31/01/2006

  

أزمة الكيان الصهيوني تتفاقم

و إجماع حول التخلي عن مشروع إسرائيل الكبرى

نصف الإسرائيليين يهربون من التجنيد الاجبارى

و تل أبيب عاصمة الدعارة في العالم

دلائل انهيار النظام الحزبي الذي أسس الكيان الصهيوني

الحزبان الرئيسيان في تراجع منذ عام 1988

و لا يحصلان معا على نصف مقاعد الكنيست

بعد حرب أكتوبر و هزيمتهم في لبنان و الانتفاضة تعلموا أن التوسع العسكري لم يعد ممكنا

 

 بقلم/ مجدي أحمد حسين

magdyhussien@hotmail.com

 

الكيان الصهيونى عندما زرع فى قلب للوطن العربى كان مايزال يستند لفكرة ، فاذا اهتزت هذه الفكرة فى عقول قاطنى الكيان فانه يصبح فى مهب الريح. على العكس فى البلدان الطبيعية المستقرة: كمصر – فرنسا – ألمانيا. فهذه البلاد قائمة بحكم حقائق التاريخ و الجغرافيا و ليست محل تساؤل ، و ليست بنت فكرة معينة.

أما الكيان الصهيونى فقد قام على أٍساس فكرة ، و هى فكرة اختلف حولها اليهود أنفسهم ، و لم تنتصر بينهم بسهولة ، بل لعلها لم تستقر فى أفئدتهم تماما إلا عقب "نصر" عام 1967 ، حيث تم احتلال أراضى عربية تبلغ ثلاثة أمثال مساحة اسرائيل ، و الأهم  ان هذه الأراضى تضمنت القدس و الضفة الغربية (يهودا و السامرة) و هى أرض اسرائيل الكاملة ، أرض الميعاد. و هى الأرض التى قام المشروع الصهيونى على أساس استعادتها و ها هى الآن فى قبضة أيديهم .

و الطريف ان الذين تصدوا للمشروع الصهيونى هم علمانيون و لكنهم طرحوا مشروعا يهوديا صهيونيا ، و رأوا ان مزج المشروع "القومى" المرتهن بالنظام الاستعمارى بالدين هو سر نجاحه المفترض ، و ان دولة اليهود يجب ألا تكون فى اوغندا أو الارجنتين بل على نفس مسرح أحداث التوراة .

و هكذا تجمع المتدينون و غير المتدينين تحت لواء مشروع "وطن قومى لليهود فى فلسطين" و ان كانت بعض الفرق المتدينة رفضت التجمع فى فلسطين حتى يأتى المسيح ، و رأت ان العودة لفلسطين معجزة الهية و ليست من أعمال و تدبير البشر و يجب انتظارها مع مجيئ المسيح . و كان كثير من العلمانيين متخوفين من مشروع الدولة ، لأنه سيعرض اليهودى فى بلاد أوروبا لتهم الازدواجية و عدم الوطنية و كان اليهود بالكاد قد حصلوا على الحد الأدنى من حقوقهم الانسانية و الديموقراطية فى أوروبا مع الثورات التى أنهت الحقبة الاقطاعية .

المشروع الصهيونى اذن لم يتقدم إلا بتعبئة نسبة لا بأس بها من يهود العالم و ليس كل اليهود حول الفكرة الصهيونية: بناء دولة على أرض اسرائيل الكبرى.

و من طرائف التاريخ الصهيونى أنه كان هناك توجه لتسمية الدولة باسم فلسطين ، و لكنهم عادوا فى اللحظة الأخيرة لتسمية دولة اسرائيل .

و ارتباط الدولة – الكيان بالفكرة يوضحها بشكل جلى قول بن جور يون مؤسس اسرائيل:

"لست واثقا مما اذا كان ولدى عاموس سيدفن بعد خمسين عاما فى أرض اسرائيل " و اذا كانت مخاوف بن جوريون لم تتحقق ، أى ان ما يسمى دولة اسرائيل مايزال موجودا بعد خمسين عاما ، إلا أن نفس الشعور لايزال ينتاب أى اسرائيلى فى فلسطين المحتلة .

و يقول ناحوم جولدمان أحد زعماء الصهيونية "اسرائيل هى الدولة الوحيدة التى لا تستمد من الحقيقة بل من الفكرة ، و ليس من الوضع الواقعى ، بل من أمل اليهود و ايمانهم" أى أن عدم اليقين حالة اسرائيلية. فى عام 1986 صدر كتاب اسرائيل شارك فيه عدد من الخبراء الصهاينة حول توقعاتهم بالنسبة لمستقبل اسرائيل عام 2000 ، و كل ما جاء من تحذيرات فى هذا الكتاب تحقق على أرض الواقع ، و هى تحذيرات من المخاطر التى تهدد وجود الكيان نفسه. و هذا موضوع لا يناقش فى أى بلد طبيعى فى العالم بأسره ، و هو احساس دفين بالحالة غير الشرعية القائمة على الاغتصاب .

يقول اليعيزر شافيدفى هذا الكتاب – "ان صميم وجود دولة اسرائيل معرض لتهديد ملموس اذا لم يتحقق: (1) زيادة كبيرة فى عدد اليهود خلال 10 سنوات. (2)توسع الانتشار الاستيطانى فى الجليل و غور الاردن و النقب بصورة كبيرة. (3)اذا لم نتغلب على الاعتماد الاقتصادى المطلق تقريبا على الولايات المتحدة. (4) اذا لم نوفق فى العثور على وسيلة أكثر نجاحا للتعايش بين المتدينين و العلمانيين" .

من الواضح أن أيا من هذه النقاط لم يتحقق سوى فيما يتعلق باستكمال تهجير اليهود من الاتحاد السوفيتى السابق. لم يعد هناك أى مصدر فى العالم لجلب أعداد كبيرة من اليهود ، و مايزال أغلب اليهود يعيشون مستقرين خارج اسرائيل ، و الجليل يشهد أغلبية عربية و الاستيطان يعانى من التدهور فى غور الاردن و النقب ، بل ان النقب يضرب بها المثل على فشل الاستيطان و كمكان لتهميش اليهود الشرقيين، بل ان المستوطنات المحاذية لغزة تشهد أزمة مضاعفة بسبب الصواريخ الفلسطينية. أما الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة فلايزال قائما ، أما المشكلات بين المتدينين و العلمانيين فقد ازدادت تفاقما و وصلت الى حد اغتيال رابين رئيس الوزراء .

اذن وفقا لتقديرات شافيد (بروفيسور محاضر فى دائرة الفكر الاسرائيلى بالجامعة العبرية ) فان صميم الوجود الاسرائيلى مايزال معرضا لتهديد ملموس .

و هى نفس تقديرات اليشع افرات (أستاذ الجغرافيا فى جامعة تل أبيب ) حيث يقول :

(ان مبادئ أساسية ، مثل الاستيطان الزراعى و القروى كقاعدة لقيام دولة ، مثل ضرورة الاستيطان الطلائعى فى المناطق الحدودية و على امتدادها ، و السعى لتوزيع السكان على المناطق و الأقاليم النائية فى النقب و الجليل و منطقة الجبل ، و استيطان الصحراء و خلافه من المبادئ ، كل هذه الأمور فقدت الكثير من حيويتها مؤخرا و يبدو أنها لم تعد قادرة على تحريك السكان و رؤوس الأموال بنسب ملحوظة).

و ما قيل عام 1986 يتأكد كما ذكرنا بعد 20 عاما ، فلايزال معظم اليهود متركزين فى مثلث وسط فلسطين المحتلة يعانى من اكتظاظ سكانى شديد بصورة أضحت تؤثر على البنية التحتية و الخدمات ، و لكن الأهم من ذلك ما يمثله هذا الوضع من خطر على أمن هذا الكيان المتمركز فى 10 آلاف كيلومتر مربع .

و على طريقة بن جوريون فى الحديث الصريح فقد كان يقول اننا (لسنا شعبا) ، و يقول:"علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا لا يسأله أى شعب: هل نحن شعب ؟ و أنا أجيب، لسنا شعبا حتى الآن .. اليهود يأتون من الدول كافة و لا توجد لديهم لغة مشتركة ، و ليس لديهم فكرة عن اتساع الفجوة بين القادمين من بلدان مختلفة "

كان ذلك فى عام 1952 ، و لكن هل تغير الأمر كثيرا فى 2006 مايزال اليهود يأتون من أثيوبيا و روسيا و الهند و غيرها و ما يزال الانصهار متعذرا و هو ما يؤدى الى هجرة مضادة غير قليلة. لقد قال بن جوريون ذلك فى اطار طرحه لأهمية الجيش كبوتقة رئيسية فى عملية بناء "الأمة" من خلال التجنيد الالزامى لجميع الشباب. و قد تم تنفيذ ذلك و لكن ما هو الوضع الآن؟ فى عام 2003 لا يخدم الجيش الاسرائيلى خدمة كاملة إلا نصف الاسرائيليين و ان النصف الآخر لم يخدم فى جيش الاحتياط يوما واحدا ، بل تنتشر مقولة شعبية تقول: إن ثلث المجتمع الاسرائيلى يخدم عسكريا بالفعل ، و ان ثلثه يدفع الضرائب ، و ثلثه ينصاع للقانون فى حياته اليومية ، و المشكلة أنه الثلث نفسه" !!

و هكذا فبعد تآكل المستوطنات الزراعية ، الكيوبتزات ، و التجمعات الحدودية كبوتقة لبناء الدولة ، ها هى أهم بوتقة (مؤسسة الجيش) تخرج عن أداء مهمتها التى حددها مؤسس دولة اسرائيل لصهر القادمين من مختلف الأعراق و البلدان. و يأتى هروب نصف الاسرائيليين من التجنيد فى اطار نوع من التهرب المقنن من خلال استغلال ثغرات قانونية و شهادات صحية مزيفة ، أو التسجيل فى مدارس دينية و غيرها من الثغرات. المهم ان الكيان تعايش مع هذا التصدع و لم يقاومه رغم انه لم يتوقف عن استخدام الجيش فى حروب متتالية أو كأداة لقمع الانتفاضة الفلسطينية .و هذا ينقلنا الى نقطة بالغة الأهمية.. و هى تحول الكيان الصهيونى من كيان متقشف محارب إلى كيان استهلاكى ترفى. فهناك بون شاسع بين حياة الغزاة الأوائل لفلسطين الذين جاءوا باندفاعة المشروع الجديد و باستعداد نفسى للبذل و العطاء و فى ظل شروط معيشية بالغة القسوة ، و بين حياة الأجيال الصاعدة الآن فى الكيان الصهيونى أو المهاجرة إليه فهؤلاء لا يفكرون بعد الأمن إلا فى الحياة الاستهلاكية الترفية. حتى قيل ان الشاب الاسرائيلى لا يفكر الا فى ثلاثة “V” : فيديو – فولفو – فيلا.

فى عام 1986 بدأ شيمون بيريز يتحسر على أيام "الكيبوتز" و "الموشاف" و يقول:"اننا نقضى على ما كان مصدرا لاعتزاز دولة اسرائيل لفترة طويلة. و لكن لا ينبغى التنازل عن الحلم الاسرائيلى الذى يجب ألا ينحصر فى شراء الفيديو أو بمراقبة مسلسل "دالاس" !

و لكن احصاءات عام 2001 تشير الى ان الحلم الاسرائيلى مايزال متركزا فى الأجهزة الكهربائية ، 71% من الاسرائيليين لديهم ميكروويف – 99,8% ثلاجة – 93,5% غسالة – 89% تلفاز – 50% كمبيوتر – 91,7% هاتف أرضى واحد على الأقل – 73,8% هاتف محمول واحد على الأقل – 22,5% اتصال بالانترنت – 56,6% سيارة واحدة على الأقل. و يظل 50% يتهربون من التجنيد بصورة مقننة ، أما الكيبوتز و الموشاف فقد ذهبا أدراج الرياح !

كان من ضمن أعمدة الكيان الصهيونى الدور الطاغى للدولة و القطاع العام فى الاقتصاد أما الآن انخفض دور القطاع العام من مجمل الانتاج من 68% عام 1987 الى 49% عام 1999 ، و كان من أهم التطورات خصخصة ممتلكات الهستدروت (الاتحاد العام لعمال اسرائيل) و قد كان عمودا فقريا للاقتصاد و للدولة و لحزب العمل الحاكم و لعل هذا من أسباب تدهور مكانة الحزب المؤسس لاسرائيل. و تحول الكيان الصهيونى سريعا الى كيان استهلاكى ترفى ، و انتهى ما كان يمكن ان نسميه اقتصاد الحرب (عدا الصناعات العسكرية المباشرة) ، و انتهت حالة المجتمع المتأهب للصدام و الحروب . شرخ جديد أصاب البنية الايديولوجية للكيان حين قررت حكومة رابين لأول مرة الموافقة على استيراد العمال الأجانب فى عام 1993. و كما يقو ل عزمى بشارة فان (استيراد العمالة يعنى تغيرا جوهريا فى القيم الصهيونية التى شملت تهويد العمل و فصل غير اليهودى من العمل بموازاة تهويد الأرض كجزء من عملية قيام الكيان الصهيونى. و قد "قدست" التيارات الصهيونية العمالية مبدأ "هعفودا هعفريت" أى العمل العبرى ،و دعت اليه ) .

استطلاعات الرأى فى اسرائيل غنية بالمواد التى تكشف الأزمات البنيوية و النفسية لقاطنى هذا الكيان من بينها ما نشرته صحيفة معاريف فى 6/11/2005 عن أن قرابة نصف الاسرائيليين يشعرون بالوحدة (45%) 13% قالوا انهم ليس لديهم أى أصدقاء ، بينما ذكر 32% أنهم ينتابهم الاحساس بالوحدة من حين لآخر  أو بشكل دائم! و هذا بنسبة لا يمكن أن توجد فى أى تجمع طبيعى للبشر .. أما على صعيد الانهيار الأخلاقى فيكفى ان تل أبيب أصبحت توصف بأنها العاصمة الأولى للدعارة فى العالم و مرتع أساسى للشذوذ الجنسى .

و جاء فى صحيفة الشرق الأوسط اللندنية أن دراسة اسرائيلية أظهرت أن نسبة متزايدة من الشباب الاسرائيلى يبدون درجات استعداد متدنية للمشاركة فى الدفاع عن الدولة ، و يبدون استعداد لمغادرتها. و رفعت الدراسة التى ستقدم لمؤتمر "هرتسيليا" الذى سيعقد فى أواخر يناير 2006 تحت عنوان "الحس الوطنى و الحصانة القومية فى اسرائيل" للرئيس موشيه قصاب .

و أشرف على اعداد هذه الدراسة كل من رئيس معهد السياسات و الاستراتيجية فى المركز متعدد المجالات فى هرتسيليا عوزى اراد و الباحث فى المركز غال الون. و تكشف الدراسة النقاب عن أن ارتباط مجموعات كبيرة فى المجتمع الاسرائيلى بالدولة "آخذ بالوهن". و حسب الدراسة فإن ذوى الدخول المنخفضة مستعدون بقدر أقل للمشاركة فى الدفاع عن الدولة فى حال اندلاع حرب ، حيث ان 16% من ذوى الدخل المنخفض غير مستعدين للدفاع عن الدولة فى حالة نشوب حرب. و اعتبرت الدراسة أن أكثر المعطيات قلقا هو حقيقة ان واحد من كل أربعة اسرائيليين مستعدين لمغادرة اسرائيل اذا ما ادى ذلك الى تحسن وضعه الاقتصادى. و قال حوالى 50% من الأباء الشباب إنهم سيشجعون ابناءهم على مغادرة الدولة .

من ناحيتها نقلت صحيفة "معاريف" عن الرئيس الاسرائيلى موشيه قصاب قوله بأنه "قلق من انخفاض الحس الوطنى فى اوساط الجيل الشاب".

إن الأزمة البنيوية الداخلية لهذا الكيان المصطنع ليست هى موضوعنا الرئيسى ، فنحن نركز على خيط أساسى و هو تراجع قاطنى هذا الكيان عن طموحهم الأول باقامة دولة اسرائيل الكبرى ، و هو الطموح الذى تعزز فى حرب 1967. و انكماش الحلم الصهيونى و الاستعداد المتواصل للتنازل عن أقسام أكبر مما كان متصورا من الاراضى المحتلة يعكس ان هذا الكيان أصبح مترهلا لا محاربا و أنه أرهق  من مواصلة الدخول فى صراعات مع العرب و الفلسطينيين مع ادراك متزايد بأن القوة المسلحة لها حدود قصوى و أنها وحدها غير كافية لتحقيق الطموحات. و هذا يمكن بالنسبة لأى مجتمع طبيعى قائم على العدوان ، فالتنازلات واردة. و لكن بالنسبة لمجتمع غير طبيعى فان التنازل هنا يعكس تنازلا فى جوهر العقيدة و ليس عن بعض الأراضى و هو الأمر الذى يعود فيفاقم الأزمة الداخلية لمجرد الوجود. و الشئ المعجز أن ذلك تم بسواعد المقاومة اللبنانية ثم الفلسطينية فى ظل استخذاء و انهيار عربى رسمى أمام اسرائيل ، و هذا هو الانجاز الأعظم لحركة الشعوب المقهورة بالحكام الخونة و العملاء .

كان لابد من الاشارة السريعة لعناوين تفكك و ترهل الكيان الصهيونى بشكل عام قبل أن نلج أكثر فى موضوعنا الرئيسى ، و كيف وصل يهود اسرائيل ( أحزاب و جمهور) الى شبه اجماع على ضرورة التراجع عن فكرة اسرائيل الكبرى ، لندرك حجم انجاز الشعب الفلسطينى و القوى الشعبية العربية و الاسلامية التى ساندته  ، إذن فان الأمة تتقدم رغم كل عنفوان و وحشية الهجمة العسكرية الصهيونية- الأمريكية مع تواطؤ و مشاركة معظم الأنظمة العربية و الاسلامية .

و نبدأ بتصدع النظام السياسى الحزبى كأحد أبرز مظاهر تفاقم أزمة بنية الكيان الصهيونى ، و النظام الحزبى الاسرائيلى هو أهم شئ ، لأنه هو الذى أسس الدولة و أسس الجيش .

كان حزب العمل الاسرائيلى (الذى أخذ أسماء مختلفة من قبل ) هو مؤسس الكيان الصهيونى ، هو أساس الوكالة اليهودية التى قامت بأكبر عملية تهجير منظمة ، و مؤسس الجيش الاسرائيلى ، و كافة الأجهزة الأمنية و الاستخبارية و الهستدروت و كل مفاصل و هيكل الكيان الصهيونى ، و تتكون قيادته و معظم قاعدته من اليهود الغربيين (الاشكناز) و كان بجواره حزب حيروت ( حزب بيجن) كحزب صغير يعمل فى كنفه فى اطار نفس الأهداف الصهيونية ، و كان حزب العمل (الماباى) حزب الصقور و المتشددين الذى خاض كل المعارك التصفوية و المجازر فى حق الشعب الفلسطينى ، و لذلك لم يكن حزب حيروت كحزب أكثر تشددا لديه ما يضيفه فى هذا المجال و بالتالى لم يطرح نفسه كبديل ، و لكن تحلقت حوله تجمعات اليهود الشرقيين المهمشين و التيارات الدينية (فيما عرف باسم تجمع الليكود) .

و ظل حزب العمل و الجماعات المحيطة به حزبا حاكما بصورة دائمة منذ تأسيس الكيان عام 1948 حتى عام 1973 بمقاعد فى الكنيست تتراوح بين 40 مقعدا حتى 56 مقعدا (و قد كان أعلى نتيجة عام 1969: 56 مقعدا بسبب نتائج حرب 1967) .

و كانت حرب 1973 أول ضربة قاصمة لحزب العمل لأنها كانت أول انكسار كبير للكيان الصهيونى ، و أول ضربة كبرى للجيش الصهيونى رغم النتائج العسكرية غير الحاسمة للحرب . و لكن ما حدث فى معركة العبور كان صدمة كبرى للغطرسة الصهيونية وصلت الى حد الاطاحة بحزب العمل و القضاء على انفراده بالسلطة فبدأ مسلسل الهبوط بهزيمة انتخابات 1977 و حصوله على 32 مقعدا ثم 26 مقعدا فى انتخابات 1999 حتى بلغ ذروة الانهيار فى انتخابات  2003 حيث حصل على 19 مقعدا !! و كما نرى فنحن لسنا امام هزيمة حزب سياسى أو تراجعه و هو ما يحدث فى مختلف بلدان العالم ، و لكنه الحزب المؤسس للدولة ، و قد أشرنا الى بعض أسباب ذلك . و لكن من المهم ادراك إن انهيار حزب العمل وثيق الصلة بانهيار المشروع الذى أسسه .

و هذا ينقلنا الى الحزب الثانى أو الركن الثانى للنظام ، الليكود ، الذى بدأ هامشيا يتراوح بين 8 نواب (1951) الى 26 نائب (1969) .

و لكن بعد الثقة التى اهتزت فى حزب العمل فى حرب 1973 ، بدأ الجمهور الذى تحكمه عقدة الخوف و عدم اليقين من مجرد الوجود ، التوجه نحو الطرف الأكثر تشددا للحفاظ على مكاسب حرب 1967 ، أى نحو الطرف الأعلى صوتا فى موضوع اسرائيل الكبرى ، فرغم احباط الجمهور إلا انه لم يستسلم بسهولة .

و هنا نجد ارتفاع شعبية الليكود الى 39 مقعدا عام 1973 ثم 43 مقعدا فى 1977 حيث حكم الليكود لأول مرة ثم 48 مقعدا عام 1981 .

و هنا يجب أن نلاحظ ان التطورات الجوهرية التى تعترى الكيان الصهيونى تعود بالأساس لعوامل خارجية ، و بالأخص تلك المتعلقة بالصراع العربىالصهيونى ، الفلسطينىاليهودى و ليس صحيحا ان الجمهور كان يختار بين برامج بقدر اختياره للطرف الذى يثق فيه أكثر فى لحظة محددة ، بدليل ان الليكود هو الذى قاد مفاوضات كامب ديفيد ، و التنازل عن سيناء ، و تفكيك المستوطنات بها ، و ان كنا من وجهة نظر وطنية مصرية عربية و اسلامية رفضنا و نرفض كامب ديفيد ، و لكننا ننظر الآن من زاوية العدو ، العدو – وفقا لبرامج الليكود و حتى وفقا لبرامج العمل فى أعقاب هزيمة 1967 - كان يرفض التخلى عن أرض اسرائيل الكبرى ، و كان يرفض مبدأ العودة لخطوط 4 يونيو 1967 مع أى دولة عربية .

و عندما نتحدث عن الجمهور فنحن لا نفصل ذلك عن القيادات الصهيونية ، و مما يؤسف له أن نقرر ان الكيان الصهيونى يوفر أعلى درجة من التفاعل بين النخبة الحاكمة و الجمهور و أن التفاعل متبادل بين الطرفين ، و ان التحديات التى تواجه الكيان ، تجعل أطراف النخبة و الجمهور تتوحد فى كل لحظة حول موقف عام محدد ، و بالأخص فى مواطن الخطر . و استطلاعات الرأى أداة بالغة الأهمية فى الكيان الصهيونى أكثر من أى مكان آخر  و مواقف القادة تعتمد بشكل شديد عليها ، و يبدو ان هذه الاستطلاعات تتم بأدنى قدر من التلاعب و هو ما يكسبها  مصداقية فى اكتشاف الموقف الحقيقى للرأى العام. على خلاف استطلاعات الرأى فى بعض البلاد الغربية و التى لا يعتد بها عادة .

اذن كان التوافق الصهيونى و بقيادة أقصى اليمين على الانسحاب من سيناء و تفكيك مستوطناتها (رغم الثمن الباهظ الذى دفعته مصر و دفعه العرب مقابلها ) أول شرخ فى جدار المشروع الصهيونى الذى يقدس المستوطنات ، كما ان سيناء من الأماكن المقدسة فى التوراة ، و جزء لا يتجزأ من مشروع من النيل الى الفرات. و هذا يفسر الاملاءات الصهيونية على مصر بخصوص الوضع الخاص لها فى سيناء (كدخول الاسرائيليين لها بدون تأشيرة دخول .. الخ ) .

على أى حال كان اخراج مصر من الصراع و نزع سلاح سيناء مع فتح باب التطبيع مكسب كبير للكيان الصهيونى ، و بالتالى فان تدمير مستوطنة ياميت و غيرها لم يكن خسارة كبيرة ، و لم يخدش الفكرة الصهيونية بشكل مباشر التى ماتزال تركز على يهودا و السامره (الضفة الغربية) فهذه هى أرض الميعاد بدون لبس.

و لكن الصهاينة كانوا قد فكروا فى أفضلية الاحتفاظ بسيناء أطول فترة ممكنة حتى و ان لم يضموها رسميا ، فقد كانوا قد أصابهم الخيلاء بحجم الامبراطورية التى تمتد حتى خطوط القناة . و لكن تداعيات حرب 1973 ، و اندلاع الثورة الايرانية جعل ذلك من غير الممكن ، و رأت أمريكا ان كسب مصر للتحالف الغربى ضرورة من أجل مواجهة فقد ايران كما أكدت وثائق المفاوضات.

و كما كان اخراج حزب العمل من السلطة نتيجة مباشرة لحرب 1973 ، فقد كانت نهاية بيجن السياسية ، و من ثم خروج الليكود من السلطة بسبب الهزيمة فى حرب لبنان و بسبب الارهاق الصهيونى من الانتفاضة الأولى .

و بدأ مسلسل هبوط الليكود من 41 مقعدا عام 1984 حتى وصل الى 19 مقعدا عام 1999 و هنا يجب التوقف عند هزيمة اسرائيل فى لبنان.. لاحظوا ان نشاط الجيش الاسرائيلى امتد من بيروت شمالا حتى قناة السويس جنوبا .. و كان الاحتلال الصهيونى قد تمترس فى الشريط الحدودى بعد أن طردته المقاومة اللبنانية من شتى أنحاء لبنان ، و فى هذا الشريط مجموعة من الأنهار أهمها الليطانى ، و هى منطقة داخلة فى مشروع اسرائيل الكبرى و ربما أكثر حيوية من سيناء ، و جرت عمليات استيطانية جادة فى هذه المناطق و لكن من خلال التهويد السياسى لما سمى جيش سعد حداد المارونى ثم وريثه انطوان لحد ، أى كان استيطان بالوكالة و قد دحر هذا المشروع الاستيطانى التوسعى بصورة كاملة على يد المقاومة الاسلامية بقيادة حزب الله ، و بانسحاب اسرائيلى مهين و مشين عام 2000 ، و كان هذا هو الانسحاب الثانى لاسرائيل من دائرة اسرائيل الكبرى ، و هذه المرة بهزيمة مبرمة بدون مقابل (على عكس سيناء) ، بل تجاوز ذلك من مجرد انسحاب عسكرى (عدا مزارع شبعا) الى ضربة اجهاضية لما يسمى المشروع اللحدىالمارونى ، كحليف للمشروع الصهيونى. و المشاركة فى ضرب هذا المشروع من الأمور التاريخية التى يجب ان تحسب للدور السورى فى لبنان (فى جانبه الايجابى) و قد وصل بعدها المشروع المارونى الانعزالى المتحالف مع اسرائيل الى أقصى درجات ضعفه. و ما نشاهده اليوم من انتفاضة عكسية تحت شعارات وطنية لبنانية ضد سوريا – فى أحد مظاهره – استعادة الزخم لهذا المشروع المعادى للعروبة و المتحالف مع اسرائيل باسم الوطنية اللبنانية التى لا تمارس إلا ضد سوريا !! و عاد الكيان الصهيونى منكمشا فى اتجاه حجمه الأصلى و بقيت الضفة و غزة و الجولان .

و هكذا وجد الجمهور الاسرائيلى نفسه يتخبط بين الحزبين الكبيرين دون حدوث تقدم حقيقى فى مجال الأمن ، و هو المجال الأكثر أهمية لأى اسرائيلى ، و بدأ الجمهور ينصرف عن الحزبين معا ، و زادت عمليات التفتت الحزبى فى الكنيست ، و أصبح الأصل ألا تكمل دورة الكنيست و تجرى انتخابات مبكرة . و بينما تراوح مجموع مقاعد الحزبين بين 60 مقعدا فى 1949 الى 95 مقعدا فى عام 1981 وصل الحزبان الى أدنى مستوى عام 1999 45 مقعدا أى أقل من نصف الكنيست .

و أصبحنا أمام تآكل حقيقى للعمودين الرئيسيين للنظام السياسى دون أن يظهر بديل ثالث قادر على القيادة و مرشح لها . وصلت اسرائيل الى حالة يسميها عن حق عزمى بشارة (حالة انحلال سياسى) ..  و يشير استطلاع نشرته صحيفة معاريف 1/11/2005 ان 88% من الجمهور الاسرائيلى يعتقد ان زعامات الدولة تفتقد النزاهة و العدالة و يعتقد 69% ان مستوى القيادة فى تدهور !

بعد المحطة اللبنانية و بالترافق معها اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى ، و هو ما أصاب الاسرائيليين باحباط عميق ، فقد تصوروا ان تصفية منظمة التحرير الفلسطينية فى لبنان كفيلة بتصفية القضية الفلسطينية و اجبار فلسطينى الداخل على القبول بحكم ذاتى ذليل . فاذا بانتفاضة الحجارة تزلزل الكيان الصهيونى من داخله ، و أصبح الصهاينة كالمستجير من الرمضاء بالنار ، أو كالسجين الذى يتخبطه مس من الشيطان فيتخبط فى جدران زنزانته لا يعرف من أين الخروج من أزمته .

مرة أخرى ، اننا نرفض اتفاقيات أوسلو و ما تفرع عنها من اتفاقات فرعية عديدة ، و مع ذلك فقد كانت بالنسبة للاسرائيليين حيلة جديدة للتخلص من الانتفاضة الأولى عبر وسائل سياسية بعد فشل الوسائل العسكرية . و أتت بدورها لتخدش "نقاء" الفكرة الصهيونية ، فقد أصبحت أرض اسرائيل الكبرى ، محلا للتفاوض و الأخذ و الرد ، مجرد وضع يهودا و السامرة على مائدة المفاوضات أمر غير محتمل صهيونيا ، على أساس ان أى مشروع حكم ذاتى قد يكون نواة يوما ما لدولة فلسطينية ، و لذلك عارض الليكود و حلفاؤه المتدينون أوسلو بشراسة شديدة ، بينما كان رابين (قائد حزب العمل) – يكاد يتقيأ فى البيت الأبيض – و هو يصافح ياسر عرفات .

و عندما جاء الليكود للحكم (نتنياهو) حاول التباطؤ فى خطوات الاتفاقية. و لكن مع حلول عام 2001 سلمت الأحزاب كافة باتفاقيات أوسلو (عدا الاتحاد الوطنى) حقا ان الواقع تجاوز اتفاقية أوسلو و قد تحولت الى جسد ميت ، بفضل تصاعد الجهاد الفلسطينى ، و مع ذلك فان قبول جميع الصهاينة تقريبا بها عكس الاستعداد من حيث المبدأ للتفاوض حول مصير يهودا و السامره ، فى حين أن التلاعب لا يجوز فى مثل هذه الأمور العقائدية ، بل فى جوهر الفكرة الصهيونية التى من المفترض ان الدولة المزعومة قامت من أجلها ..

و الآن نصل الى بيت القصيد ، إلى انتفاضة الأقصى التى اندلعت فى سبتمبر 2000 و التى مانزال نحيا فى بركاتها حتى الآن ، و كيف حسمت الموقف داخل الكيان الصهيونى نحو مزيد من التنازل ، و الى حد التخلى عن مشروع اسرائيل الكبرى فيما يشبه الاجماع .   (يتبع)

 

* * * * * * * *

www.el3amal.net

el3amal.shows.it

 

 مراجع هذا المقال :

(1)             من يهودية الدولة حتى شارون – عزمى بشارة – دار الشروق – الطبعة الأولى 2005 القاهرة

(2)     الكيان الصهيونى عام 2000 – نخبة من السياسيين و الباحثين الاسرائيليين – وكالة المنار للصحافة و النشر المحدودة – نيقوسيا – قبرص – الطبعة الأولى مارس 1986. أبرز الكتاب شيمون بيريز .

(3)             مختارات اسرائيلية – مركز الدراسات السياسية و الاستراتيجية – الأهرام – العدد 132 ديسمبر 2005 القاهرة

(4)             حالة انحلال سياسى عزمى بشارة – الحياة اللندنية 15 ديسمبر 2005

(5)     كيف صنع اليهود الهولوكوست – نورمان فنكلشتاين – دار الأوائل – الطبعة الأولى يوليو 2003 – دمشق – سوريا. و يشير المؤلف و هو يهودى أمريكى الى عدم حماس يهود أمريكا للمشروع الصهيونى (اسرائيل) إلا بعد هزيمة 1976 (صـ41 – 47) .

 

 

إلى صفحة مقالات وأراء 3