23/01/2006

 

  


 

ما رأي أصحاب العظمة والفخامة والسمو بهذا السؤال:

كيف سيتصرّف أي حاكم من "العُربان" لو كان يُحاكَم كالرئيس صدام

نبيل أبو جعفر

لا أحد يدري حتى الآن كيف ستنتهي قصة استقالة القاضي الكردي رزكار محمد، المعيَّن من قبل الاحتلال وجماعته لمحاكمة الرئيس صدام ورفاقه، لكن أكثر ما لَفَتَ الانتباه حول هذا الرجل – عدا كياسته وتهذيب ألفاظه – قوله لأحد أصدقائه المقرّبين أنه عندما دخل الرئيس صدام الى المحكمة كاد يقف احتراماً له، ثم تذكّر أنه القاضي!

وكان قد لُفِتَ الانتباه إليه أيضاً عندما خاطبه صدام قائلاً: "لا تطلب منهم ذلك – في اشارة منه الى ضرورة منع مخالفات الاميركان – أؤمرهم، أنت عراقي وهم أجانب ومحتلين". فردّ عليه رزكار: "نعم.. نعم". ثم قول صدام له: "أُسمّيك القاضي الأول تقديراً لك شخصياً رغم عدم اعترافي بالمحكمة". وقوله في جلسة أخرى: "حضرة القاضي، أنت لم تسألني وأنا رئيس الدولة، هل عُذّبت أم ضُربت، علماً بأن هذا من واجبك. ان الاميركيين والاسرائيليين يريدون إعدام صدام، لكن لا صدام ولا رفاقه يخافون. فنحن لا نقول إلاّ الحقيقة حتى لو صهرونا. نحن لا نضعف، ما يهمنا هو رضاء الله والانسانية، وان تعرف الشعوب الاميركية أي جريمة ارتكب حكامها".

هذه الصورة من السجال والعنفوان التي تكررت طوال الجلسات التي عقدتها المحكمة حتى الآن أدهشت العالم وأزعجت الأميركان وأهل الحكم الذي نصّبوه. وخرجت أصوات تعترض على السماح لصدام ورفاقه بمحاكمة قضاتهم ومعهم الاحتلال، بينما خرج أحد أعضاء هيئة الدفاع، وزير العدل القطري السابق نجيب النعيمي ليؤكد "أن معنويات الرئيس عالية جداً جداً، والتفكير في محاكمته آخر همّه، وتركيزه مُنصب على العراق، لقد رفض عرضاً بتنظيم مقابلة له مع عائلته قائلاً: "قضيتي ليست العائلة، كان الله في عونها، قضيتي هي العراق".

.. وما قاله الرئيس العراقي الأسير قاله سائر رفاقه، كلٌ بأسلوبه الخاص، وفي مقدمتهم أخاه، فلفتوا أنظار العالم أيضاً إلى صلابتهم ووحدة موقفهم، وحتى حرصهم على مخاطبته من وراء القضبان وداخلها بعبارة "السيد الرئيس"، حتى فيما بينهم كانوا يرددون عند ذكر اسمه وصف "السيد الرئيس"، ويتصرّفون معه كما لو كان على سدّة الحكم قبل وقوع الاحتلال.

تصوّروا كيف يمكن أن يكون عليه الحال لو لم تنطلق المقاومة العراقية وتُبدع في مواجهة الاحتلال، ولو لم تصمد هذه القيادة بكاملها ودون استثناء أمام صنوف التعذيب والترغيب التي تواجهها في السجن، دون أن ينهار منها أحد، أو يغدر أحد بأحد؟

تصوّروا لو أن هذا الشعب لم تجرِ تعبئته وتدريبه منذ زمن، ولم يُوزع عليه السلاح في أكبر عملية ثقة بين "الحاكم والمحكوم"، ثم لو لم يجر اعداد العدّة لبدء المقاومة فور "انتهاء العمليات العسكرية" على حد تعبير بوش من على إحدى حاملات الطائرات قبل ثلاث سنوات؟

لا يمكن بالطبع استعراض كل جوانب هذه الصورة تفصيلاً، ولا وصف حالات التعذيب الجسدي والنفسي التي مورست على كل أعضاء القيادة، برجالها ونسائها على حدّ سواء، ولا يمكن استعراض صنوف الاغراء التي عُرضت على كل فرد منهم – ولا سيما المصابين بأمراض مميتة كالسرطان – بهدف التنصّل مما كان مسؤولاً عنه، أو الغدر برفاقه، أو التبرؤ من تاريخه والتزامه. لكن أحداً لم يضعف أو يتراجع.. وهي حالة عربية نادرة لا نرى مثيلاً لها – إلاّ بين النخبة المناضلة من الاسرى الفلسطينيين – حالة تشذ عن هوان هذا الوطن الكبير الممتد من الماء الى الماء وسط كمّ لا يُحصى من حالات الغدر والخيانة، بدءاً من انقضاض أكثر من ولد على والده الحاكم أو أخيه (دون ذكر الأسماء)، أو انشقاق "قطب" عن أهله والتشهير بهم بعد سنوات طويلة من ممارسة المنكر والاتجار بكل صنوف المحرمات، فضلاً عن الخيانات السرية والعلنية لبعض كبار المسؤولين وسطوة بعضهم الآخر على أموال الشعب وسرقة آثاره وتراثه.

أما القصص التي تعكس هذه الحالة العربية – العراقية النادرة فأكثر من أن تُحكى، وقد أورد بعضها – كمثال – برزان التكريتي، الأخ غير الشقيق للرئيس صدام في الجلسة السرّية المغلقة التي عقدتها المحكمة بناءً على طلبه عندما كشف كيف ساوموه على منصب سياسي رفيع جداً، مقابل أن يشهد ضد الرئيس، فرفض قائلاً لهم: "ليس من أخلاقي وتربيتي أن أشهد ضد أخي الكبير، وحتى لو لم يكن أخي فإنه من المستحيل أن أشهد ضد رئيسي، كما أن صدام لا يتوقع مني أن أكون في هذا الموقف على الاطلاق".

ثم تحدّث بالتفصيل عن عملية التعذيب التي تعرّض لها بعد ذلك من قبل الأميركان "جزاءً" له على رفضه عرضهم، وتحدّث عن حالات مشابهة تعرّض لها سائر رفاقه المعتقلين.

وتقول الوقائع التي أوردها خليل الدليمي عضو هيئة الدفاع عن الرئيس صدام ورفاقه أن برزان أجهش في البكاء عندما تحدث عن معاناة عائلة صدام، وعندما وصف الطريقة التي اعتُقل بها ولده محمد وزُجّ به في السجن الذي يُعتقل فيه وهو لا يدري، فما كان من الرئيس صدام إلاّ أن قاطعه مهدئاً بالقول: "يا معوَّد شِنُو عدي، شِنُو قصي، شِنُو مصطفى، وشنو محمد (في اشارة الى ولديه وحفيده وابن برزان) العراق فوق كل شيء".

هذه الصورة نفسها أورد بعض الامثلة الأخرى عليها السياسي العراقي عبد الجبار الكبيسي بعد خروجه من معتقل كروبر الذي أمضى فيه ستة عشر شهراً، وقد كشف عن الكيفية التي توفي فيها العديد من القادة جراء التعذيب في السجن، كعضو القيادة القطرية عادل الدوري، وحمزة الزبيدي، ووضاح الشيخ، والكيفية التي يُعذب فيها العديد من القادة الآخرين كطه ياسين رمضان الذي شاهده داخل المعتقل والدماء تسيل من جسده، وهو يحاول معالجتها بالماء والملح، وكذلك خميس سرحان عضو القيادة القطرية للحزب، والعالم البيولوجي الدكتور حازم الشيخ راوي... والقائمة طويلة ولا تستثني أحداً بالطبع.

والسؤال الواجب هنا: أي نوع من الرجال هؤلاء، وأي صنف من القادة، وأي شعب فريد هذا الذي لا مناص أمام رموز الاحتلال – كما قال صدام أمام المحكمة – إلاّ أن يعودوا إليه ليعيدوا الأوضاع الى نصابها مهما بلغ بهم الصلف، وطال أمد المكابرة على الخطأ وعدم الاعتراف بكامل فصول الجرائم التي ارتكبوها.

ثم، ماذا يمكن أن يقول أي حاكم عربي لو كان يحاكم وراء القضبان كالرئيس صدام، مع استثناء العقيد القذافي - خصياً- من الجواب منعاً للإحراج؟!

شبكة البصرة

الجمعة 20 ذو الحجة 1426 / 20 كانون الثاني 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس

 

إلى صفحة مقالات وأراء3