27/03/2006

إنه صدَّام حسين ...... هذا كل شيء

 

 بقلم : محمد واثق غريب

تعابيرُ وجهِ (قاضي المحكمة الأول) كما يُسمِّيه صدَّام حسين لمْ تكن مفاجئة لمَنْ شاهدها .. إنها تعابيرٌ تُصرُّ على التداخل فيما بينها لتمنحنا فرصة التنقيب فيها ومن ثمَّ إيجاد الدوافع .. القاضي يُطلقُ من خلالها رسائلَ وجههِ التعبيرية ولكن لمَنْ ؟ للأمريكي القابع خلف الكواليس متابعاً شرساً للأحداث ومجرياتها وملاحقاً ماهراً لحركية ذهن القاضي في تطبيق لائحة التعليمات إنه المعلمُ الذي يقوم بتأشير علاماتِ نجاح أو فشل الطالب في ورقتهِ الامتحانية  (رزكار) فشل كقاضي من وجهة نظرهم لكنه نجح كإنسان من وجهة نظره .. ويُطلقُ رسائله(للمناضلين) الجالسين في مكانهم المرتفع والذين يُحرِّكون خيوط الدُّمى ( الرفيق جعفر وبطانته) لتنط وتهتز وتقوم وتقعد وتثور .. الإحتجاجات مرسلة عن طريق جهاز الكومبيوتر الذي يُلصق الرفيق جعفر عينيه في شاشته لقراءة أوامرهم إنهم الـ(المناضلون) الجالسون في مكانهم المرتفع والذي اخترقت (تفلة) برزان كافة الحواجز الزجاجية والكونكريتية لتحط لِزُوجَتُها على وجوههم نزولا (إلى حيثُ ألقتْ رحلها).. القاضي يهتمُّ بدرجة الرضا الذي يمنحُهُ له هؤلاء فيضمن ما يستحقُ من رعاية !! هذا الغبيُّ يتلهفُ للحصول على رضاهم ولا يقدِّرُ عاقبة إغضاب جبل (كردَ مند) ... يا له من غباء ، ويطلقها (للمتهمين) ولهؤلاء وحدهم يحتاج وجهُهُ لكلِّ(طسَّات) شوارع إقليم كردستان الفيدرالي ولكلِّ تعرُّجات الأرتال التحالفية ولكلِّ إعوجاجات (الدريل قراطية) في العـراق (الجديد) .. ومع هذا فـ(تفلة) برزان تخترق الحواجز وتحط ُّ لِزُوجتُها على الوجوهِ نزولا (إلى حيثُ ألقتْ رحلها).. أمَّا الجمهور المتابعُ فليس لقاضي المحكمة الأول رسائل له .. هذا الجمهور لا يعني لعدالة محكمته شيئاً .. إنه لا يرى غير العدسات الهوليودية بمهارة تفيقُ مهارةَ همساتِ الجالس إلى يساره والذي أتقن مهمة التلقين التحريضي لكي لا يمرَّ قطارُ الكلمات من فوق أذنيه دون توقف !! جبينُ القاضي كان يرسمُ جغرافية تضاريسهِ ببراعة .. غضبه ، استفهاماته ، احتجاجاته ، وأحيانا انصياعه لقطار الكلمات وهو يمرُّ عليه بسرعتهِ الفائقة .. كان اهتزازُهُ غير منوطٍ بـ(ريختر) الحذر ( لا أريدُ لهذه المحكمة الشرعية أن ينالَ أحدٌ من شفافيتها) هكذا قال وهو يقفُ ليتلوَ القسَمَ على (الشهود _ المشتكين) ثم يمدُّ أنفه بين جملهم المنتقاة .. إنهم أحسنوا الأدوار ... أحدُ بيوتِ (دولتهم الخضراء) كان خشبة لمسرح مؤجل .. الرفيق جعفر وبطانتُهُ أشرفوا على المشاهد جميعها وحرصوا على إعادة (البروفات) قبل العرض بيوم واحد إن مواجهة الكاميرات والأضواء أمرٌ ليس سهلا قالها.. مخرجُ الإدعاء العام! وهو يُقدمُ الأختامَ والأحبارَ الملونة والأوراقَ الرئاسية الفارغة لأحدهم .. إنه يقفُ حيثما يقفُ في مكانهِ في المحكمة .. فلنبدأ الآن ولكن أقترحُ قفصا ًوكرسيا ًعليه صورةٌ كبيرةٌ لصدَّام حسين فقد يتلكأ الأخوةُ المؤمنون وهمْ يواجهونه .. التدريبُ النفسيُّ مهمٌ في هكذا محكمةٍ شرعية !!... عامان في أمريكا والقضاة يتدرَّبون على إيجادةِ أدوارهم .. منهما عامٌ وأحد عشر شهراً وتسعة ٌوعشرون يوما تدرَّبوا فيها على كيفيِّةِ كبح (مثاناتهم) من الإنتفاخ وهم يواجهون صدَّام حسين بدمه ولحمه وما تبقى يخصُّ الشفافية!! المنافسة كانتْ على أوَجِهَا للجلوس على العرش الأول في المحكمة إنه التأريخ لا محالة.. كسَبَ صدَّام حسين مليونَ ضعفِ المحبَّةِ التي كسَبَهَا من صواريخهِ على تل أبيب .. قيل أنه يُجيدُ التحدّث حين يكون العلمُ العراقيُّ خلفَ كتفهِ الأيمن .. قيل أن فرائصَهُ سترتعدُ من تقطيب حواجب الرفيق جعفر وسيَهَابُ موضعَ أقدامهِ .. قيل سيدخل محنيَّ الظهر والأضالع وربما سيبكي طالباً الصفحَ من (المناضلين) الجالسين في مكانهم المرتفع .. قيل .. وقيل .. وقيل.. هذا الرجل أثبتَ إنهُ لنْ يتكرَّر... توقعَ الكثيرُ أنه سيرفض الإدلاء بأيةِ إفادةٍ أو سيطلبُ من محاميه القيامَ بهذا الدور أو يتحدث عن الحادثة ساردا تفاصيلها كالآخرين .. إن الذين يعرفون صدَّام حسين يهزأون من هذه التوقعات .. محبوهُ تمنوا عليه أن يتحدثَ عن اعتقالهِ وحسرتهِ بفقدان ولديه وربما سيكشفُ عن آثار تعذيبهِ في المعتقل وتفاصيل يومهِ وانعزالهِ.. لكنَّهُ لمْ يُحققْ أمنيتهم (ألهذا الحدِّ جهلتمْ صدَّام حسين) جملة خطيرة قالها في إحدى الجلسات.. إنه الرجلُ الثائرُ في كلِّ حالاتهِ .. يا لها من معادلةٍ غير قابلةٍ للتوافق .. صدَّام حسين بثباتهِ دون علم ٍعراقي خلفَ كتفهِ الأيمن و(المناضلون) بارتجافهم وأكتافهُم تزدحمُ بالأعلام!! هذه هي الحقيقة .. قبل وقتٍ قصير من دخولهِ أمسكَ القلمَ لمْ يتردَّدْ فيما سيقوله للآخر الذي يعنيه .. إنه أتمَّ استدعاءَ تأريخهِ ما عليهِ إلا أن ينزف .. لا أحدٌ يستطيعُ إيقافَ لحظة الإستدعاء تلك.. التفريغُ من المُحتوى كان مهمة القاضي في هذه الجلسة .. لكنه أصرَّ على أنْ يكونَ هوَ دائما ً.. لمْ يكنْ معنيا ًبمَنْ أمامه ( كلُّ الذي أمامي لا يُخيفني) .. لقد أنبتَ لكلماتهِ أجنحة تُحلق بها بعيدا ً.. بعيداً .. حيثُ يريد .. (من الغباءِ أنْ نُقدِّمَ مايكروفونا صاخبا ًلصدَّام) إنَّ العبقريَّ الذي قالها لا يعي أنَّ صدَّام حسين لا يحتاجُ لمايكروفون ٍصاخب.. ثلاثة ُعقودٍ ونيِّف جعلتْ من العراقيين ماهرين بقراءة مسافاتِ يديهِ.. الجملة ُستثبتُ عبقريتَها فعلا لو كان حكمُهُ عاما ًأو عامين .. ثمَّ لماذا تصفون أنفسكم بالأغبياء لأنكم قدمتم له مايكروفوناً صاخبا ً؟ ممَّ تخافون؟ ألمْ يُسقط ْالشعبُ تماثيله! ألمْ تكونوا (حكومة شرعية منتخبة)! ألمْ تسيروا بكامل قاماتكم في الأسواق والشوارع دون شركاتِ حمايةٍ عالمية ولا يحزنون! ممَّ تخافون ؟ من قفص ٍداخله رجلٌ أمْ من رجل ٍداخله الأفقُ كله.. من كلماتٍ وارتعاشةِ يدٍ غاضبة أمْ من صداها اللافح.. لكمْ جيوش بعُدَّتِها وعديدها وله قلمُهُ.. لكم المتحالفون وله قرآنُهُ المثقـَّبُ.. لكم ميليشياتٌ مسلحة وله أنفاسُهُ.. لكم المنصَّاتُ والمنابرُ والكاميراتُ والأضواءُ والفضائياتُ والكتبة ُالماهرون بالنفاق ولهُ صوتُهُ.. ممَّ تخافون؟ إذا كانَ صدَّام حسين زمنا ًمضى بكلِّ ما له وما عليه لتركتم أجنحة كلماتهِ تُحلقُ بعيدا ً.. بعيدا ً.. حيثُ يُريد..

عشرون دقيقة ًهزَّتْ عروشكم

عشرون دقيقة أفرغتم بها (مثاناتِكم)

عشرون دقيقة يبصق العراقُ بوجوهِكم واحداً واحداً

عشرون دقيقة وأيديكم تطمئنُ على جوازاتِكم .. إنها بحوزتكم إطمئنوا

 عشرون دقيقة وهواتفكم النقالة تتقاطعُ خيوطها فوق(دولتكم الخضراء)

أولياءُ الأمر في المحكمة يُقدِّرون حجمَ حرجكم من استمرار تحليق كلماته بعد أن قدَّروا حجمَ حرجهم من مَنْ صفق لانتصارهم!! كان لا بدَّ من إسكاتِ العاصفة... ولكن بعد أن اقتلعت السقوف..

إنه صدَّام حسين ..... هذا كلُّ شيء...

 شبكة البصرة

 

إلى صفحة مقالات وأراء4