20/02/2006

  

كيف ننظر إلى الهجوم البذيء ونتعامل معه

  بقلم: طلعت رميح

 

لم تكن البذاءة مجرد فعل عابر أو مجرد خطأ صحفي أو حتى مجرد حرية صحيفة تصل إلى هذه الدرجة من التطاول، بل هي على مستوى الصحيفة عمل مخطط ومرتب سلفًا، ضمن حملة إعلامية عامة واسعة مخططة تعم كافة أرجاء الغرب في الهجوم على الإسلام والرسول الكريم وعلى العقيدة والفقه والعبادات والمناسك... إلخ، بما أوضح أمام أعين الجميع أن الحملة الأمريكية الغربية لم تكن أبدًا موجهة ضد الإرهاب ولا حتى ضد المقاومة فقط, وإنما هي حملة عداء واعتداء على الإسلام عقيدة ومنهاجًا بكل رمزياته.

 

الواقعة في حدودها كاشفة بأن هناك خطة مرتبة في البلد الصادر فيه الإساءة أو المرتكب على أرضه الجريمة لتشكيل "رأي عام غربي" معادٍ للإسلام والمسلمين ومستهزئ بالعقيدة الإسلامية وثوابتها، حيث ما جرى هو أن الصحيفة "المجرمة" طرحت مسابقة "للرسم الكاريكاتوري", ونشرت الأكثر بذاءة ودناءة مما وصل إليها من تلك الرسوم التي كانت الأشد بذاءة وسبًا للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

 

والواقعة في حدودها تلفت النظر إلى دور هذا البلد داخل بلداننا، حيث إن معظم الأموال التي تجري بين أيدي الكثير من "منظمات المجتمع المدني" في عالمنا العربي الإسلامي هي أموال قادمة من الدول الاسكندنافية [الدانمارك والنرويج وغيرها بشكل خاص], بما يكشف طبيعة الدور الذي تلعبه هذه الأموال والمنظمات.

 

ولكن الواقعة في حدودها أيضًا تشير إلى أن الحملة ضد الإسلام هي حملة باتت تشمل كل الدول الأوروبية، كل منها بطريقة مختلفة أو مختلقة لا فرق. وإذا كانت الدلالة الأحدث قد تمثلت فيما جرى من الإصرار على ارتكاب الجرم ومن الرغبة في توسيع رقعة المواجهة بقيام صحف فرنسية وأسبانية وألمانية بنشر نفس الرسوم البذيئة - وهذه المرة في تحدٍّ مباشر للحملة الإسلامية المواجهة لتلك البذاءات - فإن المتابع لما يجري في الغرب في الأعوام الماضية لا شك يلحظ أن ذلك نمط عام مخطط شمل كل الدول الأوروبية دون استثناء يتنقل بين هذه الدول بين مرحلة وأخرى.

 

في فرنسا لم تأتِ سابقة التحدي للمشاعر الإسلامية بإعادة نشر الرسوم الكريهة حالة استثنائية، بل كان للهجوم وقائع كثيرة بدأت بالحملة ضد حجاب المرأة وسط مغالطات انتهت دون مواربة إلى سن قانون يمنع التلميذات من ارتداء الحجاب, ولم تنتهِ عند شكل من الأشكال المعلومة والعديدة خلال السنوات الماضية.

 

وفي بريطانيا كان الأمر قد بدأ بحملات ضد الإسلاميين، انتهى أيضًا دون مواربة إلى حملة على الإسلام انتهكت فيها حرمات المساجد, وجرى خلالها حتى نبش قبور المسلمين. ومن أبرز معالمها ما كتبه "شارلز مور" في صحيفة «ذي ديلي تلغراف» من مقالات سب فيها الإسلام سبًا مقذعًا عماده الكذب والافتراء وقصد التشويه، وما شنه "نيك جريفين" زعيم الحزب الوطني البريطاني اليميني من حملة كراهية ضد الإسلام والمسلمين، وصلت به حد وصف الإسلام بأنه "دين الشر".. امتدادًا لما قاله من قبل عبر أثير هيئة الإذاعة البريطانية بشكل عدواني وإجرامي بـ«أن القرآن مصدر الشر. و"أن الطريقة التي انتشرت بها هذه العقيدة الشريرة الفاسدة - عقيدة المسلمين - عن طريق مجموعة صغيرة من المجانين غريبي الأطوار قبل 1300 سنة».

 

في ألمانيا، قال زعيم الطائفة الكاثوليكية الكاردينال (ليمان): «إن العلاقة بين الإسلام والعنف تحتل مكانة متقدمة في هذا الدين، وإنني على قناعة بأن الإسلام يحتوي على عناصر قتالية إرهابية، وأن نبي الإسلام كان محاربًا، وأن الاحتلال يشكل أحد المبادئ الأساسية في الإسلام، وأن الإسلام يمجد العنف بشدة، ويطالب أتباعه باحتلال الدول الأخرى».

 

وفي إيطاليا كان صاحب التحريض الأبرز والأكثر بذاءة ضد الإسلام هو رئيس الوزراء الإيطالي بنفسه الذي قال في تصريحات رسمية: "إن الغرب حضارته أرقى من الحضارة الإسلامية", كما نشرت إحدى الكاتبات الإيطاليات مقالاً قالت فيه: "إنهم - أي المسلمين – يخوضون حربًا لا تريد غزو أرضنا بل أرواحنا".

 

في الولايات المتحدة كان آخر ما كشف هو قصة مراقبة هواتف الإسلاميين بحجة مكافحة الإرهاب ودون إجراءات قانونية وبانتهاك مبادئ الخصوصية، وقبلها كان ما كشف عن جرائم دنيئة انتهكت فبها حرمة القرآن الكريم برمية على الأرض وفي المراحيض، وما تلاها من كشف ارتكاب نفس الجريمة في معسكر اعتقال "أبو غريب" وفي معتقلات أفغانستان [هو نفس ما جرى خلال كل الاعتداءات على المساجد في العراق المحتل]. وهو ما جاء كله وسط حملة دعائية عدوانية مجرمة يقودها الإعلام الأمريكي، حيث القس جراهام بيل، الأب الروحي لبوش يكرر دومًا أن "الإسلام دين إرهابي", وحيث الكتب المطبوعة باتت تتزايد أعدادها, ومن نماذجها كتابات "كريج وين" عن الإسلام، التي قال في إحداها: «إن القرآن أمر بقتل غير المسلمين وتعذيبهم والقضاء عليهم، وإن الإسلام أغرق أتباعه في الفقر والتخلف». وعلى صعيد الجنرالات العسكريين والجيش فقد تهجم أحد الجنرالات العسكريين على الدين الإسلامي وهو يرتدي بزته العسكرية - فيما اعتبر رأيًا للمؤسسة العسكرية الأمريكية - كما كشف النقاب عن أن النشيد الذي وضعته الفرقة الأمريكية 77، وصف العرب والمسلمين بأنهم حشرات وجرذان وأفاعٍ [راجع الوطن السعودية في 17 مايو 2005], وهو ترديد لما يقوله الحاخام الصهيوني عوفاديا يوسف حرفيًا في أقواله العلنية المنشورة. وعلى صعيد ما تتعرض له المساجد والمراكز إسلامية فقد تعرضت للاعتداء والحرق والتخريب مع عبارات معادية للإسلام والمسلمين خاصة في ولايات ماساتشوستس، وأريزونا، وداكوتا، ومينيسوتا.

 

ما القصة؟!!

 

القصة بوضوح هو أننا أمام "التأسيس الجماهيري" على مستوى الرأي العام الأوروبي الأمريكي من قبل النخب الحاكمة - والمعارضة الأشد تطرفًا أيضًا، لنظرية صراع الحضارات التي هي في جوهرها تقوم على فكرة مواجهة الإسلام باعتباره الدين والأيديولوجية الوحيدة القادرة على مواجهة وهزيمة الممارسات الإجرامية للحضارة الغربية، والتي هي باختصار نظرية تقوم على إحياء فكرة ونمط الحروب الصليبية في إطار نموذج حديث، وهو ما جاء صريحًا في بعض الصحف كما هو الحال فيما قالته الصنداي تلجراف البريطانية من أن [هذه الحرب ليس موضوعها الإرهاب, بل الإسلام], وما قالته صحيفة هاخسابوت الهولندية من [ضرورة مراجعة جذرية للوجود الإسلامي, وضرورة إلغاء مدارس المسلمين في أوروبا]... إلخ, وفيما قالته صنداي تايمز عن الحركة الإسلامية بأنها "الوجه القبيح للإسلام الذي لا يستحق إلا الإخضاع". والقصة بوضوح أننا أمام هجوم على المقدسات الإسلامية سواء على صعيد القرآن الكريم أو على مستوى مكانة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولذلك رأينا تدنيس القرآن والهجوم على الرسول الأكرم والتهديد بقصف الكعبة المشرفة والتشكيك في مراسم الحج... إلخ. والقصة بوضوح أن الأيدي الصهيونية وقد نظرت بانزعاج مروع من تحول الرأي العام الأوروبي إلى النظر إلى الكيان الصهيوني وأمريكا باعتبارهما المهدديْن للسلم العالمي، فقد بدأت عن طريق الإعلام الذي تسيطر عليه صهيونيًا في حملة مضادة للإسلام, والتحريض ضد الإسلام كان الأبرز فيها والأكثر مباشرة ما نشرته جريدة معارف الصهيونية من تقرير تحت عنوان "الإسلام في الطريق لاحتلال أوروبا", وأشارت فيه بوضوح إلى أن الإسلام هو مصدر الشرور على أوروبا وليس "إسرائيل". حيث جاء في التقرير: "وفي هذه الأثناء فإن الإسلام يسلك الآن الطريقين معًا: ففي الوقت الذي يقوم فيه أئمة المسلمين بنشر الأيديولوجيا الإسلامية في مساجد باريس ولندن وبروكسل، يقوم رجال القاعدة بذبح الرجال النساء والأطفال في مدريد بلا رحمة، وذلك فقط لكون هؤلاء من "الكفار". ونحن نأمل في أن تتمكن أصداء الانفجارات التي وقعت في مدريد من إيقاظ زعماء أوروبا ومواطني أوروبا من غفوتهم، بحيث يدركون أنه بعد مرور ستين عامًا على تحررهم من قيد النازية الألمانية، فإنهم يوجدون مرة أخرى تحت تهديد الاحتلال، وهو في هذه المرة من جانب الأصولية الإسلامية".

 

الخطر الداخلي:

والمهم هنا، هو أننا لسنا فقط أمام محاولة موجهة ضد الإسلام من خلال الدعاية داخل أوروبا, ولكن أمام حملة مبرمجة تصدر أيضًا من داخل الدول العربية والإسلامية من خلال لجان وأفراد ومنظمات مدعومة بأموال غربية, وفى بعض الأحوال بأموال حكومية عربية وإسلامية ومن بعض أصحاب رءوس الأموال العرب المرتبطين مصلحيًا برأس المال الغربي والصهيوني.

 

لقد كان الشاهد على ذلك في حالة فجة هو ما أدلى به حامد كرزاي صنيع الغرب في حكم أفغانستان الذي دافع في انكشاف وجه وتوجه، عن نشر الصحيفة الدانماركية للبذاءة, مشيدًا "بحرية الصحافة في الغرب, وقائلاً: إنه راضٍ تمامًا عن التفسيرات التي قدمتها الدانمارك".

 

غير أن التقليب في الأوضاع العربية يكشف أننا نعيش حالة صراع مع طابور خامس بالغ الخطر, ربما مما يجري على الأرض الأوروبية مباشرة؛ إذ هو ناطق بالعربية ومجال عمله داخل الدول العربية والإسلامية بما يجعل منه الحالة الأخطر. لقد جرت مواجهة خلال العام الماضي مع من سموا أنفسهم بالليبراليين العرب الجدد وكشف النقاب عن أنهم يوجهون نصالهم إلى صلب العقيدة في كافة المجالات وبكل السبل الملتوية.

 

هذا الطابور الخامس بعضه لا يعلن مباشرة عداءه للدين ويركز هجومه على ما يسميه بالدولة الدينية - التي هي غير قائمة بالمعنى الغربي الذي يقصده لا على مستوى المفاهيم أو التجربة – وهي فكرة غطاء للهجوم؛ إذ تحت هذا الغطاء هو يحاول إنهاء حتى الإطار القانوني أو الدستوري الموجود للإسلام في الحالة الرسمية للدولة في العالم العربي - أو الباقي في بعض النظم العربية - الذي يقر بأن دين هذه الدول هو الإسلام، كما هو يحاول إنهاء كل أشكال تقييد أجهزة الإعلام والمادة المنشورة في الكتب عند حدود عدم الطعن المباشر في الإسلام, مثيرًا الدنيا كلما تعرض عمل مكتوب موجه ضد الإسلام إلى منع النشر بحكم طعنه في عقيدة الأمة، وهو يطالب بالحرية الكاملة – هو لا يتحرك إذا صودر كتاب إسلامي يدعو لصحيح الإسلام – وغير المنقوصة في الطعن في المقدسات، وهو يدعو إلى الليبرالية بالمنهج الغربي ووفقًا للقيم والمضامين الغربية بما يعني فصل الدين عن الدولة وإتاحة الحريات وفقًا لما هو جارٍ في الغرب في كل مجالات الحياة الاجتماعية.

 

وبعض من هذا الطابور الخامس يكرس دوره في الطعن في الإسلام عقيدة وفقهًا وحضارة وتاريخًا، بشكل مباشر بالقول: إن المقدس لا يمكن التفكير فيه بمنطق الصحة والخطأ, وإن النص القرآني يجوز التعامل معه كنص تاريخي – والعياذ بالله – وبالالتفاف حول التفسيرات وبالهجوم على كل تفسير صحيح للإسلام وبشكل خاص للآيات القرآنية التي تتعلق بالجهاد أو بالمواريث أو بتعدد الزوجات أو بقوامة الرجل على المرأة... إلخ. كما يقوم جهدهم على الطعن في فكرة أننا أمة واحدة سواء على مستوى الفهم الإسلامي، واتهام كل مدافع عن فكرة الأمة، بأنه عنصري وفاشي وشوفيني يحمل دعوة عنصرية ضد المجموعات البشرية الأخرى داخل الدول العربية – الأكراد والبربر أو الأفارقة – أو أنه يحمل دعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين... إلخ. وكذا هو يركز جهوده على الدعوة بكثافة إلى كل ما يثير الاضطراب داخل المجتمعات الإسلامية والعربية – بتأليب الأعراق والأقليات ضد الأغلبية – وداخل كيان الأسرة – حقوق المرأة من وجهة النظر العلمانية - والدفع بالحوار الفكري إلى قضايا تغيير العقيدة  – حرية الفكر بالمعنى اللاديني للتفكير-... إلخ.

 

كيف نواجهها؟!

 

إن ما نراه هو خطة للصراع مع الإسلام والمسلمين نراها بشكل متناثر, غير أنها خطة ورؤية كاملة يجرى تنفيذها وفق أجندة محددة تتصاعد بشكل تدريجي. وهذه الخطة تنشد تحويل الرأي العام الغربي "الأمريكي والأوروبي" إلى حالة استعداد لمرحلة طويلة من الصراع والحرب على الإسلام والمسلمين.

 

ومن ثم فإن المواجهة من قِبل المسلمين حكومات وشعوبًا وحركات إسلامية، تتطلب العمل للحشد المضاد والمقابل وطويل الأجل أو بعيد الأجل لمواجهة هذه الحملة على مستويات متعددة لا تغفل مسألة العمل من أجل إفشال خطة الغرب لحشد الرأي العام الغربي داخل المجتمعات الأوروبية ذاتها، والأمة تملك في ذلك أوراقًا متعددة، يعترف بها الخصوم وبمدى قوتها وتأثيرها.

 

كما تتطلب هذه المواجهة، إيلاء الجهد والوقت لعزل الطابور الخامس "الشرس والعدواني" العامل في داخل جسد الأمة, باعتبار أنه أخطر على مصير الأمة من غيره من العوامل.

 

وكل ذلك يعني أن لا نقصر المواجهة لجريمة ما نشر في الدانمارك والنرويج وفرنسا على تلك الوقائع وحدها، وأن تكون بالأساس نقطة الانطلاق في المواجهة وتحقيق الانتصار فيها, باعتبارها حلقة ضعيفة من حلقات الصراع.

 

1

إلى صفحة مقالات وأراء3