28/02/2006

  

محاكمة الرئيس صدام حسين ورفاقه...

ستة أسباب لعدم شرعيتها وبطلان إجراءاتها

بقلم المحامي حسن بيان

 

بعد سبع جلسات من إجراءات المحاكمة للرئيس صدام حسين وسبعة من رفاقه، أعلن القاضي رزكار أمين إستقالته من مهامه كرئيس للمحكمة، ولم تُجْدِ معه كافة الإتصالات والضغوط لثنيه عن موقفه. وقد برر القاضي أمين، أن السبب الأساسي وراء إستقالته من رئاسة المحكمة هو الضغوطات التي كانت تمارس على المحكمة وعلى رئاستها بشكل خاص لجعل إجراءات المحاكمة تجري وفق التصور الذي تريده الحكومة، وعندما يشار إلى قرار الحكومة فالمقصود بذلك، مركز القرار فيها المحكوم بتوجهات القوى السياسية التي تعتبر نفسها ذات أرجحية تأثير وتمثيل في التركيب الحكومي.

 

هذه القوى، خاصةً تلك التي كان يمثلها الجعفري وجماعة الحكيم، كانت تبدي امتعاضاً مما تعتبره تباطؤاً في إجراءات المحاكمة وتهاوناً أو ليونة من رئاسة المحكمة في إداراتها لجلسات المحاكمة.

 

لكن القاضي أصر على إستقالة، وعين بديلاً عنه، سعيد الهماشي الذي لم يستلم مهامه ربما لاعتذار منه، أو لاعتراض عليه باعتباره كان منظماً في حزب البعث، وبعد ذلك استقر الخيار على القاضي رؤوف عبد الرشيد، وهو كردي ومن حلبجة التي تدرج قضيتها ضمن لائحة الإتهام ضد الرئيس صدام حسين.

 

خلال الجلسة الأولى التي ترآس فيها القاضي عبد الرشيد المحاكمة، سجلت سخونة في المخاطبة واشتباك كلامي، بين رئاسة المحكمة والرئيس صدام وبرزان التكريتي وآخرين. وقد عمد رئيس المحكمة أن يقدم نفسه نقيضاً لسلفه بأنه يمسك بإدارة جلسات المحاكمة بقبضة حديدية، وقد أدى النموذج الذي قدم رئيس المحكمة نفسه من خلاله إلى توقف المحاكمة نظراً لرفض الرئيس صدام وبرزان والآخرين الأسلوب الذي حكم سلوك رئاسة المحكمة وخرجا من قاعة المحكمة، ومن ثم أعلن محامو الدفاع إنسحابهم ولم تجد قرارات المحكمة بتعيين محامين في ثني صدام ومن معه عن الإمتناع عن حضور جلسات المحاكمة وثني محامو الدفاع العودة عن قرارهم وهم الذين قدموا لائحة بأحد عشر مطلباً كشرط لعودتهم وعلى رأس هذه الشروط استبدال رئيس المحكمة وإلا تنحيه.

هذا الذي حصل في الجلستين الثامنة والتاسعة، وتكرر لاحقاً دفع بكل مراقب ومتتبع لسير المحاكمة لأن يعيد استحضار النقاش حول شرعية المحكمة وعدم مشروعية المحاكمة يضاف إليها المخالفات الجوهرية التي ظهرت خلال سير المحاكمة والتي تتمحور حول ثلاث نقاط: الأولى التي دفعت بالقاضي رزكار أمين لأن يستقيل من رئاسة المحكمة، والثانية من خلال الطريقة التي تدار بها المحاكمة بعد تولي القاضي رؤوف عبد الرشيد رئاسة المحكمة والثالثة، حول الوضع الخاص لرئيس المحكمة الذي تبين أنه على خصومة مع الذين تجري محاكمتهم حول التهمة المنسوبة إليهم.

أولاً: في عدم شرعية المحكمة:

إن النقاش حول شرعية المحكمة أو عدمها، ينطلق من الظروف التي تشكلت فيها هذه المحكمة.

فمن الثابت، أن هذه المحكمة تشكلت في ظل الإحتلال الأميركي للعراق الذي ما يزال قائماً. وأن من أصدر الأمر بتشكيلها هو الحاكم الأميركي الذي كان يحتكر السلطة بشقيها التشريعي والتنفيذي، الشق التشريعي من خلال القرارات التي يصدرها، كمثل لسلطة الإحتلال، والشق التنفيذي من خلال آليات التشكيل للهئيات التنفيذية التي تتشكل سنداً لهذه القرارات ومن ثم الإشراف على التنفيذ.

إذاً، المصدر التشريعي الذي شكل هذه المحكمة هو الحاكم الأميركي، وهذا الحاكم يمثل الحكومة الأميركية، ولا يمثل الشعب العراقي، وبالتالي فإن مصدر السلطة هو الإحتلال وليس الشعب. وإنه في ظل الإحتلال، تكون السيادة منتهكة نظراً لمسؤولية الإحتلال عن إدارة المرافق العامة أو الإشراف على إدارتها بالتالي لا يمكن القول أن الشعب في العراق متمتعاً بالسيادة على أرضه وبالسيطرة على إدارة مرافقه العامة.

وطالما أن الإحتلال هو بطبيعته عمل مسقط للسيادة الوطنية، وهو لا يستند إلى أية مشروعية سياسية أو شرعية قانونية، فإن كل ما كان يصدر عنه يكون متسماً بعدم المشروعية والشرعية وضمن هذا السياق تكون النظرة للمحكمة باعتبارها واحدة من إفرازات الإحتلال.

من هنا فإن المحكمة هي غير شرعية بالمعنى السياسي لأنها تشكلت بقرار أو بتوجيه من سلطة الإحتلال وهي غير دستورية بالمعنى الحقوقي، لأنها تشكلت في وقت كان العراق وما يزال منتهكاً لسيادته، ومفتقراً لوجود مؤسساته الدستورية / من تشريعية وتنفيذية وقضائية، بعد إقدام سلطة الإحتلال على حل المؤسسات الوطنية وإلغاء التشريعات الوطنية التي كانت تدار البلاد وتنتظيم حياتها العامة بالإستناد إليها.

وطالما لا سيادة للشعب العراقي على أرضه وعلى نفسه، فكيف يمكن لمحكمة أن تصدر إحكاماً بإسم الشعب الذي هو مصدر كل سلطة في وقت هي ما تزال بيد الإحتلال؟

وعلى هذا الأساس، فإن شعباً غير متمتع بسيادته لا يمكن أن تصدر أحكام بإسمه وتالياً فإن الأحكام باطلة لأن ما بني على باطل هو باطل. وإنه لا يغير من هذه الحقيقة وهذا الثابت الدستوري والقانوني القول، إن إنتخابات تشريعية قد جرت، لأن هذه الإنتخابات جرت أيضاً في ظل الإحتلال وتحت إشرافه، وما ينطبق على السبب الذي يجعل تشكيل المحكمة غير دستوري وغير شرعي، ينطبق أيضاً على العملية الإنتخابية وما أفرزته من نتائج. ولو سلمنا جدلاً، كما يقال في اللغة الحقوقية، إن الإنتخابات التشريعية التي جرت في كانون الأول تختلف عن سابقتها لجهة كونها أكثر إتساعاً من الأولى، إلا أن هذه الإنتخابات وما أسفرت عنه، مقدمات ونتائج، فتحت نقاشاً على طبيعة ما سمي بالدستور الدائم، وهو بالتالي غير مقر ليكون قانوناً أعلى للدولة العراقية، وإنه وعلى سبيل الإستطراد، فإنه وإن اعتمد لاحقاً بصيغته الحالية كنص نهائي، فإنه وحتى تلك اللحظة يكون كل ما صدر من تشريعات أو قرارات غير مستوفٍ لأي من مقوماته الدستورية.

وحتى تكون المحكمة التي يناط بها محاكمة الرئيس، دستورية، يجب أن تكون متشكلة في ظل دستور وطني نافذ. وطالما لم يصل الوضع في العراق لأن يكون محكوماً بدستور نافذٍ، فإن كل ما سبق من إجراءات ذات طابع دستوري وكل ما يصدر من قرارات ذات صلة بموضوع السيادة يكون باطلاً وعلى هذا الأساس تكون المحكمة المتشكلة في ظل وضع عراقي غير محكوم بدستورٍ وطني نافذ غير دستورية في تكوينها، وبالتالي يكون كل ما يصدر عنها باطلاً.

ثانياً: في بطلان المحاكمة لعدم الإختصاص الوظيفي:

لو سلمنا جدلاً، أن المحكمة المتشكلة هي دستورية، لكن هل يكفي أن تكون المحكمة دستورية حتى تكون ذات إختصاص وظيفي لمحاكمة من تعتبرهم متهمين، خاصةً إذا ما كان لهم وضع دستوري أو قانوني خاص وتحديداً وضعية الرئيس صدام حسين.

إن مسألة الإختصاص الوظيفي له علاقة بالإنتظام العام، وعلى المحكمة أن تثيرها عفواً وفي كل مراحل المحاكمة وحتى ولو لم يثرها الأفرقاء.

فأين يكمن عدم توفر شرط الإختصاص الوظيفي للمحكمة؟

إن عدم توفر شرط الإختصاص الوظيفي ناتج عن طبيعة الوضع القانوني للمحالين أمام هذه المحكمة وعلى رأسهم الرئيس صدام حسين.

فوزير الدفاع الأميركي رامسفيلد، أعلن عشية اعتقال الرئيس أن الوضع القانوني له هو أسير حرب. وهذا بطبيعية الحال هو التوصيف القانوني الصحيح لسببين: الأول أن العراق وأميركا هما بحالة حرب وأن القوات الأميركية هي التي اعتقلت الرئيس صدام حسين، والثاني، أن الرئيس من خلال وضعه كرئيس للدولة وقائد أعلى للقوات المسلحة يقع تحت الوصف القانوني للمادة 43 من الملحق البروتوكول" الأول الإضافي إلى إتفاقية جنيف الدولية المعقودة في 12 آب / أغسطس، والتي ترعى وضع أسرى الحرب. 

هذا من ناحية الوضع القانوني للرئيس صدام حسين، أما بالنسبة لسائر المحالين أمام المحكمة، فإنهم وإن لم يحدّد المحتل وضعهم القانوني، فإن وضعهم في مواقع المسؤولية التي كانوا يشغلونها أثناء العمليات العسكرية يجعلهم في وضع ينطبق عليه الوضع القانوني لأسرى الحرب وحسبما نصت عليه المادّة 43 من المحلق الإضافي لإتفاقية جنيف في 12/8/1949.  

فالمادة 44 من هذا الملحق تنص في فقرتها الأولى على ما يلي: يعد كل مقاتل ممن وصفتهم المادة 43 أسير حرب إذا ما وقع في قبضة الخصم، والمادة 43 فقرتها الأولى تنص على ما يلي:

تتكون القوات المسلحة لطرف النزاع من كافة المجموعات والوحدات النظامية التي تكون تحت قيادة مسؤولة عن سلوك مرؤوسيها من قبل ذلك الطرف حتى ولو كان ذلك الطرف ممثلاً بحكومة أو بسلطة لا يعترف الخصم بها ويجب أن تخضع مثل هذه القوات  المسلحة لنظام داخلي يكفل فيما يكفل أتباع قواعد القانون الدولي التي تطبق في النزاع المسلح.

أما المادة الفقرة (2) من المادة 43 فتنص: يعد أفراد القوات المسلحة لطرف النزاع مقاتلين بمعنى أن لهم حق المساهمة المباشرة في الأعمال العدائية. هذا المركز القانوني للمحالين أمام المحكمة كأسرى حرب، يفرض توفير الحماية لهم حسبما تنص عليه المادة 45 من الملحق وفي مطلق الحالات ما تنص عليه أحكام المادة 75 من الملحق والمتعلقة بالضمانات الأساسية، مما لا تتوفر لهم شروط الحماية استناداً لمركزهم القانوني كأسرى حرب.

أما وأنهم أسرى حرب خاصة وإن سلطة الإحتلال حدّدت بشكل واضح لا لبس فيه حول المركز القانوني للرئيس صدام حسين بعد اعتقاله، فهم حكماً مشمولين بأحكام المادة 45 والمهم في هذه المادة هو الإحالة إلى المحاكمة.

فالفقرة (2) من المادة 45 تنص على أنه "يحق للشخص الذي يقع في قبضة الخصم إذا ما رأى هذا الخصم وجوب محاكمته عن جريمة ناجمة عن الأعمال العدائية أن يثبت حقه في وضع أسير الحرب أمام محكمة قضائية وأن يطلب البت في هذه المسألة وذلك إذا لم يعامل كأسير حرب. ويجب أن يتم هذا البت قبل إجراء المحاكمة عن الجريمة كلما سمحت بذلك الإجراءات المعمول بها.

إستنادا لهذه النص الواضح، فإن الرئيس صدام حسين ورفاقه الذين هم أسرى حرب فإنهم يتمتعون بكل الضمانات القانونية التي حددتها المادة 45 والتي تتعلق بحماية الأشخاص الذين شاركوا في الأعمال العدائية. وإذا كانت المحكمة المشكلة لا تعتبر المحالين أمامها أسرى حرب أو أنها تعتبر أن شكاً ينتاب وضعهم، فإن هؤلاء المحالين أمام المحكمة يبقوا متمتعين بوضع أسير حرب إلى أن تبت في وضعهم محكمة قضائية خاصة. وطالما لم تبت محكمة قضائية خاصة بوضعهم حول ما إذا كانوا في وضع قانوني لأسرى الحرب أم لا، وطالما المحكمة، لم تبت وقبل إجراء المحاكمة بطلب المحالين أمامها اعتبارهم أسرى حرب، فإن سيرها في المحاكمة دون مراعاة هذه الأصول الجوهرية المفروضة تحت طائلة الإبطال يجعل المحكمة غير ذات اختصاص وظيفي لمحاكمة المحالين أمامها بالنظر إلى الوضع القانوني الذي يتمتعون به.

وعلى هذا الأساس، فإن المحاكمة بإجراءاتها وما سينتج عنها محكومة بالبطلان المطلق لمخالفة قواعد الإختصاص الوظيفي.

ثالثاً: في بطلان الإجراءات القضائية لعدم مراعاتها قواعد الإنتظام العام في أصول المحاكمات الجزائية:

لو سلمنا جدلاً، أن المحكمة التي تحاكم الرئيس ورفاقه هي ذات إختصاص وظيفي، فإنها في هذه الحال يجب عليها مراعاة القواعد، لأصول المحاكمات الجزائية، وإنه من خلال متابعة سير المحاكمة فإنه يسجل حتى الآن مخالفة الشروط الجوهرية المفروضة تحت طائلة الإبطال عند مخالفتها ومنها:

1-   إن المحكمة وعندما تقدم لها لائحة بالدفوع الشكلية، عليها أن تبت بهذه الدفوع وقبل البحث بالأساس خاصةً إذا كان يتوقف على البت بهذه الدفوع السير بالمحاكمة أولاً، وعندما لا تبت المحكمة ولا ترد على لائحة الدفوع الشكلية التي تقدم بها محامو الدفاع، فإنها بذلك تكون قد خالفت شروطاً جوهرية في إجراءات المحاكمة.

2-   إن المحكمة وهي تسير في إجراءات المحاكمة فيما لو كان تصرفها قانونياً في عدم البت بالدفوع الشكلية المقدمة لها، فإن الأصول القانونية المفروضة تحت طائلة الإبطال فيما لو تمت الإجراءات بشكل مخالف للأصول، أن تكون المحاكمة وجاهية، وهذه تشمل استجواب المدعين (أو المشتكين بحسب ما ينص عليه القانون العراقي، والمتهمين وأقوال الشهود. وإذا كان المتهمون يتم إستجوابهم أمام قوس المحاكمة وبحضور الإدعاء والدفاع فإن المفارقة الكبيرة لا بل البدعة التي اعتمدتها المحكمة، هي الاستماع إلى شهود من وراء الستارة.

إن أقوال الشهود هي من وسائل الإثبات، والأصول القانونية تفرض أن يعرف ويتعرف المتهمون إلى شهود الإدعاء كما الإدعاء إلى شهود الدفاع. وعلى الشاهد أن يكون معروف الإسم واللقب والصناعة ومحل الإقامة وعلاقته بالمتهم إن كان هناك عداوة أم لا، ويحق للمتهم أو لمحامي الدفاع أن يسأل الشاهد عبر رئاسة المحكمة، وعلى الشاهد أن يوقع في نهاية الإدلاء بشهادته على أقواله.

هذه الشروط المفروضة في استجواب الشهود نص عليها قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقية في مواده 59 و 60 و 63 و 64 كما تأخذ بها كل قوانين المحاكمات الجزائية لأنها تتعلق بوجاهة المحاكمة وحق المتهمين في معرفة الأشخاص الذين يلدلون بشهادتهم والتي تتوقف عليها في كثير من الأحيان أحكام البراءة أو الإدانة. ولقد تبين من سياق المحاكمات في بعض جلساتها، أن بعض الشهود يدلون بشهاداتهم من خلف الستارة. فكيف تستقيم أصول المحاكمة ويؤخذ بأقوال الشهود وهم في وضعهم الذي يؤدون شهادتهم يخالفون أبسط قواعد وشروط المحاكمة الوجاهية؟

وإنه في ظل محاكمة مشوبة وبإلتباس حول تشكلها، تأتي الطريقة التي يستجوب بها الشهود لتزيد الإلتباس إلتباساً، ولتسقط كل مصداقية حول الشفافية في إجراءات المحاكمة فمن يثبت أن هؤلاء الذين يقفون خلف الستارة، أنهم على صلة بالوقائع التي استند إليها لتوجيه الإتهام إلى الرئيس ورفاقه، ولماذا لا يكون هؤلاء من الذين استحضروا ولقنوا معلومات حول الحادثة وهم يرتبطون بجهة سياسية تريد على أن تسقط على المحاكمة تهماً تستند إلى عدائية سياسية وليس إلى عامل آخر؟

إن الطريقة التي تستمع بها المحكمة إلى أقوال بعض الشهود دون إظهارهم أمام قوس المحكمة، كافية لتجعل هذا الإجراء محكوماً بالبطلان، لأن الأمر لا يتعلق بتقدير المحكمة للطريقة التي يشهد بها الشهود وتستمع إليهم، بل لتعلق الأمر بحق الدفاع الذي يتقدم على أي حق أو تقدير آخر.

من هنا، فإن الإجراءات التي اتخذتها المحكمة في أسلوب استماعها لأقوال الشهود وهم لم يخفوا أيضاً أنهم على خصومة وعداوة سياسية مع الرئيس ورفاقه هي محكومة بالإبطال وهذا ما يضيف شائبة جوهرية إلى الشوائب التي تحيط بكل إجراءات المحكمة.

3-   إن المحكمة التي ارتكبت مخالفة جوهرية في عدم بتها بالدفوع الشكلية قبل البحث بأساس الموضوع، والتي تجاوزت الأصول في توفير الشروط اللازمة لوجاهية المحاكمة، تجاوزت أيضاً حقوق المتهم في موافقته على توكيل محامٍ للدفاع عنه. أن قرار المحكمة بتعيين محامٍ للدفاع عن متهم في حال لم يكن لهذا المتهم محامٍ موكل من قبله مرهون بموافقة المتهم على المحامي المعين من قبل المحكمة، ولهذا فإن قرار المحكمة بتعيين محامين للدفاع من قبلها وبعد قرار هيئة الدفاع الإنسحاب من جلسة المحاكمة هو غير شرعي ومخالف لأبسط الشروط الواجب توفرها لجهة تأمين حقوق المتهم في تحديد من يدافع عنه.


 

رابعاً: في بطلان المحاكمة لثبوت عدم استقلالية القضاء:

لو سلمنا جدلاً، إن المحكمة مشكلة وفقاً للأصول الدستورية، وهي ذات صلاحية وظيفية للمحاكمة، وإن إجراءاتها القضائية لا يشوبها أي عيب. فهل يكفي كل ذلك لأن يجعل المحاكمة تتسم بالشفافية وأن تكون الضمانات متوفرة للمتقاضين؟

لقد تبيّن أن أحد الأسباب أو السبب الرئيسي الذي جعل القاضي رزكار أمين يستقيل من رئاسة المحكمة هو ما أعلنه بأن ضغوطات سياسية تمارس عليه من قبل أطراف في الحكومة، كي يضع سياقات المحاكمة في الإتجاه الذي يريده بعض أطراف الحكومة وإن كانت على حساب الأصول القانونية والإجراءات القضائية التي تفرضها أصول المحاكمات الجزائية.

وإذا كان رئيس المحكمة قال صراحة بأن ضغوطاً سياسية مورست عليه فماذا يعني هذا؟ إن هذا يعني، وبملخص العبارة، أن المحكمة التي تتولى محاكمة الرئيس صدام حسين ورفاقه قد شكلت بقرار سياسي ولهدف سياسي وإن الضغط السياسي يمارس عليها لتأتي الأحكام وفق الرغبات السياسية للقوى المسكونة بخلفية عدائية سياسية دون الأخذ بالمعايير القضائية. هذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل أن القضاء في العراق كواحدة من هيئات القانون العام لا تتمتع باستقلالية في أداء عملها، وهي تخضع للسلطة السياسية الحاكمة تحت ظل الاحتلال وبالتالي فإن كل كلام عن فصل للسلطات، هو إدعاء كاذب، وكل كلام عن محاكمات وفق المعايير القضائية هو كلام تسقطه إجراءات التدخل السياسي في سير المحاكمة والتي ظهرت جلياً في ما أعلنه القاضي رزكار أمين، وهذا الإثبات عن تدخل سياسي مكشوف في سير المحاكمة، يضيف أيضاً عاملاً جديداً لعدم مشروعية المحاكمة وعدم شرعية كل ما تصدره من قرارات أولية وأحكام نهائية وبالتالي فإن هذه المحاكمة تحمل في طياتها كل شروط الإبطال لأنها تفتقر إلى المعايير القضائية والتي ألف بائها استقلالية القضاء.

خامساً: في عدم قانونية تشكل المحكمة لخصومه بين أعضائها والمنتسبين:

لو سلمنا جدلاً أيضاً، أن كل ما أشير إليه، أنه غير مشوب بأي عيب دستوري أو قانوني أو قضائي أو إجرائي، لكن تبقى مسألة مهمة أيضاً يجب توفرها في وضعية الهيئة الحاكمة كي تستقيم المحاكمة أصولاً.

 

هذه المسألة هي أن لا يكون هناك علاقة قربى حتى الدرجة الرابعة أصولاً وفروعاً بين أحد أفراد الهيئة الحاكمة أو الإدعاء والمتهمين، كما أن أصول المحاكمات الجزائية تفرض أن لا يكون قاضي تحقيق في قضية ما، قاضي حكم فيها، أو قاضي إدعاء فيها أيضاً، قاضي حكم، وأن لا تكون هناك خصومة بين هيئة المحكمة والمحالين أمامها. وعندما تكون واحدة من هذه الحالات موجودة فإن القاضي الذي يكون على علاقة قربى أو سبق ونظر بالقضية كقاضي تحقيق أو إدعاء أو كان على خصومة بأحد المتهمين، أو كان وكيلاً في الدعوى قبل أن يصبح قاضياً، عليه في هذه الحالة أن يتنحى. وهذه مسألة تتعلق بالانتظام العام ومخالفتها تجعل الإجراءات مشوبة بعيب الإبطال.

وبما أنه يتبيّن أن القاضي رؤوف عبد الرشيد الذي حل مكان القاضي رزكار أمين، هو من بلدة حلبجة، وأن قضية حلبجة محالة أمام هذه المحكمة كواحدة من القضايا التي وجهت فيها التهم إلى الرئيس ورفاقه، وبما أنه ثابت أنه تربطه علاقات قربى مع بعض من قيل أنهم قتلوا في أحداث حلبجة، وبما أن بعض القضاة في هيئة الإدعاء هم ممن يرتبطون بأحزاب سياسية مشحونة بالعدائية الفكرية والسياسية للرئيس ورفاقه، وإن هذه الأحزاب والقوى التي ينتسب إليها قضاة الإدعاء وقضاة الحكم يضعون هذه المحاكمة في سياقها السياسي ويريدونها على خلفية سياسية. ولهذا فإن هيئة المحكمة برئاستها بشكل خاص وهيئة الإدعاء التي لا تمثل المجتمع في إدعائاتها كما يفترض أن تكون كونها تمثل قوى سياسية، هي في موقع الخصومة مع الموجهة إليه التهمة في أحداث الدجيل، وبالتالي فإنهم وفي هذه الحال ليسوا في وضعية حيادية، كون المحكمة التي تحاكم هي طرف - خصم ولا يمكن الركون لمحكمة تصدر أحكامها وهي في موقع الخصم والحكم في آن. وهذا ما يجعل تشيكل المحكمة مخالف للأصول وبالتالي فإن كل ما يصدر عنها محكوم بالإبطال.

 

سادساً:        في بطلان الإدعاء وإلا سقوطه لمخالفة قواعد النظام العام:

لو سلمنا جدلاً، أن كل الإجراءات صحيحة، فهل يكفي ذلك لأن يجعل المحاكمة قانونية وفق المعايير القضائية؟ إنه تساؤل مشروع، لانه كي تكون المحاكمة قانونية فيجب أن تكون محكومة بقواعد الإنتظام العام.

ومن قواعد الانتظام العام، احترام أحكام الدستور النافذ لجهة الحصانات التي يمنحها الدستور لأشخاص القانون العام، وعدم رجعية القوانين وتطبيق القانون الأرحم وعدم تجاوز قاعدة مرور الزمن في سقوط الإدعاء العام. وهذه المسائل يجب أن تثيرها هيئة المحكمة حتى ولم يثرها الفرقاء لأن الأمر يتعلق بالنظام العام، أما وإن المحكمة لم تثرها كما أنها لم تأخذ بالدفوع الشكلية التي أثارتها هيئة الدفاع، فإن الإشارة إليها موجزاً يكفي ليثبت أن الإدعاء باطل وإلا ساقط في دعوى محاكمة الرئيس صدام حسين ورفاقه في قضية الدجيل وللأسباب التالية:

1-   إن الإدعاء باطل على الرئيس صدام، لأنه يومذاك كان رئيساً للجمهورية، وهو باعتباره من أشخاص القانون العام فإنه متمتع بحصانة دستورية لا تطالها إجراءات المحاكمة المعادية ولا يستقيم القول أن بالدستور قد ألغي وحل محله دستور جديد. لأن الأفعال ينظر إليها في ظل أحكاام القانون النافذ سواء كان قانوناً دستورياً أو قانوناً عادياً. علماً أن الرئيس كان يومذاك هو المستهدف من العمل الإجرامي الذي نفذ في الدجيل.

2-   إن الذين قاموا بفعل محاولة إغتيال الرئيس صدام حسين آنذاك، ارتكبوا فعل جرمياً حسب أحكام القوانين النافذة آنذاك، وبطبيعة الحال يجب أن يحالوا إلى المحاكم، خاصةً وإن القضية لم تكن جرم إعتداء عادي بل كان جرماً موجهاً للنيل من رئيس الدولة ورمزها، وإن الإدارة الحاكمة في ظل الإحتلال حالياً، في محاكمتها للرئيس صدام حسين في قضية الدجيل تريد محاكمة من كان ضحية في تلك الجريمة وليس من يجب محاكمته لإرتكاب فعل جرمي في جريمة مشهودة طالت رمزية وطنية.

 

ولهذا فإن إعادة طرح ما حصل في الدجيل باعتبار المعتدى عليه متهماً، والمتهم أصلاً بها مدعياً، هو إعادة محاكمة على قاعدة ظروف المعطى السياسي الحالي وليس وفق المعايير القضائية، وإن توقيتها في الوقت الذي كانت تجري فيه الانتخابات ووضعها على رأس الاتهام، هو لأجل توظيفها في سياق التعبئة السياسية والأعلامية للعملية الإنتخابية، وهذا كافٍ بحد ذاته لإظهار إنها سياسية وليست قضائية.

3-   في مطلق الأحوال، فإن أحداث الدجيل قد مر عليها أكثر من عشرين سنة، وهي سقطت بمرور الزمن وبالتالي لا يجوز لمحكمة جزائية أن تباشر إجراءات محاكمات إستناداً إلى إدعاء باطل أصلاً وإلا لعلة سقوط الدعوى العامة بمرور الزمن. وإن عدم تصدي المحكمة لهذه المسائل، لتعلق الأمر بالنظام العام، يعني أنه يمكن أن تقول في المحكمة كل شيء إلى أنها ليست محكمة تمارس القضاء على قاعدة المعايير القضائية.

من كل ما تقدم، يتضح وبشكل لا يقبل اللبس أو الإلتباس أن المحاكمة التي تجري للرئيس صدام حسين، هي محاكمة لا تتوفر فيها الحدود الدنيا. من الشرعية الدستورية وهي مخالفة لأبسط إجراءات المعايير القضائية، وإن المحكمة التي تشكلت في ظل الإحتلال الذي أسقط الدولة العراقية وكل ضوابط نظامها العام، هي محكمة غير شرعية، لأنها أنشئت في ظل وضع غير شرعي وهي باطلة تكويناً، وإجراءاتها باطلة لأنها مشوبة بعيوب جوهرية. وإذا كانت قد ظهرت كواحدة من مؤسسات الإحتلال الواجهية، فهي حكماً تواجه مأزقاً كبيراً، وهو ليس إلا إنعكاساً للمأزق الذي يلف وضعية إدارة الإحتلال.

وإذا كانت قد حددت دعوات لمقاطعة هذه المحاكمة لعدم مشروعيتها وكان آخرها ما صدر عن مؤتمر إتحاد المحامين العرب الثاني والعشرون الذي انعقد في دمشق في 21- 23 كانون الثاني، ورد على إجراءات المحاكمة التي يشرف عليها الإحتلال الأميركي، بمحاكمة شعبية في مصر لبوش وبلير وشارون، فإن الرئيس صدام حسين ورفاقه، قد جعلوا من المحاكمة، ساحة منازلة، وموقعاً مقاوماً، لم يكن إلا إنعكاساً لساحة المنازلة ولإتساع دائرة المقاومة للإحتلال. وإذا كان مأزق المحاكمة يزداد يوماً بعد يوم، فلأن مأزق الإحتلال يزداد يوماً بعد يوم وإذا كانت القوى السياسية التي تشكل إدارة واجهية للإحتلال، تريد من خلال التهم الموجهة للرئيس ورفاقه محاكمة سياسية لكن عبر قضايا جنائية، فإن الرئيس ورفاقه، وهم في قفص المحكمة بدوا أكثر حرية من الهيئة التي تحاكم. وأنهم من خلال تصديهم لمهزلة هذه المحاكمة، إنما ظهروا يحاكمون الإحتلال من خلال أدواته وإفرازاته الواجهية، وبذلك يتكامل الفعل المقاوم بطل تعبيراته وعبره سيعاد الإعتبار للعراق والشرعية الوطنية ولسيادة دستوره على أرضه وشعبه. 

 

إلى صفحة مقالات وأراء3

1