28/01/2006

  

في مشكلة الشفاعة وشُبهة الواسطة

 

 بقلم :د . يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

تعود لتظهر بين آونة وأخرى بعض تطاولات الجاهلين الذين ينكرون ما لا يفهمون من بعض مسائل العقيدة الإسلامية ، من ذلك ما حدث أخيرا في بعض الفضائيات من تعرض بعضهم  منكرا لعقيدة الشفاعة . من حق هؤلاء أن يتساءلوا وأن يبحثوا لكن ليس من حقهم أن يقرروا بمحض أفهامهم المتواضعة ، وأمزجتهم المضطربة ..  ما ليس لهم دراية به ، وان يضللوا من وراءهم بحكم نفوذهم وسلطانهم .

 

ومن ذلك إنكارهم لمسألة الشفاعة ، وهي في العقيدة الإسلامية ثابتة نقلا وعقلا ، والشفاعة هي سؤال الخير من الغير للغير. : سؤال النبي من ربه العفو لأمته أو بعضها .

وقد ورد ذكر الشفاعة في القرآن الكريم منفية ومثبتة ، منفية حين تكون منسوبة لأوثان المشركين ، ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) 254 البقرة ، ومثبتة حين تكون لبعض أنبيائه وأوليائهم ممن ارتضى الله لهم مما نبينه تفصيلا بعد ، وفي بعض شأنهم ، بأمر الله وبإذنه يقول تعالى : ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ) 1 09 طه ،  ويقول تعالى ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) 255  البقرة آية الكرسي ، ويقول تعالى ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) الأنبياء 28

وقال عليه الصلاة والسلام ( أنا أول شافع وأول مشفع )

وفي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) صحيح مسلم

ويقول : ( لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجل كل نبي دعوته لأمته ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ، فهي مائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا ) متفق عليه

وفي المقام المحمود الوارد في قوله تعالى " عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " يراد به ما يكون يوم المحشر عندما تتوجه الأمم إلى أنبيائهم ، يسألونهم أن يشفعوا لهم عند ربهم من شدة هوله ، فيتراجعون عن ذلك ، ويطلبون منهم أن يذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم يطلبون منه الشفاعة فيقول : ( أنا لها أنا لها ،  ويسجد تحت العرش فيناديه الله تعالى : يا محمد ارفع رأسك سل تعط ، واشفع تشفع ، فيشفع في قضاء الله في الخلائق يوم القيامة

وهذه هي الشفاعة العظمى ، وهي من خصائصه صلى الله عليه وسلم وفقا لقوله ( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي .. وأعطيت الشفاعة ) صحيح مسلم

وفي صحيح البخاري أن الرسول صلى اله عليه وسلم : ( قال : من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة )

وإذ يثبت الإمام الباقلاني الشفاعة يذكر أن المعتزلة فريقان في هذه المسالة ، فريق ينكرها أصلا ، وفريق يقول بها لثلاث فئات من المؤمنين :  أصحاب الكبائر الذين تابوا عنها ، وأصحاب الصغائر ، ، ومن  لم يذنب أصلا ( التمهيد ص 169 ، 51

وعلى وجه التفصيل فالشفاعة أنواع :

الأول : الشفاعة في فصل القضاء ،  لإراحة الناس من هول اليوم ، وقد تقدم ذكرها ، وتكون للنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره .

وهي مما اتفقت عليها جميع الأمة حتى المعتزلة والخوارج على الأرجح

النوع الثاني : الشفاعة في قوم يدخلون الجنة بغير حساب ، ودليله حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب  وسؤال عكاشة بن محصن أن يكون منهم . وهذا النوع متفق عليه أيضا

النوع الثالث : الشفاعة في زيادة الدرجات لبعض من يدخل الجنة ، فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم ، وهذا النوع متفق عليه أيضا ، وهذه ليست خاصة بالنبي بل يشاركه فيها الأنبياء والملائكة والصالحون .

النوع الرابع :: شفاعته صلى الله عليه وسلم فيمن استحق دخول النار من عصاة المؤمنين أن لا يدخلها ، أو لمن دخلها أن يخرج منها

وذهب أهل السنة وآخرون إلى أنها جائزة نقلا ، وعقلا ، أما عقلا فبناء على أن غفران الذنوب لغير الكافرين جائز عقلا وشرعا بدون شفاعة ، لقوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) النساء 48 ،  فجوازه بالشفاعة أولى .

أما وقوعه  فيدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) صحيح مسلم

وأخرج الشيخان وقوله صلى اله عليه وسلم في الشفاعة ( يارب أمتي أمتي ) يقول الله تعالى ( انطلق فمن كان في قلبه حبة من شعير من إيمان فأخرجه من النار ) فإذا انطلق النبي ففعل ثم عاد للسؤال قال الله له : ( انطلق فمن كام في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها ) فإذا عاد الثالثة قال : ( انطلق فمن كان في قلبه أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها ) فإذا عاد الرابعة قال : (  رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله ) قال تعالى ( ليس ذلك إليك ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال " لا إله إلا الله " )

 

أما المعتزلة فقد ذهب بعضهم إلى أن هذا النوع من الشفاعة  يقع لأصحاب الصغائر فقط ، أما أصحاب الكبائر فلا تقع لهم إلا إذا تابوا بناء على مذهبهم في مرتكب الكبيرة وأنه لا يسمى مؤمنا أصلا

 

خامسا : الشفاعة للكافرين ، وهذه مستحيلة لقوله تعالى : ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) المدثر 48 وقوله تعالى : ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) البقرة 254 وقوله تعالى : ( واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ، ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون )البقرة 48 ولقوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء )

ومن المهم هنا القول بأن هذه الآية لا تدل على أن غير الشرك من الكفر – كإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مثلا – داخل في حدود الغفران ، لأن الكفر مهما يكن نوعه ليس دون الشرك ، وإن كان غيره ، بدليل قوله تعالى " إن الذين يكفرون بالله ورسوله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسوله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا ، وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) 150 – 151 النساء

 

ولا يصح نفي الشفاعة مطلقا استشهادا بهذه الآيات الأخيرة  ، ودليلنا في القاعدة الأصولية في العام والخاص ، والمطلق والمقيد ، وتطبيقا لذلك  فحيث يشتمل القرآن على آيات في موضوع واحد بعضها يثبت الموضوع وبعضها ينفيه فوجب أن يكون ما ينفيه غير ما يثبته ، فالشفاعة التي أثبتها غير الشفاعة التي نفاها ، فالشفاعة المنفية هي الشفاعة للكافرين والمشركين ، والشفاعة التي  يثبتها هي للمؤمنين والعصاة منهم . ويجمع الطرفين – الشفاعة المثبتة والمنفية - قوله تعالى ( ما من شفيع إلا من بعد إذنه )

 

وفي تقديري أن الحوار مع بعض هؤلاء النفاة  يستحق أن يدور في هذه المسالة  حول مبدأ العدل ، ومبدأ الوساطة

فالأمر الذي لاشك فيه أن العدل في العقيدة الإسلامية مبدأ مطلق ، ألزمنا الله به بقدر المستطاع ، وألزم به نفسه – كما أخبر عن ذلك سبحانه  - على وجه الإطلاق . وعلى قدر ثبات مبدأ العدل إسلاميا كان ثبات مبدأ انتفاء الواسطة في العلاقة بين العبد وربه ، ولسنا بحاجة إلى سوق الأدلة على ذلك ، فهو من المسلمات عند المسلمين جميعا ، بل إن كونه من المسلمات على هذا النحو هو ما دفع ببعضهم  إلى إنكار الشفاعة على قاعدة عقلية صلبة ، من وجهة نظرهم أجازت لهم إنكار كل ما يتعارض معها : من تفسير لقطعي في الإسلام ، أومن نص لا يصل إلى مرتبة القطعيات .

ومن الواضح أن شبهة التعارض مع مبدأ العدل قد تأتي من تأمل واقعتين تقتضيهما الشفاعة يوم القيامة كما هي عند أهل السنة : أن واحدا من مرتكبي الكبائر في الدنيا وليكن اسمه ( س ) مثلا ، يشفع له الشفيع يوم القيامة فلا يدخل دار العقاب ، أو يخرج منها  فلا يستكمل عقابه فيها ، وآخر قد ارتكب نفس ما ارتكب الأول ولنسمه (ص) مثلا لا يحصل على شيء من هذه الشفاعة فينال عقابه كاملا : أين العدالة في ذلك وكل منهما قد ارتكب المعصية نفسها ؟ نحن في هذه المشكلة أمام ثلاثة عناصر لا يصح الخلط بينها : الأول ما حدث لمن نال  الشفاعة وهو (س )، والثاني ما حدث ل (ص) ، والثالث : في المقارنة بينهما ، أما ما حدث للأول وهو (س) الذي نال العفو  : فلاشك  في أنه لم يظلم مثقال ذرة ، فالأمر يجري معه في دائرة لا مساس فيها بمبدأ العدل باتفاق ، أما ما حدث للثاني وهو (ص) فقد نال جزاءه  : ارتكب معصية أنذر فيها بعقاب محدد ، وقد ناله هذا العقاب ، بغير زيادة ، فلا شك أنه نال ما نال في دائرة العدل كذلك

بقي العنصر الثالث في القضية : وهو عنصر المقارنة بين ما جري لكليهما ، هنا يشتبه الأمر على من أنكر الشفاعة ، ومصدر الاشتباه هو في اشتباه من نوع آخر : هو في الاشتباه بين مبدأ العدل ومبدأ المساواة ، يمكن لمنكر الشفاعة أن يقول : إن الأمر هنا لم يتحقق فيه مبدأ المساواة ، ولكن ليس له أن يقول إنه لم يتحقق فيه مبدأ العدل ، ولكي ندرك الفرق الدقيق بين العدل والمساواة في تحليل القضية التي عرضناها بخصوص كل من (س ) و(ص)  يظهر لنا بيقين أن (س) قد جرى ما جرى له دون مساس بالعدل ، وأن (ص)  قد جرى ما جرى له بمبدأ العدل كذلك ،  فالزيادة في الإحسان تتفق مع مبدأ الفضل ، ولا تتناقض مع مبدأ العدل ، ، فإذا انتقل أحدهما إلى المطالبة بمبدأ المساواة قلنا له : على رسلك ليس هذا مما التزم به الله سبحانه وتعالى ، لقد التزم سبحانه بالعدل ، ولكنه لم يلتزم قط في عقل أو نقل بمبدأ المساواة ، نعم لقد أمرنا سبحانه بالمساواة وفق شروطها دون أن يأتمر بها جل جلاله ، وأمرنا سبحانه بالمساواة بين المتساويين أصلا ، ولكنه إذا لم يكن التساوي في أصل الخلقة فلا مساواة ، ومن الذي يفرق في أصل الخلقة ؟ هو الله الخالق ، وإذن فهو الخالق على مبدأ التنوع والتفرقة ، لا على مبدأ المساواة والمماثلة ، وليس لبشر إذن يطلب المساواة مع الملك – مثلا – قائلا لم لم أخلق ملكا ؟ ، و لا للقط أن يطلب المساواة مع النمر قائلا لم لم أخلق نمرا ، ولا لليابسة أن تطلب المساواة مع البحر لم لم أخلق ماء رقراقا ، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء ، وهو إذ يفرق ولا يساوي يفعل ذلك لحكمة نؤمن بها مبدئيا دون أن نملك إدراك أحوالها  تفصيليا ، وبالرجوع إلى حالة الشفاعة بين (س) و(ص) ،  نفهم أنها قد جرت على مبدأ العدل ، وإن لم تجر على مبدأ المساواة في الفضل ، لحكمة قد لا نعلمها كما هو الشأن في مجريات الفعل الإلهي قاطبة ، وحتى المعتزلة الذين سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد ذهبوا في الفضل هذا المذهب ، كما جاء في كتاب إيثار الحق للمقبلي ، وفي صحيح البخاري بسنده عن ابن عُمر رضي اللّه عنهما أن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «إنما بَقاؤكم فيمن سلَف من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروبِ الشمس أوتيَ أهل التوراةِ التوراةَ فعملوا بها حتى انتصف النهارُ ثم عَجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أُوتيَ أهلُ الإِنجيل الإِنجيلَ فعملوا به حتى صُلّيت العصرُ ثم عَجزوا فأعطُوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتيتم القرآنَ فعملتم به حتى غَرَبتِ الشمسُ فأعطيتم قيراطين قيراطيْن، فقال أهلُ الكتابِ هؤلاء أقلّ منّا عملاً وأكثر أجراً، قال اللّه: هل ظلمتكم من حَقكم شيئاً ؟ قالوا: لا، فقال: فهو فضلي أوتيهِ من أَشاء».وروي مثله في مسلم ، ومسند أحمد ، وهذا يشرح لنا التفرقة الإلهية بين العدل والمساواة .

وبذا تثبت الشفاعة كما ثبتت في القرآن الكريم وصحيح السنة دون أدنى معارضة عقلية مع مبدأ العدل .

 

تبقى  مشكلة الاشتباه بين الشفاعة في الإسلام ، والواسطة في اتصال العبد بالله

إن  اتصال العبد بالله في الإسلام يتم في صيغة العبادات الإسلامية وهي كلها محض تكليف لضميرالفرد يتصل فيها العبد بالله اتصالا مباشرا ، لا يتوقف على وساطة من أي نوع

يصلي المسلم حيث أدركه موعد الصلاة ، لا يحتاج في صلاته إلى توسط كاهن ، أو توسط هيكل .

ويصوم ويفطر في داره أو موطن عمله ..

ويحج فيذهب إلى بيت لا  سلطان فيه لسادن أو رجل دين .

ويذهب إلى صلاة الجماعة فلا تتقيد صلاته الجامعة بمراسم كهانة ، أو أتاوة محراب .. ، ويؤمه في هذه الصلاة الجامعة من هو أهل للإمامة بين الحاضرين باختيارهم لساعتهم إن لم يكن معروفا عندهم قبل ذلك .

ويخرج الزكاة فلا يحتاج في إخراجها أو قبولها إلى غير الله .

ويخطئ فيتوب دون حاجة إلى كاهن يعترف بين يديه ، أو إلى صك غفران يحصل علبه من سلطة دينية .

ونحن إذا أنعمنا النظر في ذاك وجدنا  أنه ليس مجرد ميزة من مزايا صلة المسلم بالله  ، وإنما وجدناه فوق ذلك دليلا للتفرقة بين ما هو من الله وما هو من افتراءات البشر .

إذ كيف نتصور أن يطلب الله من عبده أن يصله أو يصلي إليه ثم يسمح لآخرين أن يقفوا بينه وبين عبده في ذلك .

إن البداهة تقتضي هنا أن تزاح الوسائط لكي يتم المقصود .

ومن الناحية الأخرى : كيف نتصور أن يسمح الدجالون من أدعياء الوساطة أن تتم الصلة بين العبد وربه بشكل مباشر لا يكون لهم فيه موضع أو مكان ؟

إن البداهة تقضي هنا بأن يطمئنوا إلى مكانهم في الوساطة قبل أن يطمئنوا إلى شيء آخر .

فالوساطة في الصلة بالله دليل بطلان ، وانعدامها أمارة صحة وبرهان .

ومن هنا كان الفارق حاسما بين العبادة في الإسلام والطقوس في الأديان الأخرى .

ففي البرهمية مثلا – كما يقول  أمير سيد علي في كتابه القيم " روح الإسلام " - يتلو الكاهن " المانترا " ، ويؤدي الطقوس بطريقة آلية خاوية من أي شعور أو حماسة دينية ، على حين يقف المتعبد بجانبه موقفا سلبيا ينظر إليه وهو يؤدي الطقوس بالنيابة عنه ، فإذا حصل أدنى خطأ يبطل تأثير هذه الطقوس ، ولا تتوقف قيمتها على السلوك الأخلاقي للفرد المتعبد بقدر ما تتوقف على أهلية الكاهن ، الذي يجري الطقوس ، وما على العبد إلا أن يؤمن بتأثير هذه الطقوس.

وفي الزرادشتية يحتكر الكهان الحياة الروحية ويقيمون حواجز القداسة الخاصة التي يمتاز بها الكاهن عن العامة ، لتحجب هؤلاء عن تذوق المتع الروحية العليا .

 

وفي كتاب " الغصن الذهبي " لجيمس فريزر يتحدث المؤلف عن كيفية ممارسة الطقوس في الأديان الوثنية ، و منزلة الواسطة فيها. ومنه يتبين أن هذه الطقوس تمارس كما يمارس السحر ، وكما يمارس العلم ، بمعنى أن الكاهن يقوم بمجموعة من الأفعال تقوم الرابطة بينها كما تقوم بين السبب والنتيجة .

ففي العلم مثلا يتناول الشخص الدواء المعين للحصول على الشفاء من مرض معين ، وفي السحر يقوم الساحر بأفعال معينة ، من الهمهمة والبخور ، والكتابة وإراقة الدم .. إلخ ..

 

وفي الطقوس الوثنية يجري الأمر كذلك : يتناول الكاهن ومعه معاونوه قطعة الفطير ، ويشرب كوب النبيذ ، فيحل فيه جسد الإله ودمه .. في كل ذلك قد يحتاج الأمر من الكاهن وحده إلى قوة روحية معينة ، وقد يتجه ذهن الكاهن وقوته الروحية تلك إلى نوع معين من المغالبة والمحاورة والمداورة والمصارعة مع إلهه الذي يتصل به ، وقد يلجأ في طقوسه إلى ما يعتبر محاصرة لذلك الإله ، وسيطرة عليه ، أو مخادعة له ومكرا به ..  وأين المتعبدون في ذلك كله ؟ لا دور لهم غير الانتظار ، وما يسمى الإيمان بمقدرة الكاهن على إنجاز المراد ، كما ينجز الساحر ، وكما ينجز الطبيب ،  أما الدين الحق – الإسلام – فإنه براء من ذلك كله ..

أطاح الإسلام بالكاهن..

وخاطب ضمير الفرد ودفعه للاتصال المباشر مع الله الخالق ..

ولا طقوس فيه ، وتسميتها طقوسا خطأ شائع مع الأسف الشديد ، وإنما هي أعمال مفهومة في مغزاها الأكبر ، إذ تعني محض الانصياع لله والانخراط في سلك طاعته ، تحضيرا له للحظة لقاء مع الله .

وهو من ثم  لا واسطة فيه في شفاعة أو غيرها .

فبينما تتم الشفاعة في الإسلام بإذن الله أولا ،

ولإجراء قَدَره وفضله في العفو ، الذي تقرر بإرادته سبحانه أولا وأخيرا

وإذ يتم ذلك بمشيئة منه  سبحانه في : أن يجريه على يد الشفيع لمحض تكريم الشفيع  وإعلاء شأنه يوم الحشر والحساب جزاء ما لقي من عنت ونكران في هذه الحياة الدنيا ، دون أن يكون للشفيع إرادة مستقلة في ذلك ، ودون أدنى نيابة منه في كسب العمل الذي هو محل الجزاء : بينما يتم ذلك هكذا في الإسلام تتم الواسطة في الوثنيات بإرادة مستقلة من الوسيط ، ومغالبة منه مع الصنم المعبود ، أو الصنم المصلوب ،  وبنيابة منه في كسب العمل  ، وبطقوس هي أشبه بالتفاعل الكيماوي في معامل العلماء.

وشتان بين الأمرين . والله أعلم .

 عن موقع صحيفة الشعب

 

إلى صفحة مشاركات الزوار2