20/02/2006

  

صدام يُفشل أهداف المحاكمة

هل سيصدر الحكم على صدام ورفاقه قريبًا؟

بقلم: طلعت رميح

تتسارع جلسات محاكمة الرئيس العراقي 'صدام حسين' كما لو كان الحكم سيصدر عما قريب، حيث الجلسات تواترت بصفة يومية، كما جرى إحضار المحاكمين بالإكراه والقوة العسكرية من مكان أسرهم أو اختطافهم، وكذا لم يعد يجري الالتفات إلى بعض الأسس القانونية من حيث الشكل – من حيث المضمون فكل الإجراءات باطلة - وهي التي كان يجري مراعاتها من قبل بل الحرص عليها 'كما جرى في السماح بدخول محامين عن المتهمين من خارج العراق' من أجل تحقيق الاحتلال لأهدافه من هذه اللعبة. بما جعل التساؤل منطقيًا حول ارتباط هذه العجلة وتكسير الأشكال الإجرائية، بموعد صدور الحكم، الذي صار الكثيرون يرون أنه بدا قريبًا. فهل سيصدر الحكم على صدام ورفاقه قريبًا؟

 

الرئيس العراقي بدا في الدورة الحالية من المحاكمات - كما كان في الجلسات السابقة - قويًا في موقفه وصموده حين هاجم القاضي ووصفه بالجهل والعمالة، وكذا حين ركز هجومه على الولايات المتحدة وعملائها وحين كشف زيف المحاكمة ووصفها باللعبة. كما كان دقيقًا في محاوراته خلال الجلسات إلى درجة إحراج القاضي في مجال اختصاصه. الرئيس صدام حاور القاضي حول حق هيئة المحكمة في فرض محامين للدفاع عن المحاكمين رغم رفضهم لهم، فأوضح له أن المحكمة ليست صاحبة الحق الأصيل في توكيل المحامين، وإنما المتهم هو الذي من حقه ليس فقط تحديد محاميه بل أيضًا رفض توكيل محامٍ عنه وتولي الدفاع عن نفسه، ومن ثم لا حجية قانونية لا في محاكمة بمحامين مفروضين على المحاكمين ولا حجية لمحاكمة بدون محامين طالما تمسك المحاكمون بمحاميهم الذين طردهم القاضي لحسن دفاعهم عنهم. لقد بدت قوة وحضور عقل صدام واضحة فيما حاول دفع المحكمة إلى حالة من عدم الشرعية الواضحة وفي جعله إمكانية استمرارها بصفة قانونية عملية مستحيلة، الأمر الذي أربك القاضي وهيئة المحكمة وأظهر جهلهم حتى بأسس القانون ومواده وبنوده.

 

القاضي ظهر في حالة كئيبة بائسة. لم تظهر فقط من ظهور حالة ضعف كفاءته، وإنما أظهرت كذلك عدم قدرته حتى على النظر في وجه من يراهم متهمين. كما ظهر كحالة ميئوس منها في الرضوخ لطلبات الذين كلفوه برئاسة المحكمة، وكذا أظهر قدرًا غير معتاد في أي قاضٍ أو رجل قانون من العصف بالقانون ومن رؤية العصف بالقانون يجري أمامه وهو سعيد. لقد جرت أمام عينيه عملية ضرب وعدوان على أحد المحاكمين فلم يتحرك غاضبًا ولا حتى رافضًا بل هو أمر ـ والناس تشاهده على الفضائيات ـ بضرب أحد المتهمين حينما قال للحراس أن يقوموا بإسكات برزان التكريتي فيما شكل سابقة لم تجر في أية محاكمة من قبل. لقد كان مفهومًا أن مجيء القاضي الحالي بديلاً للقاضي السابق - الذي قاوم الضغوط عليه في التشدد في 'بهدلة ' المتهمين وضربهم لمصلحة صدور حكم غير مهترئ من ناحية الشكل - هو مؤشر على أن الذي قبل المجيء بهذه الشروط والطلبات الأمريكية لا يمكن إلا أن يكون غائصًا في العمالة حتى أذنيه، لكن الذي لم يكن متوقعًا هو أن يصل تنفيذ القاضي للطلبات الأمريكية إلى هذه الدرجة من عدم مراعاة القواعد الشكلية التي تحقق أهداف قوات الاحتلال من هذه المحاكمة الهزلية، بما جعل الحكم الصادر عنها غير ذي حجية قانونية حتى من حيث الشكل.

الشهود كانوا مفاجأة الجلسات الأخيرة. لقد جاءت بهم هيئة المحكمة أو بالأحرى الجهاز الأمريكي الذي يدير المحكمة والمحاكمة لكي يكونوا شهود إثبات أو شهود زور- ولذلك جرى تهديدهم وإحضارهم بالقوة العسكرية الغاشمة – فإذا بهم يتحولون إلى شهود نفي بل وإدانة للأساليب الإرهابية التي أحضروا بها. وإذ جيء بهم بهدف الإيقاع بينهم وبين المحاكمين، فهم تحدثوا بوضوح أن من في القفص ليس فقط هو رئيسهم، بل هو الرئيس الشرعي للعراق المحتل بما جعل هيئة المحكمة تقع في شر أعمالها. كما هم برفضهم الإدلاء بالشهادة وتأكيدهم أنهم لا يرغبون في الشهادة، إنما دقوا مسمارًا في نعش المحاكمة كلها إذ هي لم تعد باطلة فقط لأسباب تتعلق بأنها تجري تحت سطوة وسيطرة الاحتلال ولعدم شرعية القوانين التي يحاكم على أساسها صدام ورفاقه باعتبارها قوانين صادرة عن حاكم عينه الاحتلال [بول بريمر]، بل هي باتت باطلة لأنها أجبرت شهودًا على الشهادة رغم رفضهم.

 

لقد جيء بالشهود لكي يستكمل من هم خلف المحاكمة في إدارة الاحتلال الشكل القانوني أو لكي يظهروا للعالم أنهم يديرون محاكمة بها 'شهود ومتهمون ..إلخ '، فإذا بهم يسجلون على المحكمة أنها المحكمة الأولى في العالم التي تقبض على الشهود وتجبرهم على الشهادة، حيث كشف الشهود النقاب عن زيارات جرت لهم وهم في المحبس من قبل أعضاء في هيئة الدفاع لمساومتهم على التوقيع على أوراق تتضمن شهادة مزيفة وتحت الإكراه البدني والنفسي!

 

وهكذا أصبحت المحاكمة حالة هزلية لم يبق منها شيء غير مطعون فيه ـ خاصة مع صمود المحاكمين وقوة مواقفهم وحجتهم ـ بما وفر مادة قانونية إضافية لمحامي المحاكمين الذين رفضوا حضور جلسات وطعنوا في شرعيتها تجعلهم قادرين الآن على طلب نقل المحاكمات من تحت أيدي السلطات العراقية وقوات الاحتلال وعلى تقديم شكاوى قانونية إلى كل المنظمات الحقوقية في العالم بل والطعن على إجراءات المحكمة والمحاكمة أمام هيئات الأمم المتحدة، ومختلف أشكال المحاكم الدولية.

 

لكن السؤال المهم هو: إذا لم تنقل المحاكمة وإذا ظلت على حالتها الراهن، فهل يصدر الحكم قريبًا على صدام أو ما هو التوقيت المتوقع لصدور الحكم عليه ورفاقه؟

 

أهداف المحاكمة؟

استهدف الأمريكان فيما هو ظاهر من وقائع جلسات المحاكمة إهانة الرئيس صدام ورفاقه أمام الملايين، سواء بإظهارهم كمتهمين أو من خلال وضعهم في الأغلال أو حتى إحضار أحدهم بملابسه الداخلية، حتى يهزموا روحهم المعنوية إذ طالما بقوا صامدين معنويًا فهم يظلون رمزًا للصمود في مواجهة الاحتلال. كما استهدف الاحتلال تثبيت فكرة أن ثمة حكم آخر قد تشكل في العراق إذ كلما شاهد العراقيون رئيسهم في القفص بينما هناك آخر حر طليق يحمل نفس الصفة ترسخ لديهم أن حكمًا قد انتهى وأن حكمًا جديدًا بدا.

 

واستهدف الاحتلال شن حملة تخويف وإرهاب للعراقيين إذ كلما ظهر الرئيس العراقي صدام حسين خلف الأسوار مقبوضًا عليه مهانًا، فإن جميع المواطنين تصل إليهم رسالة أن تلك عاقبة من يقاوم الولايات المتحدة في احتلالها للعراق ولذلك كان قرار الاحتلال إذاعة جلسات المحاكمة. واستهدف الاحتلال أيضًا أن يشعر المواطن العراق بأن القوة الأمريكية تسيطر على العراق وأن عمليات المقاومة التي يشاهدها لا جدوى منها ولا قوة لها بدليل أن رمز النظام في قبضة القوات الأمريكية.

 

كما استهدف الاحتلال شن حرب إعلامية وسياسية ضد النظام السابق من خلال ما يتردد أثناء المحاكمات على لسان المأجورين والعملاء والخائفين والمرعوبين والمروعين كذلك، حتى لو كان حول وقائع عادية فالمهم أن يجري إنهاء صورة الحكم السابق.

 

غير أن الهدف الأخطر في التأثير المطلوب أمريكيًا هو استخدام المحاكمة في تأجيج الفتنة بين أهل العراق. وإذا كانت الوقائع التي يجري الحديث عنها في أوراق الادعاء هي نمط جرى انتقاؤه بدقه لإيصال رسائل طائفية لكل من يتابع المحاكمة من داخل العراق، وكذا إذا كان القضاة قد جرى اختيارهم ليس فقط لأبعاد تتعلق بالعمالة والخيانة وعدم احترام القانون والنفس وإنما لإدخال البعد الطائفي أو العرقي في المحاكمة وجعله حاضرًا دومًا في رمزيات وفي شخوص من هم في المحكمة والمحاكمة.

 

صدام يُفشل أهداف المحاكمة

بدا صدام حسين ومن معه مدركين لأهداف المحاكمة، فصاروا مع كل إطلالة لهم من داخل جلساتها على الرأي العام، يعملون على إفشال تلك الأهداف واحد تلو الآخر. لقد جرى اختيار المحاكمين لملابسهم التي يرتدون خلال المحاكمة حتى يكونوا ممثلين لكل أطياف العراق في الوقت الذي بقي صدام بملبسه المختلف ممثلاً لكل الطوائف العراقية. كما أمسك صدام دومًا بالقرآن الكريم إظهارًا للتمسك بالإسلام عقيدة وهوية وباعتباره هو الجامع للشعب العراقي وللأمة العربية والإسلامية. كما حاول صدام في كل لفتة وكلمة أن يبث جوانب القوة في الشعب العراقي وفي الشعوب العربية والإسلامية، فظهر دومًا صامدًا وقويًا مشهرًا بأعدائه ومصممًا على المواجهة، كما قرر أن يبدو دومًا وكأنه هو الذي يحاكم من يحاكموه وليس العكس، كما أصر على إبراز معنى أنه الرئيس الشرعي للعراق وأن لا شرعية لحكم نصبه الاحتلال إلخ.

 

لقد استثمر صدام ومن معه تلك المحاكمة في التشهير بالاحتلال وجريمته كما أرسلوا إلى العراقيين والعرب والمسلمين جميعًا رسائل عزة متواصلة نجحت إلى درجة جعلت إدارة جيش الاحتلال تغير رأيها في القاضي السابق وتعزله، فكان أن أوقعت نفسها في مطب باتت معه أسوأ حالاً مما كانت عليه خلال المحاكمة السابقة.

 

كان القاضي السابق أذكى من الأمريكيين، حين حرص أن تأتي تصرفاته مستهدفة تقليل حالة التعاطف مع المحاكمين، وأن تكون الإجراءات التي تجري داخل القاعة مراعية للجوانب الشكلية حتى لا تظهر عملية الفبركة التي تعيشها المحاكمة بصورة فِجة، لكن إدارة الاحتلال لم يعجبها الحال وأتت بقاضٍ لا يقيم وزنًا لجوانب كانت في صالح الاحتلال باعتباره منفذًا لأوامر عسكرية، فجرى ما جرى في الجلسات الأخيرة الذي لاشك عظّم من حالة التعطف مع المحاكمين كما تنهي كل صدقية لما يجري في الجلسات.

 

متي يحكم على صدام؟

يبدو أن جيش الاحتلال والإدارة الأمريكية كانوا قد حسموا أمرهم فيما يتعلق بتوقيت إصدار الحكم على صدام ورفاقه عند بداية الاحتلال وبعد القبض على الرئيس صدام، على أن يكون في الوقت الذي تجد قوات الاحتلال أن الأمور دانت لها في السيطرة على العراق ليكون الإعدام هو الضربة القاضية.

هم كانوا في بداية المحاكمة – كما بدا من متابعة الوقائع – راغبين في يستثمروا المحاكمة لتحقيق أهدافهم إلى أبعد حد وأطول وقت، لتنتهي بأيديهم وفي ظل وجودهم بإعدام صدام وبعض من الذين معه، لتكون تلك هي الضربة القاضية والنهائية لنموذج العراق الوطني العربي المسلم ولتدين لهم السيطرة على العراق أهله وثرواته بصفة نهائية وليكون إعدام صدام درسًا لكل حاكم عربي أو مسلم إذا فكر في التصدي للسيطرة والغزو والاحتلال، إذ هم لم يأتوا للعراق إلا ضمن خطة للسيطرة الشاملة على العالم العربي الإسلامي كله. لكن ما جرى في العراق من مقاومة شرسة أفسد هذا الاحتمال وجعل الجيش الأمريكي يبلغ قيادته بعدم قدرته على الانتصار بسبب قوة المقاومة أو الاستمرار إلى أمد طويل في العراق بسبب شدة الخسائر وضراوتها، بما جعل الإدارة الأمريكية تقرر الانسحاب من العراق، وهو ما يعني تغيير خططها بصورة شاملة في المنطقة بصفة عامة وفي العراق بصفة خاصة، ذلك أن هذا الانسحاب والفشل يستدعي تغييرًا في الخطط إن لم يكن لمحاولة تحقيق نفس الأهداف السابقة بطرق أخرى فليكن لتقليل حجم الخسائر السياسية للبيت الأبيض وللولايات المتحدة.

 

تغيرت الخطط الأمريكية في العراق من الاستقرار إلى الانسحاب وبات السيناريو الأرجح وربما  المؤكد أن الولايات المتحدة في تدبرها لمأساتها وانسحابها تحت ضربات المقاومة، قد استقرت على أن الأفضل لتحقيق أهدافها هو أن يجري الانسحاب والعراق غارق في حالة حرب أهلية كاملة وشاملة، لتضمن أن يأتي انسحابها مبررًا بحالة الاضطراب داخل العراق وبين أهله، وليكون انسحابها قد حقق أقصى أهداف إضعاف العراق كما هو حال غزوها. وهنا تغيرت طريقة استخدام ورقة إعدام صدام، فلم تعد الورقة التي سيجري اللعب بها لحسم المعركة في العراق لصالح الاحتلال واستقراره واستمراره وإنما الورقة التي سيجري من خلالها تفجير الوضع المأزوم في العراق ودفعه إلى الحرب الأهلية للتغطية على الهزيمة والانسحاب.

 

البادي الآن أن الخطة الأمريكية تقوم على ربط موعد الانسحاب بموعد الحكم على الرئيس صدام بالإعدام وتسليمه إلى حكومة عراقية برئاسة 'الجعفري' أو أي من العملاء  لينفذ الحكم في الرجل ليكون ذلك فاتحة حرب أهلية، عملت قوات الاحتلال طوال الوقت على إعداد مختلف الأطراف لها ـ كما هي كرست كل رموز المحاكمة لإحداثها في الوقت الذي تقرره هي ـ كحل بديل لها في حالة الهزيمة والاندحار من العراق.

مفكرة الإسلام – 16/2/2006


 

إلى صفحة مقالات وأراء3