28/01/2006

مقتدى الصدر بين المواقف الوطنية والاستحقاقات الطائفية

حجة الإسلام والمسلمين السيد مرتضى على العوادي

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ظهرت العديد من التيارات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وجميع هذه التيارات عمل بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بشكل حاد وقوي وفي كافة أرجاء العراق.. عدا التيار الكهربائي فانه لا يعمل ومقطوع منذ دخول القوات الأمريكية التي عملت على تخريبه وتدميره.

ومن بين هذه التيارات ما يطلق عليه بالتيار الصدري. ويعتقد البعض خطأ ان هذا التيار يمثل الشيعة العرب.. والصحيح انه مصطلح أطلق على الاشخاص الذين لا يؤمنون بولاية الفقيه التي جاء بها الخميني في كتابه (ولاية الفقيه) الذي كتبه في العراق وطبع في بيروت.. وطبقه فعليا بعد استلام السلطة في إيران في 12 شباط من عام 1979..

وجاءت ولاية الفقيه بنظرية جديدة تختلف عن ما اعتقد به الشيعة من أن من يتولى امور المسلمين هو الإمام المهدي المنتظر. وهو الإمام الثاني عشر وآخر أئمة الشيعة المعصومين. فالخميني وضع نظريته بإقامة حكومة تقوم على المذهب الجعفري .. وعندما يظهر المهدي المنتظر يستلم السلطة من هذه الحكومة. ويكون لهذه الحكومة مرشد ديني أعلى يتولى مراقبة الحكومة ويسقطها إذا ما خالفت الأصول الفكرية للمهدي المنتظر.. وظهر في إيران تيار يعارض هذه النظرية ويرى انها تخالف أصول المذهب الشيعي.. ومن أشد المعارضين لها في إيران هو أية الله العظمى مرعشي النجفي وكولبكياني وكاظم شريعة مداري ثم التحق بهم منتظري وهو أول مرشد (للحكومة الإيرانية). وبعد أعلان معارضته تم اعتقاله ولا يزال محتجزا في إيران.. ومن معارضي هذه النظرية السستاني المقيم في العراق والعديد من العلماء الإيرانيين..

ومن علماء الشيعة المعارضين لنظرية ولاية الفقيه هو أية الله العظمى محمد محمد صادق الصدر.. ولانه عارض علنا هذه النظرية أطلق على هذا الاتجاه بالتيار الصدري.. وبالنظر الى الاتجاه الذي يحمله محمد محمد صادق الصدر المعارض لولاية الفقيه .. ولكونه يشكل موقعا عربيا في الوسط الشيعي في العراق ومن المؤيدين للحكومة العراقية السابقة، فكان له معارضين من الشيعه ومتهم بالوقوف الى جانب الحكومة. وتم اغتياله وأبنه في طريق الكوفة النجف 1991، من قبل مجموعة أردبيلى التي كانت تتخذ من كردستان العراق مقرا لها.. وقد اثيرت الشكوك حول اغتياله. واتهمت الحكومة السابقة أيضا في ذلك. وقبل أغتياله كانت له مواقف سياسية ضد أمريكا وإسرائيل. وقيل أيضا وقف ضد الحكومة السابقة لاستقطاب الناس إليه..

ومن ذلك أصبحت كلمة التيار الصدري تطلق على العراقيين والايرانيين المعارضين لولاية الفقيه. وهذا لا يعني ان مجموعة الإتلاف كلها من مؤيدي ولاية الفقيه.. بل ان هناك العديد من مجموعة عبد العزيز الحكيم تؤيد التيار الصدري.. كما ان مجموعة العلماء الفضلاء وحزب الفضيلة من مؤيدي التيار الصدري.. ولهذا التيار مؤيدين في إيران.. فلا يمكن وصف التيار الصدري بانه تيار عربي داخل الشيعة.. وأطلقت كلمة التيار الصدري على المعارضين لولاية الفقيه نسبة الى محمد محمد صادق الصدر الذي أعلن صراحة معرضته لولاية الفقيه..

أما مقتدى الصدر فهو أبن محمد محمد صادق الصدر لم يكن معروفا قبل الاحتلال. وبعد الاحتلال ظهر معلنا نفسه واصطف معه مجموعات من الشباب وهو تيار سياسي حماسي. وكان أبية من مؤيدي الحكومة السابقة ومعارضا للهيمنة الإيرانية على الحوزة العلمية في النجف.. ثم اختلف مع حكومة الرئيس صدام حسين.. وتم اغتيال محمد محمد صادق الصدر ونجله من قبل مجموعة من الإيرانيين بقيادة الأردبيلي. وباختلاف الصدر مع الحكومة السابقة ظهر له العديد من المؤيدين.. وقد حصل مقتدى الصدر على تأييد العراقيين الشيعة له لكونه عربي وللسمعة التي كان يتمتع بها أبيه.. وعلى الرغم من القدرة العلمية التي كان يتمتع بها محمد محمد صادق الصدر إلا انه ليس خطيبا.. وكذلك فان مقتدى الصدر لم يملك فن الخطابة..

وأنضم العديد من الشيعة لمقتدى الصدر بسبب الفراغ السياسي.. وأطلق عليهم بالتيار الصدري على الرغم انه لا يمثل كل الصدريين.. والصفة العامة لمؤيدي مقتدى الصدر من عامة الشيعة الفقراء ومن العاطلين عن العمل.. وهم ممن شملهم الحصار منذ عام 1991 ولم تسنح لهم فرص التعليم بشكل عام.. وأغلبهم من ذوات الثقافة المحدودة.. ويحملون النفس العروبي بعضهم معارض للهيمنة الإيرانية.. وهم متشددون في الاتجاهات والأهواء.. ولا يجمعهم بمقتدى الصدر سوى شخصيته.. ولهذا نجدهم تفرقوا في الانتخابات فبعضهم ناصر قائمة الإتلاف وبعضهم خرج عنها. ولم يحدد مقتدى الصدر موقفه من تأييد الانتخابات أو معارضتها.. لأن التاييد أو المعارضة يحسب على خط ولاية الفقيه كما اسلفنا ويخرجه عن خط ابيه.

وعمل مقتدى الصدر على إنشاء جيش المهدي.. ويتكون من مليشيات في المحافظات غير مدربين ويحتفظون بأسلحة شخصية حصلوا عليها من مخازن الدولة بعد الاحتلال.. وحاول مقتدى الصدر اثبات الخط العروبي لتياره ولكنه اصطدم بعقبات عديدة وقاوم الامريكان في معارك النجف الاولى والثانية.. وأراد السير باتجاه المقاوم العراقي.. ومد جسور العلاقة مع السنة في الرمادي وأنشأ مقرا له فيها.. ووقع ميثاق الشرف مع الحركات الوطنية ثم تراجع عن هذا الاتجاه للأسباب الآتية:

1- ان مقتدى الصدر يعمل في وسط ديني يشكل الإيرانيون الغلبة فيه. وان مليشيات فيلق بدر تسيطر على بعض المراكز في المحافظات ويسيطرون على الجيش والشرطة. وهذا يعني انه سيحارب الامريكان وفيلق بدر والمليشيات الاخرى مثل منظمة المختار وشهيد المحراب والثأر والانتقام وبقايا الله وغيرها..

2- ان مقتدى الصدر من طلبة الحوزة العلمية في النجف .. وهو بمستوى حجة الاسلام.. ويريد ان يكون اية ثم اية عظمى وهذا يعني انه خصامه مع الحوزة تحرمه من الوصول الى الدرجة الدينية التي يعمل من أجلها.. فلابد من العمل مع اساتذته وينصاع لرغباتهم.

3- صرح مقتدى الصدر عدة مرات بانه سوف يتعرض للاغتيال.. وهذا يعني انه يعيش في وسط مجموعة لا يعرف ما تأول اليه النهاية.

4- لا يوجد رابط قوى يجمع التيار الذي يتزعمه ولهذا نجد بعضهم انضم للاتلاف والآخر بقوائم منفصلة.. كما ان الدعم المالي غير كاف كما هو معمول به بالنسبة للحركات الاخرى.

5- ان الامريكان وضعوا فخا لمقتدى الصدر يهددونه فيه وهو موضوع قتل الخوئي..

6- ان مقتدى الصدر شاب لم تكن له تجربة عميقة ولم يعرف فنون السياسة ودروبها.. ولهذا نجده يتغير بتغير المواقف.. فعندما زار ملك السعودية في هذا الشهر قال ان هذه الزيارة من أجل تطوير العلاقات بين البلدين.. على الرغم من انه لا يحمل صفة رسمية تخوله بذلك.. وعندما زار إيران .. قال انه سيقف مع ايران اذا تعرضت لهجوم من أمريكا .. في حين ان بلده محتل من قبل أمريكا والاجدر ان يدافع عن بلده قبل ان يدافع عن بلد غيره..

وإذا كان مقتدى الصدر ومجموعته اتخذت بعض المواقف العروبية فانه اتخذ مواقف شعوبية معادية للعرب منذ الاحتلال.. حيث عمد على تنظيم حملة اغتيالات لأعضاء حزب البعث العربي الاشتراكي خاصة في المحافظات الجنوبية والوسطى راح ضحيتها المئات من البعثيين.. ولا تزال هذه الحملة مستمرة على الرغم من أن اغلب العناصر المؤيدة له كانوا من البعثيين لما اعتقدوا به من أنه يمثل التيار العروبي داخل الشيعة.. وهذا بخلاف ما ذهبت اليه جميع المراجع الشيعية بعدم التعرض للبعثيين إلا من كان متورطا بأعمال مخالفة للقانون .. وقد ثبت عدم ارتكاب أي بعثي أي عمل مخالف للقانون ولم يحاكم أي واحد منهم حتى هذا اليوم.. وهذه الاغتيالات للبعثيين تعبر عن توافق مع الموقف الإيراني والصهيوني.. وان بعضها جرى باشراف الولايات المتحدة الامريكية وبعلمها..

شبكة البصرة

إلى صفحة مقالات وأراء 3