02/04/2006

  

 

أبو هريرة: أمانة الرواية وصدقها

 

بقلم: د محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadabbas@gawab.com

 

 عفا الله عن رجال يتكلمون في أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه وعن روايته للحديث فهم يغمزون ويلمزون ويتكلمون عن كثرة روايته، مع انه صحابي جليل شهد له رسول الله (ص) بالصدق، ودعا له، وكان رجلا قد هاجر إلى الله ورسوله وكان من الزم الصحابة له وكان يدور معه حيث دار حرصا على الحديث وروايته، ويأخذ عنه ويروي عنه بكل أمانة وصدق.

 

والحديث عن صحابة رسول الله (ص) (ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه) لا بد أن يكون بأدب وعلى علم وأسس صحيحة لا يخدش صحابيا ولا يغمز بأحد منهم، لأن النبي (ص) حذرنا من ذلك عندما قال: «الله الله في أصحابي، فلو انفق أحدكم مثل احد ذهبا ما بلغ مد حدهم ولا نصيفه» وقد لاحظت بكل أسف أن هناك أحاديث تدور عن روايته للحديث وكثرتها ولو ردها هؤلاء إلى علماء الحديث ورجاله لعلموا الحقيقة وعرفوا صدق الصحابة وأمانتهم في الرواية، لأنهم تربوا على يد رسول الله (ص) وسمعوا منه، واخذوا عنه، وتعلموا منه أهمية الصدق، وقد حذرهم من الكذب عليه حين قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».

 

وعلينا أن نعلم أن أبا هريرة صحابي جليل، صحب رسول الله (ص)، وكان قريبا منه، وقد أحبه رسول الله (ص)، ودعا له بالحفظ، وكان رضي الله عنه زاهدا في الدنيا، ومن أهل الصفة، وكان حريصا على سماع الحديث من النبي (ص)، وكثيرا ما كان يتحمل آلام الجوع حتى لا يفوته شيء من الحديث النبوي الشريف.

 

وقد صحب النبي (ص) وحفظ الكثير من أحاديثه، وآتاه الله قلبا واعيا، وحفظا دقيقا، وعرف بالصدق والإيمان والتقوى، والمروءة، والأخلاق، ولهذا فإنه أمر مؤسف أن نلاحظ بين وقت وآخر تهجم بعض المستشرقين، فقد حذا بعض من لا علم له بالحديث حذو هؤلاء المستشرقين، وصدقوا أقوالهم في الطعن في الصحابة الكرام، والطعن في الحديث الشريف، والتشكيك في روايته، وكثير من هؤلاء الطاعنين من المسلمين الذين لم يدرسوا حياة هذا الصحابي الجليل دراسة صحيحة، ولم يعرفوا حقائق ناصعة عن روايته ودقته، ولهذا فقد أخذوا بكل أسف يغمزون ويلمزون، وهذا أمر خطير لأن رسول الله (ص) قال: «من آذى أصحابي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله... الحديث» ومن هنا فإننا نلاحظ أن بعض هؤلاء الطاعنين قد أسرفوا على أنفسهم وعمدوا إلى اتهام أبي هريرة رضي الله عنه بالإكثار في رواية الحديث النبوي، وانه قد روى الآلاف من الأحاديث عن رسول الله (ص)، واتهامه بأنه أسرف في الحديث، وهذا أمر غير صحيح، بل هو تزوير وتدليس على هذا الصحابي الجليل الذي خدم الحديث النبوي وأخلص في روايته، وانقطع له، وصحب رسول الله (ص)، وكان يتحمل ألم الجوع حتى لا يفوته شيء من حديث رسول الله (ص)، وقد اخرج البخاري عنه انه قال: «والله الذي لا اله إلا هو أن كنت لاعتمد على الأرض بكبدي من الجوع، وأشد الحجر على بطني».

 

لقد كان رضي الله عنه حريصا على العلم، وشهد له النبي (ص)، فقد روى ابن كثير في البداية والنهاية أن النبي (ص) قال له: «إلا تسألني من هذه الغنائم التي سألني أصحابك؟»: فقلت له أسألك إن تعلمني مما علمك الله.

 

وكان كثير الحفظ لا ينسى، فقد دعا الله فقال: اللهم إني أسألك علما لا ينسى وقد أمن الرسول (ص) على دعائه. وروى البخاري ومسلم، قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله إني لأسمع منك حديثا كثيرا أنساه. قال (ص): «ابسط رداءك» فبسطته، ثم قال: ضمه إلى صدرك» فضممته، فما نسيت شيئا بعد ذلك.

 

«وهذه ميزة مهمة لهذا الصحابي الجليل فقد روى ابن حجر في الإصابة: أنه جاء رجل إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه فسأله، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ندعو الله ونذكره، إذ خرج علينا رسول الله (ص) حتى جلس إلينا فقال: عودوا للذي كنتم فيه، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي فجعل رسول الله (ص) يؤمن على دعائنا، دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سأل صاحباي وأسألك علما لا ينسى، فقال رسول الله (ص): آمين.. فقال زيد وصاحبه: ونحن يا رسول الله نسأل علما لا ينسى... فقال سبقكم بها الغلام الدوسي. (يعني أبا هريرة). فأبو هريرة إذن محفوف بالعناية الإلهية، والدعوات النبوية، فإذا أضفنا إلى ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة في الدلالة على حبه لرسول الله (ص)، وحرصه على نوال شفاعته الخاصة التي لا ينالها إلا الذين سبقت لهم الحسنى من الله فكانوا أسعد الناس بهذه الشفاعة، وهم الذين تكون شفاعته (ص) بهم شفاعة تشريف وتكريم وعلو درجات، وقرب من رسول الله (ص)، وليست شفاعة من ذنوب أو شفاعة من كبيرة أو كبائر وقد كان جواب النبي (ص) شهادة عظيمة منه لأبي هريرة رضي الله عنه.

 

والسبب في إكثاره من الحديث وعدم نسيانه طول الصحبة، وملازمته لرسول الله (ص) وتأمين الرسول (ص) على دعائه ودعاء الرسول له (ص). فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة انه قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله (ص) والله الموعد، إني كنت امرءا مسكينا اصحب الرسول على ملء بطني.

 

«ولو حسبنا عدد أيام صحبته للنبي (ص) لوجدنا أنها تبلغ أكثر من ألف وأربعمائة وستين يوما ولو قسمنا ما روي عنه من الأحاديث الشريفة على هذه الأيام وجدنا أنه يروي كل يوم ما يقارب ثلاثة أحاديث ونصفا، وفي كل مائة يوم 367 حديثا أو أنه كان يحفظ مائة حديث في كل سبعة وعشرين يوما، فهل يستغرب أن يحفظ أبو هريرة رضي الله عنه كل يوم أربعة أحاديث مع ما رأينا من قصة الكساء، وقصة الدعاء، وما رأينا من حرصه على العلم، وحرصه على حفظ الأحاديث الشريفة، ومع ما رأينا من انقطاعه لخدمة النبي (ص) وسماع أقواله، وزهده في الدنيا، وعيشه مع أهل الصفة، وصبره على الجوع في سبيل ذلك.

 

وعندما قمت بنفسي بالتحقق من هذه المسألة بواسطة فريق مختص في الحاسب الآلي ظهرت لنا حقائق مهمة عن روايات أبي هريرة، فعندما تتبعنا رواياته وجدنا أن هناك ما يزيد عن ثمانمائة صحابي وتابعي رووا عنه الحديث وكلهم ثقات، لكن القضية الأساسية التي أفادتنا عند استخدام الحاسب الآلي هي انه عندما أدخلت هذه الأحاديث المروية في كتب الحديث الستة وجدنا أن أحاديث أبي هريرة بلغت 5374، ثم وجدنا بعد الدراسة بواسطة الكومبيوتر إن المكرر منها هو 4074 وعلى هذا يبقى العدد غير المكرر 1300 وهذا العدد تتبعناه فوجدنا أن العديد من الصحابة قد رووا نفس هذه الأحاديث من غير طريق أبي هريرة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى وبعد أن قمنا بحذف الأحاديث التي رويت من غير طريق أبي هريرة في كتب الصحاح الستة وجدنا أن ما انفرد به أبو هريرة ولم يروه أي صحابي آخر هو اقل من عشرة أحاديث.

 

ومن هذا يظهر أمانته وصدقه في رواية الحديث الشريف، وببريء ذمته رضي الله عنه مما اتهم به، وقد ساهم في هذه الدراسة رجال خدموا سيرة أبي هريرة ومنهم محمد ضياء الدين الاعطى الذي قام بعمل دراسات دقيقة وبذل جهودا تستحق التقدير وقد ساعدني في هذا الموضوع.

 

ثم شاء الله أن نطور العمل في أحاديث أبي هريرة فانتقلنا من الكتب الستة إلى الكتب التسعة وقد لاحظنا أن الأحاديث في الكتب التسعة المنسوبة إلى أبي هريرة هي 8960 حديثا، منها 8510 بسند متصل و450 حديثا بسند منقطع وبعد التدقيق انتهينا إلى أن الأحاديث التي رواها أبو هريرة في كل هذه الكتب التسعة بعد حذف المكرر هي 1475 حديثا، وقد اشترك في روايتها معه عدد من الصحابة. وعندما حذفت الأحاديث التي رويت عن طريق صحابة آخرين وصلنا إلى حقيقة مهمة وهي أن ما أتى به أبو هريرة مع المكررات في كتب الحديث التسعة هي 253 حديثا، ثم إن الأحاديث التي انفرد بها أبو هريرة بدون تكرار ولم يروها احد غيره في الكتب التسعة هي 42 حديثا، وما زلنا نواصل البحث، لكن هذه الأمور وهذه الحقائق أزالت كل تلك الشبه والتهم العقيمة والمغرضة التي كانت تلصق بأبي هريرة ويتهمونه فيها بالإكثار ويقولون عنه رضي الله عنه انه روى 8000 حديث بمفرده.. وبعضهم يقول انه روى 5000 حديث بمفرده.. هكذا دون روية أو تدقيق أو تمحيص.

 

ولذا فاني استغرب من الذين يطعنون في هذا الصحابي الجليل كيف يطعن بمن وثقه النبي (ص) وشهد له بالحرص على الحديث، ووثقه صحابة النبي (ص)، وقال طلحة بن عبيد الله «أحد العشرة المبشرين بالجنة والملقب: طلحة الخير»: لا اشك بان أبا هريرة سمع من رسول الله (ص) ما لم نسمع، ولا نجد أحدا فيه خير يقول على رسول الله (ص) ما لم يقل.

 

وشهد له عبد الله بن عمر فيقول: يا أبا هريرة أنت كنت ألزمنا لرسول الله (ص) واحفظنا لحديثه. وحذيفة ابن اليمان يوثقه ويزكيه وينقل تزكية ابن عمر له وقال رجل لابن عمر: أن أبا هريرة يكثر الحديث. فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به، لكنه اجترأ وجبنا.

 

واعتمده أبو بكر رضي الله عنه بتبليغ الحديث لما كان أميرا على الحج: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ووثقه كثير من الصحابة ورووا عنه وكثير من التابعين رووا عنه كذلك حتى قال البخاري: روى عنه الثمانمائة من كبار أهل العلم من الصحابة والتابعين وكان احفظ من روى الحديث في عصره.

 

ولا بد أن نعلم انه رضي الله عنه قد حرص على تدوين الحديث وكتابته في آخر أيامه وكان يرجع إليه كلما سأله سائل، وقد روى الحاكم والإمام احمد ما يدل أن الحديث كان مكتوبا عند أبي هريرة قال ابن حجر: لا يلزم من وجود الحديث مكتوبا عنده أن يكون بخطه فقد ثبت انه لم يكتب فتعين أن يكون المكتوب عنده بخط غيره، وكان يرجع في آخر أيامه إلى ما كتب من الحديث.

 

وقال الشافعي عنه: أبو هريرة احفظ من روى الحديث في عصره، ومن هنا فاني احذر الذين يطعنون في هذا الصحابي بأن الطعن بأبي هريرة طعن بالنبي (ص) الذي وثقه، وطعن بكبار الصحابة والتابعين الذين رووا عنه ووثقوه، وتطاول على السنة الشريفة.

 

وقد حرص بعض أعداء الإسلام من الذين أثاروا الشبهة حول كثرة روايات أبي هريرة بقصد الطعن في رواية الحديث وكان هدفهم التشكيك في السنة النبوية الشريفة والتشكيك في الإسلام، فالذي يطعن بأبي هريرة يطعن بثمانمائة من الصحابة وكبار العلماء من التابعين، والأمر اكبر من ذلك بكثير عند أهل العلم، لأنه يستهدف السنة النبوية.

 

وقد بين الإمام القرطبي رضي الله عنه أن الطاعن في رواية هذا الصحابي طاعن في الدين خارج عن الشريعة مبطل للقرآن، بل قال بعض السلف: إجلال أبي هريرة إجلال للنبي (ص)، واتهام أبي هريرة فيما يرويه عنه ازدراء على رسول الله (ص) وعلى ما جاء به.

 

وختاما فاني أضع هذه المعلومات بين يدي القاريء الكريم حتى يتبين له الحق، ويعلم خطأ الذين يتهمون هذا الصحابي الذي صدقه رسول الله (ص)، وقربه وصحبه ودعا له، ولو لم يعلم فيه خيرا لما فعل كل ذلك.

 

والقضية ليست قضية عاطفة وإنما حقائق نضعها أمام القارئ ولا املك إلا أن أقول اتقوا الله في صحابة رسول الله (ص)  ولا تتهموا ولا تلقوا القول على عواهنه بغير علم ولا هدى، فان الله عز وجل يقول: «ولا تقف ما ليس لك به علم أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا».

 

***

إلى صفحة مقالات وأراء4