17/03/2006

  

لا ترموا لغتنا العربية في سلال المهملات

 عبد العزيز اليوسف - دمشق

كل أمة من أمم الأرض تعتز بلغتها وتحافظ عليها وترعاها وتعمل على انتشارها في مجتمعاتها وإن أمكنها في كافة أرجاء المعمورة. إلا الأمة العربية الممثلة بمثقفيها بكل فئاتهم العلمية والثقافية والسياسية والتربوية، فإنهم ابتعدوا عن لغتهم وتناسوها وأهملوها، خاصة الفئة الأخيرة منهم - أي الفئة التربوية - التي تشكل المحور الأساسي في بناء الأجيال الناشئة التي سيقع على عاتقهم مسؤوليات حماية لغتهم وعروبتهم ووجودهم من الضياع والذوبان في بوتقة صهر اللغات والقوميات والشعوب فإنها تعمل على تشكيل الناشئة في قوالب تتناسب مع ما يطمح إليه أعداء اللغة العربية من أشكال وحجوم ومقاييس تختفي عنها اللغات لتبقى لغة الطامحين هي الوحيدة.

لا أدري إن كان ذلك بقصد أو عن غير قصد.

وهذا ما بدأ ظهوره يتركز على كامل الساحة العربية في عصرنا الحالي في ظل هيمنة القطب الواحد الذي انطلق لفرض هيمنته على العالم.

 لنراقب أصحاب المسؤولية في نشر الوعي الثقافي والتربوي والعلمي والإخباري في مجتمعنا العربي من المحيط إلى الخليج، ونتابع ما يقدمونه للأجيال من ثقافات وتعاليم نجد أن مصطلحاتهم العلمية والثقافية والتربوية "إن لم تكن كلها فمعظمها" يأتي بصيغ أجنبية لا يفهمها إلا من تثقف بثقافة أجنبية لا تمت إلى ثقافة اللغة العربية بأي صلة، وهذا بدوره يترك القارئ أو الباحث عن المعرفة في حيرة وضياع يحرمانه من الوصول إلى المعرفة والعلم، إلا إذا استعان بالقواميس أو اللجوء إلى من يزيح له ستار الغموض لهذا المصطلح أو ذاك.

على سبيل المثال: إذا قرأت تحليلاً أو موضوعاً في صحيفة يومية أو في مجلة من المجلات فإنك تصطدم بكلمات أو مختصرات لا تستطيع معرفتها أو فهمها إلا إذا استعنت كما ذكرنا سابقاً بقاموس أو ترجمان يترجم لك معنى هذا المصطلح أو غيره من مصطلحات.

يا هذا هل تريد أن تثبت للملأ أنك مثقف ومطلع؟. ليكن بعلمك أن القارئ الذي يتابع تحليلك العلمي أو الإخباري السياسي أو الثقافي، فإنه سيعرف أنك مثقف وعالم ومربى إذا ترجمت له هذا المصطلح أو ذاك التحليل إلى لغته الأساسية التي تجعل القارئ أو السامع يدرك أنك مثقف ومطلع وباحث ذو شأن في الأمور التي تعالجها سواء كانت سياسية أو ثقافية أو علمية أو غير ذلك من الأمور.

أنا كعربي ولغتي عربية يجب عليك أن تخاطبني بلغتي التي أفهمها وليس بلغة غريبة عني لا أفقه منها شيئاً. أنا كعربي لا أريد أن أقرأ في أي مقال مهما كان نوعه، أو أسمع كلمات ومفردات أجنبية مثل "التوتاليتارية والشوفينية والكاريزمية والبرولتارية". وغيرها من المختصرات الأجنبية. أريد أن أسمع هذه المصطلحات مترجمة إلى لغتي العربية كما أنه يحز في نفسي سماع معظم شرائح المجتمع من المثقفين وغير المثقفين وهم يخاطبون بعضهم البعض، ويسلم بعضهم على بعض، وتحية بعضهم لبعض بعبارات أجنبية مثل "هالو وباي باي وأوكيه ويس ونو ومرسي وبنسوار" وغير ذلك!.

ترى هل اللغة العربية أصبحت غير جديرة بالاستخدام؟ أو أنها أصبحت من ذكريات الماضي!.

أليست لغتنا العربية هي لغة السلام والترحيب: السلام عليكم وأهلاً وسهلاً ومع السلامة وإلى اللقاء وغير ذلك؟.

لماذا يا عرب تتنكرون للغتكم وتلقوها في سلال المهملات؟ أليست هي مفتاح قوميتكم، وصمام أمان وجودكم وعزتكم، وحصن ثقافتكم، وسلاح إيمانكم ووجودكم؟.

هل الرقي والثقافة والتطور حكراً على اللغات الأجنبية وإهمال اللغة الأم؟.

اصحوا يا عرب وعودوا إلى لغتكم الأم اللغة العربية الفصحى، التي هي لغة العلم لغة القرآن - وهل يوجد أفصح من القرآن كلاماً؟ ولغة المجتمعات العربية بكل أطيافها وفئاتها وأديانها.

الثقافة موجودة في كل المجتمعات واللغات، والثقافة ليست حكراً لأحد، فكل أمة وكل مجتمع بحاجة إلى تطوير ثقافته ومجتمعه بحاجة إلى أن يأخذ من الثقافات بقدر ما يحتاج إلى شرط أن يترجم الثقافة والعلم إلى لغته الأم، لا أن يرمي ثقافته ولغته في محيط النسيان وصفحات التاريخ.

فيا مثقفي أمتنا ويا مدرسين أولادنا وشبابنا في المدارس والجامعات لا تنسوا لغتكم العربية. دافعوا عنها عززوا وجودها، طهروها من الشوائب الضارة، وارفدوها بالجديد الجديد من العلوم والثقافات لتبقى لغتنا نقية صافية قوية صامدة تحمي قوميتنا ووجودنا واستقلالنا وحريتنا.

 

إلى صفحة مقالات وأراء3