19/01/2006

 الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني يعلن الحرب علي المسلمين
التخلي عن أسس الإسلام.. شرط للحصول علي الجنسية الألمانية!

  

 برلين ­ وليد الشيخ


فوجئ المسلمون في ألمانيا وفي أوربا بأكملها وبطريقة سرية بإعلان 'هيربرت ريش' وزير داخلية ولاية 'بادن فورتمبرج' الألمانية وعضو الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم في الولاية عن تطبيق نظام جديد من أول يناير الحالي يجبر من يسعون للحصول علي الجنسية الألمانية من المسلمين بالإجابة علي قائمة من 30 سؤالا أطلق عليها 'امتحان للضمير' لإثبات ولائهم للدستور الألماني وهو ما تم التركيز علي أنه سيطبق علي المسلمين فقط وبالذات مواطنو بلاد منظمة المؤتمر الإسلامي ال57، وأن من يجب بطريقة خاطئة فلن يحصل علي الجنسية الألمانية وأي معلومات خاطئة أو تناقض مع هذه المعلومات فيما بعد سيكون مبررا لسحب الجنسية من المسلمين.
وقد توالت الاحتجاجات الحادة من قبل اتحاد الجاليات الإسلامية في ألمانيا بل وحتي الجمعيات العلمانية التركية علي وضع قائمة للمسلمين بالذات دون المسيحيين أو الهندوس مثلا مما اعتبروه بمثابة الشك الجماعي ضد المسلمين ونوع من التمييز الواضح ضدهم، معتبرين هذا 'لطمة علي وجوه المسلمين الذين يعيشون في ألمانيا' وطالبوا في خطاب لوزير داخلية الولاية بإلغاء هذه التعليمات الجديدة، ونصحوا جميع المسلمين برفض الإجابة علي هذه القائمة، لكن مع كل ذلك كان الكثيرون يتوقعون أن الأمر يتعلق بأسئلة حول الانضمام لمنظمات متهمة بالإرهاب أو بالتدريب في معسكرات إرهابية أو حتي بتمويل منظمات متهمة بدعم الإرهاب لكن جميع المسلمين صدموا حين عرفوا قائمة الثلاثين سؤالا والتي جمعت بين العنصرية والتطرف بل والغباء الذي لا مثيل له.
فالسؤالان الأول والثاني يتحدثان عن موقف طالب الحصول علي الجنسية من النظام الديمقراطي الغربي، والثالث والرابع حول الأعمال الفنية التي توجه الانتقاد للأديان وكيفية التعامل مع ذلك، والخامس حول مسألة دعم أي حزب أو جماعة مخالفة للدستور، والأسئلة من السادس حتي الحادي عشر حول تعامل الرجل مع زوجته ومسألة المساواة بينهما وهل هناك وظائف خاصة للمرأة، وبينما ركز السؤال السادس علي موضوع طاعة المرأة لزوجها أو ضربها تحدث السؤال السابع عن الرأي في وجوب تدخل الشرطة في المشاكل الزوجية وقيامها بطرد الزوج في حالة ضرب زوجته!
بينما تركزت الأسئلة من الثاني عشر وحتي العشرين علي عادات وتقاليد المسلم ومسألة مشاركة البنات في النشاطات المدرسية بما فيها حصص السباحة بينما قال السؤال الثاني عشر: 'هل تقبل الذهاب لطبيب من الجنس الآخر لفحصك أو إجراء عملية لك؟!' بينما جاء السؤال الثالث عشر متناقضا مع أحد أهم أسس الإسلام بصورة قاطعة حيث يتساءل: 'ماذا تفعل لو أن ابنتك تريد الزواج من شخص يدين بديانة أخري.. وهذا لا يعجبك؟!!' هذا في الوقت الذي تحدثت فيه الأسئلة الأخري عن مسألة منع الزوجة أو الابنة من ارتداء ملابس ترتديها المواطنات الألمانيات أو كيفية التصرف مع من يقوم بمضايقات جنسية للابنة أو الأخت.
وجاء السؤال الحادي والعشرون عن موقف طالب الجنسية ممن يغير دينه ومعاقبته مثلا بمنعه من الميراث، بينما ركز السؤالان 22 و23 عن الموقف من معرفة معلومات عن قيام جيران أو أصدقاء أو أقارب بعملية إرهابية أو التخطيط لها، وهل منفذو 11 سبتمبر ومدريد إرهابيون أم مقاتلون من أجل الحرية؟ والسؤال 24 حول الموقف من جرائم الشرف، والسؤالان 25 و 26 حول إمكانية زواج المسلم من امرأتين.
لكن السؤال 27 تركز حول موقف طالب الجنسية من الذين يحملون اليهود مسئولية الشر في العالم أو تحميلهم مسئولية الوقوف وراء اعتداءات 11 سبتمبر، بينما اتسم السؤال 28 بالغباء الرهيب حين تساءل عن رد فعل طالب الجنسية لو تم رفض توظيف ابنته واختيار 'امرأة أفريقية سوداء من الصومال بدلا منها'؟ وكأنهم لا يعرفون أن أهل الصومال هم أيضا مسلمون.. أي تنطبق عليهم هذه القائمة!
لكن الأمر وصل إلي حد لا يطاق مع السؤال 29 والذي يقول: 'ماذا سيكون رد فعلك.. إذا جاء ابنك وقال لك إنه شاذ جنسيا وأنه يرغب وبسعادة كبيرة في الحياة مع رجل آخر ؟!!' والسؤال الثلاثون حول الموقف من اعتراف سياسيين ألمان كبار شاذين أنهم شاذون جنسيا؟
والمشكلة المبدئية هنا أن هذا الامتحان للمسلمين من ناحية الشكل يناقض قوانين حقوق الإنسان بل والدستور الألماني نفسه لأن مجرد وضع قائمة للمسلمين فقط دون غيرهم يخالف المادة الأولي من الدستور الألماني والتي تنص الفقرة الأولي فيها علي أنه: 'كل البشر سواسية أمام القانون'. والفقرة الثالثة علي أنه 'لا يجوز التمييز أو إلحاق الغبن بأحد بسبب جنسه أو منبته أو عرقه أو لغته أو وطنه أو أصله أو عقيدته أو رؤيته الدينية أو السياسية'.
أما من ناحية المضمون فإن معظم هذه الأسئلة تتعلق من الأساس بمعتقدات الإنسان وكرامته وحريته وحقوقه الأساسية لذا فهي تتناقض بصورة قاطعة مع الدستور الألماني فالأسئلة الخاصة بكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية المتعلقة بعقيدة المرء وكرامته والبحث في ضميره وشخصيته وعاداته وتقاليده وعلاقته بزوجته وأبنائه تتناقض مع المادة الأولي من الدستور الألماني والتي تنص علي أن 'كرامة الإنسان غير قابلة للمساس بها واحترامها وحمايتها يمثلان واجبا إلزاميا علي جميع السلطات الألمانية، وأن الشعب الألماني يؤمن بعدم المساس بحقوق الإنسان كقاعدة أساسية للتعايش ضمن أي مجموعة بشرية'، وكذلك المادة الثانية التي تنص علي أن 'لكل فرد الحق في بلورة شخصيته طالما أنه لا يمس حقوق الآخرين ولا يخل بالأنظمة الدستورية وأن حرية الفرد غير قابلة للمساس بها'، كما تتناقض الأسئلة الخاصة بأسس الإسلام وقواعده في المأكل والمشرب والملبس مع المادة الرابعة التي تنص علي أن 'حرية الإيمان وحرية الضمير وحرية الانتماء الديني والعقائدي غير قابلة للمساس بها، وينبغي ضمان عدم التعرض لممارسة الشعائر الدينية' هذا ما جعل حتي بعض المحللين الألمان ينتقدون ذلك لأنه ليس له علاقة من قريب أو بعيد بالدولة الليبرالية إذ من يرد أن يصبح ألمانيا فلا يتحتم عليه أن يكون إنسانا صالحا، لكننا نعترف بأن العالم الإسلامي يتحمل قدرا من المسئولية في ذلك خاصة أن الغربيين حين يوجهون أسئلة عن الإسلام فهم يسألون من يسمون بالليبراليين والعلمانيين الذين لا يلتزمون أساسا بالتعاليم الدينية أو يعتبرونها نوعا من التخلف بل إن شيخ الأزهر نفسه يتحمل قدرا كبيرا من المسئولية حين أعطي فرنسا وأوربا كلها التصريح بحظر الحجاب بعبارته الشهيرة عن فرنسا 'من حقها، من حقها، من حقها'.
أما الأسئلة السياسية والثقافية الخاصة بالديمقراطية والمساواة القانونية بل والرأي فيمن قام باعتداءات 11 سبتمبر فهي كلها تتناقض مع المادة الخامسة التي تنص علي أن 'لكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالكلمة والكتابة والصورة' خاصة إذا عرفنا أنه حتي المواطنون الألمان لديهم قناعة بأن الولايات المتحدة هي من قامت بهذه الاعتداءات حتي أن صحيفة 'دي تسايت' كانت قد أجرت استطلاعا للرأي أثبت أن 71 % من الشباب الألماني علي يقين بهذا الرأي.
لكن المشكلة أنه مع هذه القائمة الجديدة نجد أن الأمر تطور بصورة خطيرة وبالذات ضد المسلمين في أوربا خاصة أن هذه القائمة التي تطبق في ولاية 'بادن فورتمبرج' تعد تجربة ينتظر معرفة أثرها لتطبيقها ليس فقط في بقية الولايات الألمانية بل في جميع الدول الأوربية.
وهو الأمر الذي جاء رد فعل لعوامل عديدة أهمها فشل ألمانيا وكذلك عديد من الدول الأخري ومن أبرزها فرنسا التي فوجئت بما حدث مؤخرا في مسألة دمج الجاليات الإسلامية فيها وهو ما لا يعني بالنسبة لها سوي الذوبان التام في الحضارة بغض النظر عن الهوية الدينية أو الثقافية بحيث يتبعون مفهوما طريفا أسموه 'الإسلام الأوربي' يقبل أي شيء بما فيه زواج الابنة من غير المسلم وشذوذ الابن أو تغيير دين الأبناء وليس كما يقترح 'عمرو خالد' في كتابه الذي صدر الأسبوع الماضي بعنوان 'الاندماج والإسلام: الدور المرتقب لمسلمي أوربا' حول الاندماج الإيجابي مع الاحتفاظ بالهوية الدينية، فقد فشلوا في ذلك مع الجيلين الأول والثاني بل والثالث بسبب التمسك بأسس الإسلام والهوية الثقافية الإسلامية، وهو ما جعل الأوربيين يتراجعون عن مبدأ السير علي مفهوم المجتمع متعدد الثقافات، والأغرب أن أكثر من نادي رافضا ذلك ومناديا بما أسماه 'الثقافة المسيطرة' وهي بالطبع الثقافة الغربية المسيحية هو بروفيسور ألماني من أصل سوري يدعي 'بسام طيبي' كان من أكثر من هاجموا المسلمين في أوربا، ثم جاء المؤرخ البريطاني 'برنارد لويس' في مقابلته الشهيرة في مجلة 'دي فيلت' الألمانية منذ عامين ليقوم ليس فقط بتحذير أوربا من المسلمين فيها بل بالتأكيد أنهم بدينهم واحتفاظهم بهويتهم وبمعدل مواليدهم سيمثلون الغالبية بحلول عام 2050م أو علي أقصي تقدير عام 2075م مما أحدث حالة من الفزع لدي المفكرين والسياسيين الأوربيين ومنذ ذلك الوقت بدأ وضع الاستراتيجيات والقوانين 'لتذويب' الهوية الإسلامية وتذويب المسلمين أنفسهم بحلول جيلين علي الأكثر.
والمشكلة أن كل الشروط التي طالبت بها أسئلة ولاية 'بادن فورتمبرج' تتناقض حتي مع ما يحدث في الدول الأوربية وفيما يتعلق بالمساواة بين الرجل والمرأة علي سبيل المثال لا ننسي أن معظم الصحف الأوربية نشرت منذ أسبوعين إحصائية أكدت فيها أن النساء في أوربا يحصلن علي أجر يقل عن أجر الرجل في جميع دول أوربا بلا استثناء رغم أنهن يتفوقن علي عديد من الرجال في المستوي العلمي والكفاءة ومن أبرز هذه الدول ألمانيا التي يقل فيها راتب النساء عن الرجال بنسبة 22 % ! أما فيما يتعلق بضرب الأزواج لزوجاتهم فإن جميع الإحصائيات تؤكد ضرب الأوربيين لزوجاتهم وكان آخرها إحصائية نشرت يوم الأربعاء الماضي تقول إن ثلث النساء المقتولات في فرنسا يلقين حتفهن علي أيدي أزواجهن ، بينما تصل النسبة في الولايات المتحدة إلي الثلثين!
أما حول رفض الشذوذ الجنسي فإن هذا أمر كرره علانية بابا الفاتيكان معتبرا إياه إثما لا يمكن التسامح معه وهو ما انتقدته صحيفة 'دي تاجيس تسايتونج' الألمانية رافضة أن يفرض علي المسلم أن يتصرف في حياته طبقا للائحة قانونية وأن يقبل بما يرفضه الإنسان الألماني العادي في الريف والأقاليم مضيفة أنه حتي الاتحاد المسيحي نفسه والذي يحاول جعل الدستور الألماني دستورا أصوليا متطرفا بحجة مكافحة الأصولية الإسلامية لا يقبل أن تتولي امرأة رئاسة أي مؤسسة إلا علي مضض ويعتبر الأبناء الشواذ كارثة من كوارث القدر.
لكن صدمة المسلمين زادت بحدة مع نشر وكالات الأنباء خبرا يقول إن وزير داخلية ولاية 'هيسن' الألمانية 'فولكر بوفير' وهو من الحزب المسيحي الديمقراطي الذي يحكم الولاية اقترح وضع جهاز للمراقبة حول ساق 'كل مسلم يشتبه به' وهو أشبه بالخلخال، وأقرب ما يكون بالحلقة التي كان يضعها أرنولد شوارزينجر حول رقبته في فيلم العداء 'ذا راننج مان' وهو جهاز هدفه إرسال ذبذبات لمركز المراقبة الرئيسي لبيان حركة الشخص خلال دائرة حركة محددة وإذا تجاوزها يصدر الجهاز إنذارا للمركز لإمكان مراقبة هؤلاء ولاحظوا أن الأمر متعلق 'بالمسلمين' فقط 'وبالمشتبه بهم منهم' أي الذين ليس هناك أي دليل لإدانتهم إنما هم مجرد مشتبه بهم، وهو يعني أن هناك حالة أقرب ما تكون هنا إلي معاملة المسلمين في ألمانيا وبصورة جماعية كمجرمين حتي لو لم تثبت إدانتهم مما لا يعطي الانطباع إلا بأنهم وبصورة جماعية باتوا غير مرغوب فيهم في ألمانيا وأوربا بأكملها.
ورغم أن المسلمين في ألمانيا استبشروا خيرا مع تولي 'فولفجانج شويبله' منصب وزارة الداخلية لما عرف عنه بأنه رجل عقلاني يفصل بين منظمة القاعدة وبين الإسلام إلا أن ما يفعله الحزب المسيحي الديمقراطي في الولايات الألمانية التي يحكمها بات يشير إلي أن ما يحدث ليس مصادفة بل يسير علي استراتيجية واضحة لا تقبل بالمسلمين إلا إذا تخلوا عن الأسس الجوهرية لدينهم رغم أن ذلك مخالف وبصورة لا تحتمل الشك لأهم بنود وأسس الدستور الألماني، الأمر الذي سيؤدي وبيسر إلي سقوط هذه القوانين أمام المحكمة الدستورية الألمانية العليا التي لن تقبل أيضا بسحب الجنسية من أي شخص تثبت مخالفته لأي من هذه الأسئلة حيث لا يمكن تخيل سحب جنسية من شخص ­كما يقول الخبراء القانونيون­ بسبب ضربه لزوجته أو رفضه لخروج ابنته بملابس غير مناسبة أو لا تعجبه طريقة تطبيق الديمقراطية الغربية.
وهو ما أكده المحلل الألماني 'شتيفان راينكن' بقوله إن ما يجري في ولاية 'بادن فورتمبرج' بعد مطالبة وزير داخلية ولاية 'هيسن' وعضو الاتحاد المسيحي ما هو إلا نوع من الاضطهاد الديني لهم وهو الأمر الذي يرفضه الدستور نفسه كما أن قائمة الأسئلة هذه ليست مجرد زلة أخلاقية غير مقصودة أو تعبير عن الغلو الزائد بل تتفق تماما مع السياسة المخادعة للاتحاد المسيحي بحيث يبدو أنه بات بحاجة لوضع المسلمين في ألمانيا في صورة الأعداء!
وهو ما لاقي أيضا انتقادات حادة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر ومعظم الاتحادات والجمعيات الألمانية، وكان أبرزها الهجوم الحاد الذي وجهته رئيسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ولاية بادن فورتمبرج 'أوته فوجت' ضد حكومة الولاية متهمة وزير داخلية الولاية بأنه يقوم بذلك بالدعوة إلي 'رؤية للعالم وصورة للإنسان مبنية علي الكليشيهات والأحكام المسبقة' مضيفة أن هذه الأسئلة التي تضمنتها القائمة بحد ذاتها أسئلة سخيفة ومبتذلة ورخيصة، وتنم عن عدم فهم الاندماج الحقيقي للمسلمين داخل المجتمع الألماني، مما يثبت وبوضوح أن حكومة الولاية ليست لديها اتصالات وثيقة بالمسلمين.
وبذلك فلا يوجد أمام وزيري داخلية ولايتي 'بادن فورتمبرج' و'هيسن' إلا حلان لا ثالث لهما: فإما أن يضيفوا عبارة واحدة أمام كل مادة في الدستور الألماني وهي 'هذا لا ينطبق علي المسلمين' وإما أن يضيفوا مادة إضافية للدستور تقول 'يجب علي جميع المسلمين مغادرة ألمانيا'!
 

 عن صحيفة الأسبوع المصرية
 

إلى صفحة مقالات وأراء3