28/02/2006

محاولة أمريكية فاشلة لإحداث فتنة طائفية

بقلم :عوني القلمجي

دعونا من الاتهامات المبطنة التي وجهها الطالباني والجعفري والحكيم الى "السنة" حول الاعتداء على مرقد الامامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء ، فكل الدلائل تشير الى ان السفير الامريكي زلماي خليل زادة هو الذي صمم هذا الجريمة وترك لمغاوير الداخلية تنفيذ المهمة. فشهود العيان من سكان سامراء اكدوا بان مجموعة من الغرباء قد دخلت الى المرقد بحماية القوات القوات الامريكية التي انتشرت في شوارع المدينة ليلا وخرجت منها  في اليوم التالي قبل حدوث الانفجار باقل من ساعة. ومثلما توفرت الادلة هنا فان الهدف من وراء هذه الجريمة بات واضحا وجليا . وهو احداث فتنة طائفية تنتهي الى تقسيم العراق كمخرج من الازمة التي يواجهها مشروع الاحتلال.. مايك وتني ذكر في مقالة مهمة حول الحادث والهدف من ورائه  (ان مؤسسة راند اوصت بانه يجب استغلال انقسامات السنة والشيعة والعرب وغير العرب لتحقيق الاهداف السياسية الامريكية في العراق والعالم الاسلامي)  ويضيف الكاتب (ان الاعتقاد بأن الهجوم كان من تدبير العمليات السرية الامريكية والاسرائيلية واسع الانتشار في كل انحاء المنطقة ، اضافة الى انتشاره بين المحللين السياسيين اليساريين في امريكا). اما الصحفي "كورت نيمو" فانه يرى (ان التفجير هو وسيلة لتحقيق خطة موضحة في تقرير عوديد يعنون ، حول ستراتيجية اسرائيل  لـ "بلقنة المجتمعات والحضارة العربية والاسلامية". ويقول "نميو" (ان الخطة قد يكون نفذها اعضاء مخابرات امريكية او بريطانية او اسرائيلية او عملائهم العرب المزدوجين او مهاويس مجموعة العمليات الوقائية التابعة لرامسفيلد (P2OG) والمصممة لـ تحفيز ردود افعال ارهابية). ناهيك عن تقرارير مماثلة قدمها ديفيد فيليب للمجلس الامريكي الاعلى للسياسات الخارجية والذي مولته مؤسسة ليند وهاري برادلي كما يقول بيبي اسكوبار. وكل ذلك تؤكد صحة الرأي بأن ستراتيجية تقسيم العراق كانت تدور في المستويات العليا من الحكومة من بداية الاحتلال.

 

 ليس غريبا اذن ان تقوم القوات الامريكية بتحطيم الدولة العراقية ، وحل جيشها ومؤسساتها الامنية ، وبناء مؤسسات بديلة على قاعدة المحاصصة الطائفية والاثنية وتثبيتها في قانون ادارة الدولة ولاحقا في الدستور الدائم. وضمن هذا السياق جدد عبد العزيز الحكيم مطالبته بفدرالية في الجنوب قبل فترة قصيرة من الاعتداء ، وكان   قبلها قد عقد اتفاقا بين عادل عبد المهدي وجلال الطالباني يقضي بموافقة الكرد على فدرالية في الجنوب مقابل ضم كركوك الى ما يسمى اقليم كردستان. لكن الاحتلال وجد صعوبة في تحقيق مطلب الحكيم جراء تمسك العراقيين بوحدة العراق وعروبته بل وتحريره من نير الاحتلال. فكان لابد والحالة هذه من القيام بهذا الاعتداء على امل اشعال فتنة بين الشيعة والسنة ، ويعلن بعدها الكرد انفصالهم كما هدد البرزاني ، ويعلن الحكيم عن اقامة اقليم الجنوب ، ومن اجل تحقيق ذلك اختار الاحتلال واعوانه هدفهم بدقة وعناية. فـ مرقد الامامان على الهادي والحسن العسكري يقع في مدينة سامراء ذات الغالبية السنية ، في حين استبعد اختيار مراقد الائمة علي والحسين وموسى الكاظم لانها تقع في المدن التي غالبية سكانها من الشيعة ، للايحاء بان من قام بهذا الفعل هم السنة لفتح الطريق امام ميليشيات غدر ومغاوير الداخلية لقتل الابرياء وهدم وحرق المساجد في مناطق متفرقة من العراق. لكن بوش وادارته فوجئوا عندما اخلت الفتنة والاعمال الغوغائية مكانها للتظاهرات والصلوات المشتركة بين الشيعة والسنة ، ورفع شعارات التاخي والوحدة بين الطائفتين الكبيرتين ومنها (الشيعة والسنة اثنين مثل الحسن والحسين)  ليقولوا للمحتل نحن مصرون على عدم الانجرار الى اي فتنة ومن اي نوع ،. وهذا الامر ليس غريبا  فالتعددية في العراق كانت على الدوام  مصدر قوة وابداع وليس مصدر للفرقة والاقتتال. ومن المفيد في هذا الصدد ان نذكر الادارة الامريكية والصهاينة والنظام الايراني بصفحات من التاريخ. فخلال اربعة قرون من تاريخ العراق وعلى وجه التحديد فترة خضوع العراق للامبراطورية العثمانية، كان السنة يحمون الشيعة من بطش الاتراك  والشيعة يحمون السنة من بطش الصفويين اذا غزوا العراق، والاكثر من هذا ان الوحدة بين الطائفتين الكبيرتين تزداد متانة حين يتعرض الوطن للعدوان الخارجي،  فبعد هزيمة الامبراطورية العثمانية ووقوع العراق تحت الاحتلال البريطاني عام 1917 ، توحد الشيعة والسنة في جبهة واحدة لمقاومة القوات الغازية، وتوجوا وحدتهم في ثورة العشرين وتكاتفت معهم عشائر الفرات وبالتنسيق مع سكان مدينة بغداد. ومع كل محاولة قام بها الاحتلال البريطاني لاثارة فتنة طائفية ، كان الرد عليها اشتراك السنة والشيعة في الاحتفالات الدينية لكل منهما ، وغالبا ما تنتهي بخطابات واشعار سياسية تهدد الانكليز وتتوعدهم ان لم يغادروا ارض العراق الطاهرة .

 

هل يجوز لنا ان نعتمد كثيرا على تاريخ وحدة مجتمعنا العراقي ومن ان التعددية في بلادنا ستظل مصدر قوة وابداع؟ ام ان هذه التعددية قد تنقلب شرا مستطيرا في ظل الاحتلال؟ وهل سيطوي الامريكيون ملف تقسيم العراق وعدم التفكير في القيام بمحاولات اخرى من هذا القبيل قد لا ينجح العراقيون في السيطرة عليها هذه المرة؟

 

من السذاجة الاجابة على هذه التسؤلات المشروعة وفق قناعات ثابتة او الميل الى أحكام مسبقة ، بمعنى اخر الاجابة بنعم أو لا ، فهذا نوع من الهروب الى الامام وتخلي عن المسؤولية الوطنية ، لاننا نخوض حرب مع اقوى قوة عاتية في العالم  ومدعومة من جهات عدة بدأ بالصهيونية العالمية ومرورا بدول الجوار وانتهاءا بالعملاء المحليين من احزاب وتجمعات سياسية ودينية ، ولذلك يتوجب علينا ان نشخص ما حدث ونحتاط للمستقبل المليء بالالغام الموقوتة لكي نجنب عراقنا الجريح تلك المخاطر ونساعد على تحرير بلدنا من الاحتلال البغيض. وفي هذا الصدد علينا ان لا نضخم ماحدث ولا نستهين به أو نهمله. ما حدث هو ليست حربا طائفية او حتى فتنة طائفية بالمعنى الكامل للكلمة ، فحرب الطوائف تقوم عادة بين طائفة بمجموعها وطائفة اخرى بمجموعها الى ان تنتهي بانتصار احداها على الاخرى او تنتهي لان تاخذ كل طائفة "حصة" من الوطن ، وتقيم نظامها الخاص بها وتكون الدولة مجرد غطاء قانوني لا حول لها ولا قوة. وقد اثبتت الوقائع خلال الايام الماضية صحة ما نقول ، فلقد شهدت  مناطق واحياء متفرقة من العراق دوريات مشتركة من السنة والشيعة لحماية المساجد والحسينيات تحسبا من هجمات جديدة لقوات بدر ومغاوير الداخلية ، في حين جرت حملة تبرعات قام بها الشيعة لمساعدة العوائل السنية التي تضررت من هذه الاحداث المؤلمة ، ناهيك عن اشتراك الشباب من الشيعة والسنة في اداء الصلاة في الجوامع والحسينيات ، وهذا يعيد الى الاذهان ما قام به اهالي الاعظمية وهم في الغالبية من السنة بمساعدة المنكوبين في حادث جسر الائمة ، وبناءا على ذلك يمكن القول بان ما حدث هو وجه اخر من وجوه الحرب الدائرة بين قوات الاحتلال وبين المقاومة الوطنية العراقية. فقوات بدر او مغاوير الداخلية الذين قاموا  بهدم وحرق المساجد وقتل الابرياء ، انما قاموا به خدمة لاغراض الاحتلال التي اشرنا اليها وليس دفاعا عن مقدسات الشيعة التي هي اصلا مقدسات المسلمين جميعا ، هؤلاء لا ينتمون قطعا الى المذهب الشيعي سوى بالاسم ، بل ان بعض التقرارير تشير الى انهم ليسوا عراقيين اصلا.  ولو كان الامر غير ذلك ، فلماذا لم تنتقم او حتى تدافع هذه الجهات عن حرمة مرقد الامام علي بن ابي طالب حين هاجمته القوات الامريكية ؟ ولماذا لم يفت السيستاني ومحمد سعيد الحكيم واسحق فياض وبشير النجفي بالاحتجاج السلمي ضد القوات الامريكية كما افتوا مجتمعين بالاحتجاج على تفجير مرقد الامامين في سامراء ؟ فهل احفاد الامام علي أعلى مقاما من الامام علي نفسه الذي كرم الله وجهه؟ .

 

لا يساورنا ادنى شك بان بوش وادارته يواجهون مازقا خانقا جراء فشل قوات الاحتلال بانهاء المقاومة او حتى الحد من تصاعد عملياتها المسلحة ، وان العملية السياسية التي راهنوا عليها كثيرا وعملوا المستحيل من اجل بعث الروح فيها ، تواجه الموت ان هي لم تمت اصلا ، وان ما قيل بشان تشكيل حكومة وطنية بعيدة عن المحاصصة الطائفية اصبحت من النكات التي يتندر بها العراقيون بعد ان شاهدوا على شاشات التلفزة العراك الدائم على المناصب بين امراء المليشات المسلحة ، بل ان السفير العتيد زلماي زادة قد فضح كذبته بنفسه حول رفض الادارة الامريكية نزع الطائفية عن الحكومة المنتظرة حين، زار الحكيم في مقره وابلغه بان ادارته لا تمانع باستلام مرشيحه اي وزارة بما فيها وزارة الداخلية والدفاع والامن القومي ، وعلى ضوء حقيقة المازق الامريكي سيطور السفير ادائه في هذا المجال ويبتكر اساليب اخرى ، قد تجبر الطائفة السنية هذه المرة على الدفاع عن نفسها وعن ممتلكاتها وحرماتها ، الامر الذي سيشجع القادة الاكراد على الانفصال كما وعد مسعود البرزاني ويشجع بالمقابل عبد العزيز الحكيم على اعلان اقليم الجنوب. اذ لم يبق امام بوش وادارته لتجنب الهزيمة سوى استخدام هذا السلاح ، ومن دونه حسب رأي الادارة الامريكية  سينتهي مشروع الاحتلال الى هزيمة منكرة تفقد الولايات المتحدة بعدها هيبتها وقوتها امام العالم ، وبالتالي ينتهي حلم بوش في بناء الامبراطورية التي ينتهي عندها التاريخ.

 

في الوقت الذي يبدو فيه الصراع  بين المقاومة الوطنية العراقية وقوات الاحتلال معقدا بما فيه الكفاية ، يبدو واضحا وجليا ايضا الطريق الذي تسير عليه المقاومة لتحرير العراق ، فعلى الرغم من كل ما حدث فان هذه المقاومة الباسلة مستمرة في عملها وعلى جميع الجبهات العسكرية والسياسية والتنظيمية ، وهذا ما شاهدناه على ارض الواقع . فمن جهة نزلت قوات المقاومة الى الشوارع ولقنت مغاوير الداخلية وقوات بدر درسا لن ينسوه ومن جهة ثانية  صعدت المقاومة الوطنية المسلحة من عملياتها العسكرية  وكبدت قوات الاحتلال وفي يوم واحد تسعة قتلى واكثر من 15 جريح وتدمير عدد من الاليات العسكرية . ومن جهة ثالثة فان المقاومة قد اعدت  العدة لمواجهة اي عمل او فعل من هذا النوع  وخاصة الذي يستهدف تمزيق الوحدة الوطنية.

 

ان المعركة التي تدور على ارض العراق بلغت مراحلها المتقدمة حيث بدا ت علامات هزيمة قوات الاحتلال تلوح في الافق جراء الخسائر الكبيرة في صفوفها وفقدان الادارة الامريكية لاسلحتها السياسية وعدم قدرتها على تبرير احتلالها للعراق امام الراي العام العالمي وحتى امام الراي العام الامريكي بالمقابل عجزت الادارة الامريكية عن  بناء قوة عسكرية من المليشيات المسلحة تحت مسمى جيش وطني لمساعدتها على تقليل خسائرها البشرية والمادية. الامر الذي دعاها الى طلب النجدة من الانظمة العربية والحكومات الاسلامية لارسال قوات عسكرية الى العراق.

                   

سينتهي هذا الصراع الدموي حتما الى طرد المحتل وتحرير العراق واقامة النظام الديمقراطي الذي يكفل لجميع المواطنين حقوقهم كاملة ويعيشوا كما كانوا في ظل اجواء التاخي والتسامح المعهودة بين العراقيين في مختلف العصور.

شبكة البصرة

28/2/2006

إلى صفحة مقالات وأراء3