاريف) . و أن شارون حول اسرائيل الى "بيت دعارة سياسى" (عوزى لانداو). حين ذهب لتأسيس كاديما فجاء إليه السياسيون من كل الأحزاب بدون أى اتفاقات على أى برامج أو تصورات واضحة .

كانت هذه هى اللحظة المهمة ، لحظة الموت الاكلنيكى للفكرة الصهيونية ، و ليست لحظة انتقال شارون الى غرفة الانعاش ، فهذه الأخيرة – و ان كنا نرحب بها – فلا معنى و لا أهمية كبيرة لها لأن شارون لابد أن يموت كغيره .

و نحمد الله أن رأينا الانكسار على يد شارون حيا ، حتى لايقال ان اسرائيل ضاعت بعد موته ! .

و نقصد بالانكسار ان الكيان الصهيونى اتجه الى اجماع على ضرورة الوصول إلى حل وسط تاريخى مع الفلسطينيين و التخلى عن فكرة اسرائيل الكبرى على كل أرض يهودا و السامره ، و ان المسألة مجرد مسألة مواءمات أمنية و اقتصادية و ليست مسألة عقيدة . و هذا اعتراف بنصف الهزيمة ، وليست كلها بعد على المستوى السياسى ، أما  على المستوى العقيدى فهو هزيمة كاملة ، لان اسرائيل "دولة" قائمة على فكرة ، فاذا ضربت الفكرة ضربت "الدولة" من جذورها. و المثير للإعجاب ان هذا التطور التاريخى حدث بفضل ضربات مقاومة الشعب الفلسطينى شبه الأعزل و فى ظل خيانة الأغلبية الساحقة من الحكام العرب المتعاونين مع الأعداء .

و هذا يؤكد ان تغير الموازين لصالحنا يعتمد بالأساس على حركة الشعوب و صحوتها الإسلامية .

*  *  *

 عن موقع صحيفة الشعب المصرية
 

www.el3amal.net

http://el3amal.shows.it

1

 

إلى صفحة مقالات وأراء3