17/03/2006

جنبلاط ومؤتمر يالطا!

 بقلم : د.  نوري المرادي

  تملعن وليد على خراب الجبل!

  لا تتطاول الضفدع على المستنقع!

 النجباء فقط هم المؤهلون لمحو الدسائس!

استمعت يوم أمس الأول إلى مقابلة مع وليد جنبلاط على فضائية الجزيرة، فتعززت لدي قناعة أنه دخل مرحلة الزعرنة الميئوس منها. فعلى جاري وهمه من أنه يحسن لغة الجسد أيضا، تحدث وليد جذلا متراقصا عن رحلته العاجلة إلى واشنطن وكيف صفـّى بها سوء تفاهم عابر له مع وولفويتس وحلَّ بعض الإشكالات مع موظف آخر في البيت الأبيض، واتفق هناك على منح مزارع شبعا إلى سوريا وعلى نزع سلاح حزب الله ،، و،، الخ من الترهات.

والظاهر أن أحد من مريدي وليد لا ينصحه أو لا يريد نصحه باعتبار أن أشد مقتل لمنافسك أن تدعه يسدر في أغلاطه. وقد قلت سابقا أن وليد جنبلاط أصلا نتاج المحاصصة الطائفية، التي لا تعلو بها العين على الحاجب كما يقال. لذاه لا ولن ومحال أن يتولى منصبا أكثر من وزير سواء كان محتل لبنان هو فرنسا أو روسيا أو أمريكا أو جبوتي. فالمحاصصة الطائفية قد تجذرت وبني عليها الوعي الشعبي، وأي إخلال بها سيعتبر ظليمة، تركت لوحدها أو دعمتها أبواق من خارج لبنان، فهي كفيلة بأن تشعل الأخضر واليابس. ما بالك في هذه الأيام التي حل فيها موعد إشعال نار الفتنة الطائفية.

نعم! هناك موعد محدد لإشعال نار الفتنة في لبنان. وهذا الموعد أن ارتهن في حالة كشمير بالمزاج البريطاني، وفي حالة كرد العراق بمستقبل إسرائيل، ففي لبنان له موعد محدد مبرمج فرنسيا وهو كل عشرين عام تقريبا. وفتنة الخمسينات من القرن الماضي انتهت بلا غالب ولا مغلوب، وفتنة السبعينات انتهت في نهاية الثمانينات بلا غالب ولا مغلوب أيضا. وها نحن الآن على استحقاق الموعد الجديد.

وشخص غير وليد جنبلاط، كان سيحسبها وينتبه أن مسلمة (( اللاغالب ولا مغلوب )) هذه تعني أن الأمور ستعود إلى نقطة الصفر ما أن تتحقق الأهداف التي توختها الفتنة. أو ما أن تنتكس الحالة التي توخى صاحب القرار أن يقيم الفتنة لأجلها.

وفي الخمسينات حققت الفتنة أهدافها في أن تلهي العرب عن قيام دولة إسرائيل. أما فتنة السبعينات فأريد عبرها أن تحتل إسرائيل لبنان، وحدث. لكن الأهداف ارتكست على يد المقاومة الوطنية اللبنانية وأصيبت إسرائيل بنكسة نفسية لا أراها تبرأ منها حتى تزول من الخارطة. المهم في كلتا الحالتين فالأمر يعود إلى نقطة البدء وتبقى كل طائفة على مكتسباتها السياسية. ولم يمس أحد مراكز الطائفة المسيحية مثلا رغم أن قواتها خسرت الحرب بالمفهوم الميداني. ولم تزد مكاسب الشيعة رغم أن حزب الله هو الذي حرر الجنوب. بل إن بشير الجميل ويوم تصور نفسه كسب وأعلن أن هناك غالب وهناك مغلوب، وأن لبنان (ويعني نفسه) هو الذي انتصر؛ فما لبث غير ليلتين فقط وعصفت به وبقياداته قنبلته سوّته أثرا بعد عين.

ما أعنيه أن ثوابت الطوفنة السياسية في لبنان تجعل كل قادة لبنان وبلا استثناء كآلات شطرنج لكل منها حركة محدودة مرسومة. وهي حالة لا يكسر روتينها ولا يتحرر من قيودها سوى الثائر النجيب الأبي. وهذا معناه أن الحالة في لبنان غير ميؤوس منها. ولابد من بطل، له ما لحسن نصرالله من جهادية لكنه متجرد من الطائفية، سيصول صولة يجعل كل إقطاع لبنان السياسي تحت قدميه، ليعود لبنان ويمتلك مقومات الدولة التقليدية.

ومحال أن يكون هذا البطل من صنف وليد جنبلاط، ولأسباب جمة منها على سبيل المثال، أن وليد يفتقر إلى النجابة في السياسة والمروءة في التعامل مع خصومه وحلفائه والثبات في المواقف. فهو قبل أيام فقط استجار بحزب الله من سوريا واليوم يستجير بأمريكا من حزب الله. وأعلن صراحة أنه مستعد للتخلي عن مزارع شبعا لسوريا، ليسجل نقطة على ما يفترضه حلفاء سوريا. كما أعلن قضية أسرى لبنان في إسرائيل للمزاد. وبدأ انقلابه على حليفته سوريا التي اشتغل لها شرطي أمن ومخبر طوال عشرين عاما، بدأ هذا الانقلاب بإظهار التحالف مع الحريري، ثم بالتحالف العلني مع ابن حريري فيما يسمى بتحالف 14 آذار. لكنه قبل أسبوع عطل حوارا وطنيا كان زخمه ولو ظاهريا بيد هذا التحالف. ووليد جنبلاط وحين قبل بعرض دولة جبل لبنان برئاسته (وهو حلم عصفور) يكون قد أدار ظهر المجن لكل حلفائه السنة والمسيحيين وغيرهم من الطوائف. ذلك أن تكوين دولة لدروز جبل لبنان، وحتى لو تخطت السياسة الدولية سابع المستحيلات وسمحت بها، فمحال أن تسمح بدولة لأية طائفة أخرى غيرها، حيث لا الديمغرافيا ولا التشابك الجغرافي سيسمح. من هنا لابد وتحل لحظة ويقطع حبل الوصل مهائيا بين وليد وحلفائه الذين سيرون به ركب ظهورهم وحقق دولته ومضى. وليس بعد الود إلا الجفاء،،، أو الاقتتال على طريقة الأخوين طرزاني في شمال العراق.

أما أن تكون مظهرية وليد وتراقصه عند الحديث لا تعكس كاريزما رئيس ولو لنقابة كار، فهذا أمر ثانوي جدا أزاء الثابت الدولي الأساس وهو التقسيم الموثق للنفوذ الإستعماري في مؤتمر يالطا.

فلبنان وسوريا من حصة فرنسا، وهي إن راوغت وتعسر علينا فهم موقفها من غزو العراق، فالآن على الأقل بتنا على بينة من أن فرنسا، لعبت بذكاء، أو ما تظنه ذكاءً، فكسبت بعض الشارع العربي بمواقفها المعلنة الرافضة للغزو، بينماها في الخفاء وفرت لأمريكا الغطاء اللوجستي لذلك الغزو. وفرته، ليس بسبب ثوابت الالتزامات السرية في الناتو ولا بثوابت الحمية المسيحية، ولا سيطرة اللوبي الصهيوني على القرار الفرنسي الذي لا ولن يعارض شيئا لصالح إسرائيل كغزو العراق. لقد وفرت فرنسا الغطاء اللوجستي لغزو العراق، ليس لكل هذه الثوابت فقط، وإنما أيضا لتدفع أمريكا لذلك الغزو كتمرين حي لها تدرس من خلاله الحالة على أرض الواقع فتتلافى النواقص التي قد تواجهها عندما تقرر غزو سوريا ولبنان.

وفي يالطا كما يعلم الجميع كانت سوريا والجزائر وتونس وأغلب دول أفريقيا من حصة فرنسا. لكن فرنسا بدأت تخسر هذه المستعمرات، مذ تخلت طائعة عن فيتنام إلى أمريكا بعد معركتي ديان بيان فو وخيسان. حيث واصل الأمريكان، ثأرا بورطة فيتنام، استلاب المستعمرات الفرنسية الواحدة تلو الأخرى. وها هي الجزائر بعد المغرب وتونس تنتقل للحماية الأمريكية. وحيث انتهى الجبروت الأمريكي على يد فتيان العراق الأشاوس وأنصارهم الطير الأبابيل، انتعشت آمال فرنسا وبدأت التخطيط لاستعادة مستعمراتها السليبة، وأولها جوهرة قصر الإليزيه – سوريا ولبنان. من هنا قتلت الحريري وقصير وتويني، كمبعث للتدخل. ونجحت في فرض وصاية سياسية على سوريا ومن ثم على لبنان وتحصلت على القرار (نسيت رقمه) من الأمم المتحدة، وبدأت توزع قواها هنا وهناك، ولقنت وليد جنبلاط ما سيقوله ونفخته النفخة الأولى، وأسست تجمع ما يسمى بـ 14 آذار، وسارت الأمور على أجمل وأتم الحال، حتى نسي وليد جنبلاط نفسه، واستعاض عن المنفاخ الفرنسي بحقنة أمريكية، افترضها ستعصمه.

أستعاض جنبلاط عن المنفاخ الفرنسي بالحقنة الأمريكية غير منتبه أصلا لأن زعماء أكثر مروءة منه وأشد شكيمة وأعتى منه عسكريا بمرات، كميشيل عون وسمير جعجع وأمين الجميل، لازالوا أحياء يرزقون. وقد كنا نسمي هؤلاء الثلاثة ((انعزاليين، وعملاء لإسرائيل)). وكانوا كذلك، أما مخدوعين أو واعين أو لاعبين على ما افترضوه العامل الإقليمي. لكن الجميل فقد أخاه وقوته، وجعجع ضربه عون، وعون ضربته أمريكا وأعطت محميته الشرقية لسوريا، حين أرادت لسوريا أن تشارك في العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991. أي أن هؤلاء الثلاثة، اكتووا بما يريد وليد أن يلعب عليه أو يستخدمه. وهؤلاء، وعلى عكس وليد جنبلاط، لم يتقلبوا ولم يتاجروا ولم يستغنوا من حرب. أي تحلوا بكل من للعدو النجيب من خلق، وخسروا، وراجعوا أنفسهم وقد فهموها على حقيقتها ولو من بعد تجربة مرة ذهب ضحيتها الفتيان. 

المهم!

مختصرا أقول لوليد، أنك لا تعي ما تفعل! وأنبهك إلى أمور بسيطة منها ((أن المرجلة شيء والزعرنة شيء آخر، وهما لا يلتقيان مطلقا)) و ((ولو أن فرنسا بوارد التخلي عن لبنان وسوريا ما قتلت حريري وقصير وتويني،، وستقتلك أيضا))

ستقتلك يا وليد فرنسا، كما قتلت أمريكا الزنيمين باقر حكيم وخوئي، ولن تجد لك بواك!

وللسياسة أصول يا وليد، فلا تتملعن على خراب الجبل!

إلى صفحة مقالات وأراء3