18/04/2006

  

الاعتراف بالمقاومة ..الضرورات والصعوبات

 

 

 

بقلم: طلعت رميح

 

الخطوة الحاسمة في إنهاء المعركة الدائرة في العراق وحوله،تتمثل الآن في تمكن المقاومة العراقية من نيل شرعيتها الرسمية عربياً دولياً بعد أن نالت شرعيتها الجماهيرية محلياً وعربياً ودولياً في معركة تواصلت بعنف وضراوة وتحت قصف إعلامي غربي -أمريكي بصفة خاصة- جرت خلاله عمليات مخططة مبرمجة لتشويه المقاومة العراقية تارة بوصمها الإرهاب وتارة بتشويه وجهتها وأهدافها وتارة باتهامها بقتل الأبرياء وتارة بوصف أبطالها بالصداميين والزرقاويين، وفق التشويه الذي ألحقوه بصورة الرجلين... الخ.

 

الأسباب لذلك متعددة وحيوية، فمن ناحية يمثل الاعتراف الرسمي بالمقاومة العراقية ممثلا للعراق ، نهاية ما سمي بالعملية السياسية في العراق والتي بذلت قوات الاحتلال جهدها طوال الوقت لتشكيل هيئاتها وتثبيتها منذ احتلال العراق وحتى الآن ،باعتبارها شكل السيطرة السياسية على العراق المحتل .الاعتراف هنا يعنى كنس الدور السياسي المشبوه لكل الذين جاؤوا على ظهر الدبابة الأمريكية ولمن انضموا أليهم من بعد إذ الاعتراف يعنى أن ممثل العراق هو من قاوم الاحتلال وكل رموزه ورمزياته. ومن ناحية ثانية فإن الاعتراف بالمقاومة إنما يعنى أن كل الألاعيب الإيرانية في العراق لتغيير هويته أو لتثبيت قيادة من المتعاونين معها في الحكم -في كل أجهزته الرئيسية -قد انتهت إلى الفشل ،وبحكم أن الاعتراف بالممقاومة العراقية يجعل الدور الإيراني في العراق والتفاوض الأمريكي الإيراني حول العراق في مجابهة مع ممثل للعراق معترف به يرفض ما يجرى ويعده تدخلا في الشأن الداخلي العراقي(على خلاف مواقف من هم أمثال الحكيم الذي دعا لحوار أمريكي إيراني حول العراق ).ومن ناحية ثالثة ،فإن الاعتراف بالمقاومة يعنى أن الوضع العربي بات يصب في صالح العراق العربي والإسلامي ،كما بدا يعود إلى حالته المتماسكة القديمة -التي كان عليها على الأقل وقت إعلانه رفض احتلال العراق –وفي صورة أفضل كثيرا مما هو عليه الآن إذ الاعتراف الرسمي العربي بالمقاومة يعنى رفض الاحتلال ورفض ما نتج عن الاحتلال من تغييرات وكذا يمثل اعترافا بما أنجزته المقاومة العراقية خلال مواجهتها للاحتلال واعتراف في الآن ذاته بخطأ الموقف الرسمي العربي السابق منها والانتقال إلى حالة ايجابية مع العراق بعد سنوات الارتباك والتردد وارتكاب عشرات الأخطاء في المواقف منه .ومن ناحية رابعة ،فان الاعتراف بالمقاومة العراقية على المستوى الدولي إنما يعنى أن الوضع الدولي قد ألغى اعترافه السابق بما فعلته الولايات المتحدة في العراق وبكل ما عقدته من اتفاقات مع الحكم العميل (كما يعنى انه قد استعاد رشده وبات يعود إلى حالة سياسية تقوم على الاعتراف بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال) .ومن ذلك كله يتضح مدى التغيير الذي سيحدثه الاعتراف بالمقاومة العراقية كممثل شرعي للعراق باعتباره تغييرا استراتيجيا في العراق وفي الموقف العربي وكذا تغييرا في الوضع الدولي لصالح العراق.كما هو من قبل ومن بعد يمثل اعترافا بنهاية التجربة الأمريكية في احتلال العراق إلى وضع مأساوي للقوة العسكرية الأمريكية وللسطوة الأمريكية على العالم ،كما هو يعنى توجيه ضربة قاضية للإدارة الأمريكية بقيادة الحمقى الحاليين .وهو ما يظهر بالمقابل مدى الصعوبات التي تواجهها المقاومة العراقية في محاولتها نيل الاعتراف الرسمي العربي والدولي.

 

السفراء العرب ومؤتمر الجامعة

لم تكن جهود الولايات المتحدة وخططها وضغوطها فور احتلالها للعراق ،لتغيير تمثيل العراق في الجامعة العربية من النظام الشرعي في العراق برئاسة صدام حسين إلى النظام العميل الذي نصبته مسالة ذات هدف واحد أو خطة في اتجاه واحد .كانت النقطة الظاهرة في الإلحاح الأمريكي على الاعتراف العربي بشرعية هذا النظام العميل ناتجة عن سعى لدعم حصوله على شرعية داخلية في العراق –كجزء مكمل لما يسمى بالعملية السياسية التي استهدفت إعطاء تغييرات الاحتلال شرعية داخلية -إلا أن الضغط الأمريكي من أجل الاعتراف العربي جاء أيضا بهدف إنهاء شرعية نظام حكم (الرئيس العراقي) صدام حسين وبشرعية إحلال نظام آخر مكانه وجعله يحظى بمكانة واعتراف عربي ،كما هي استهدفت دخول الولايات المتحدة بممثلين مباشرين في جامعة الدول العربية من خلال الحكم العميل في العراق باعتباره حكم يدين في وجوده من الأصل والأساس للقوات الأمريكية ومن ثم هو لا يمثل إلا مصالح الولايات المتحدة –وذلك استكمالا لفكرة أن أمريكا أصبحت دولة جوار عربي وفي داخل النظام العربي-كما هو استهدف أيضا تعزيز الموقف الدولي للحكم العميل في العراق باعتبار أن عدم اعتراف الدول العربية به قد يصيب بعض دول العالم بالتردد في الاعتراف به والتعامل معه .

 

وعلى المستوى الدولي استهدف الضغط الأمريكي على دول العالم للاعتراف بالحكم العميل كممثل للعراق ،إعطاء شرعية عربية ودولية للاتفاقات التي كان مخططا عقدها مع هذا الحكم العميل على صعيد تصدير النفط العراقي -لإحكام سيطرة الشركات الأمريكية عليه -وعلى صعيد اتفاقيات بناء قواعد أمريكية دائمة في العراق .

وفي مواجهة هذه الحالة وإذ وضعت المقاومة نصب أعينها إفشال العملية السياسية التي بناها الاحتلال في داخل العراق -حتى لا يحصل على شرعية داخلية -فإنها وضعت نصب أعينها قطع الطريق على كل إقدام لأي نظام عربي على الاعتراف بالنظام العميل في العراق باعتبار أن الاعتراف العربي هو الطريق للاعتراف الداخلي وللاعتراف الدولي بهذا النظام وهو ما جرى وفق صراع وصل حد قصف سفارات الدول العربية(والإسلامية)التي أقامت علاقات دبلوماسية كاملة مع الحكم العميل كما راح ضحيته بعض الدبلوماسيين بين قتيل ومصاب .وقد كان ذلك خلف ما تعرضت له بعثة الجامعة العربية التي زارت العراق من عملية عسكرية تحذيرية خلال وجودها في بغداد .كما كانت تلك الرؤية هي ما دفع لمشاركة بعض المؤيدين للمقاومة في ما سمي بمؤتمر المصالحة العراقية المنعقد بالقاهرة–رغم رفضهم من الأصل الاعتراف بالحكم العميل الذي شارك في المؤتمر-باعتباره منعقدا تحت إشراف الجامعة العربية ،كما كان ذلك خلف تركيز من حضر من مؤيدي المقاومة أو المدافعين عن حقها في المقاومة ،على إنهاء فكرة تمثيل الحكم الحالي للعراق على المستوى العربي من خلال جعل المؤتمر منبرا للحديث عن المقاوم بما يكسبها شرعية عربية رسمية بسبب طبيعة الانعقاد للمؤتمر ومكان انعقاده .

 

الاعتراف العربي ..المنشود

 

المتابع لنشاط المقاومة منذ انطلاقها يلحظ أن المقاومة سعت إلى إجهاض كل محاولات إضفاء الشرعية الداخلية على التشكيل السياسي الذي أسسته قوات الاحتلال من خلال الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات وعملية التصويت على الدستور ومن خلال عدم المشاركة في ما يسمى بالعملية السياسية ،بنفس القدر الذي سعت فيه إلى إجهاض كل محاولة من الدول العربية للاعتراف به .والآن وبعد ثلاث سنوات على الاحتلال تدخل المقاومة العراقية مرحلة جديدة تستهدف نيل الاعتراف بتمثيل المقاومة للعراق.مظاهر هذا التطور الجديد متعددة منها الرسالة التي وجهها عزت إبراهيم نائب الرئيس العراقي إلى اجتماع قمة الخرطوم طالبا الاعتراف بالمقاومة كممثل شرعي ووحيد للشعب العراقي وإنهاء الاعتراف بالنظام العميل ومنها المطالبات التي أعلنت في المؤتمر الرابع لدعم الانتفاضة ،المنعقد في بيروت يوم 31 مارس الماضي بإصدار نص صريح بان المقاومة العراقية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي، ومنها التطورات الحادثة على صعيد انعقاد العديد من المؤتمرات السياسية لدعم المقاومة العراقية في ايطاليا وفرنسا واستراليا صدرت فيها مطالبات شعبية بالاعتراف الرسمي بالمقاومة العراقية.

وواقع الحال أن تغيير الموقف العربي الرسمي هي عملية متطاولة لا شك أنها لا يمكن أن تتنامى إلا بقدر ضعضعة قوات الاحتلال ،باعتبار أن إنجاز مهمة الاعتراف العربي لا يمكن أن تتم إلا في ضوء "تأكد" الدول العربية بان قوات الاحتلال الأمريكية في طريقها إلى الانسحاب بما يحرر هذه الدول من الضغط الأمريكي على الأرض أو بما يجعل اعترافها بالمقاومة ليس موجها بالأساس ضد الولايات المتحدة ،كما هو يتطلب نموا في المطالبة الشعبية العربية للحكومات للاعتراف بالمقاومة -ذلك أن الاعتراف هو قضية شعبية وقضية رأى عام –ومن ثم هو يحتاج إلى عمل شعبي منظم وجهد على مستوى الإعلام العربي المقاوم للضغط بهذا الاتجاه ،إذ مثل هذا العمل الشعبي هو العامل الأساسي في تغيير المواقف الرسمية .كما يحتاج إنجاز هذا الاعتراف إلى جهد مخطط للمقاومة العراقية لأجل تحقيق هذا الهدف بما يتطلبه ذلك من إجراءات وتكتيكات داخل العراق ليس فقط لاستمرار هز الثقة أكثر وأكثر في جهاز الدولة العميل للاحتلال ،لكن من خلال توسيع شبكات الاتصال والإعلام السياسي بالتركيز على هذه القضية ووضعها على جدول الأعمال في كل البيانات السياسية الصادرة عن المقاومة . خاصة وان مساحة قد فتحت الآن أمام تحسن الموقف الرسمي العربي، بسبب حالة الانهيار والتخبط التي يعانى منها الاحتلال ونتيجة للقلق العربي من التدخل الإيراني الفظ في العراق، فتلك عوامل مساعدة ومهيئة ومحركة.

 

الاعتراف ..ومخاطره

 

خلال جهود المقاومة الفلسطينية وعبر نضالها التاريخي ،حصلت المقاومة الفلسطينية على حقها الشرعي في تمثيل الشعب الفلسطيني بطريقة لم تكن صعبة على صعيد الوضع العربي ،إلا أنها كانت قضية بالغة التعقيد على المستوى الدولي انتهت في النهاية بتقديم المنظمة تنازلات خطيرة وضارة.لقد سهل من قضية الاعتراف الرسمي العربي بمنظمة التحرير الفلسطينية -كممثل شرعي للشعب الفلسطيني -أنها نشأت في أحضان النظام الرسمي العربي بما أعطاها صفتها في مؤتمرات القمة العربية دون مشكلات ،كما سهل من حصولها على الاعتراف العربي أن الوضع العربي كان مازال يعيش في زخم "الاستقلال".وفي ذلك لم يكن معقدا في الوضع العربي بهذا الخصوص سوى الموقف الأردني لأبعاد تاريخية تتعلق بالارتباط بين الضفة والأردن وهو ما احتاج صراع وجهد سياسي حتى تم الوصول إلى نتيجة بشأنه .

غير أن الاعتراف الدولي كان حالة معقدة وخطرة ،فرغم أن منظمة التحرير قد ساعدها في الحصول عليه ظروف الحرب الباردة –إذ حصلت على اعتراف دول الكتلة السوفيتية -فان الاعتراف الأمريكي بها قد تطلب من منظمة التحرير تقديم التنازلات المعروفة وفق ما جرى في اتفاقات اوسلو وتطوراتها .

 

وفي ضوء تلك التجربة فان المقاومة العراقية في نيلها حق التمثيل الشرعي للعراق شعبا وأرضا وحكما إنما تواجه ثلاث مصاعب أساسية ،أولها أن الاحتلال أقام سلطة في العراق وحصل لها على بعض من الاعتراف العربي والدولي وهو ما يعنى ضرورة استمرار العمل وفق خطة تصاعدية لإفقاده كل قدرة على ادعاء تمثيل الشعب العراق ،فرغم أن المقاومة قطعت شوطا طويلا على طريق إنجاز هذا الهدف من خلال منع هذا الحكم من الحصول على شرعية التمثيل الداخلي وتقويض أجهزته ومؤسساته ،لكن المقاومة ما تزال بحاجة للانتقال من "عملية إثارة الاضطراب في هذا النظام إلى تفكيكه وإنهاء هرمية تشكيله .وثانيها أن المقاومة تنشد اعترافا بها من النظام الرسمي العربي وهو في أسوأ حالات قوته أو وهو في حالة ضعف أمام عدو المقاومة بشكل خاص (أمريكا)بما يجعله يحسب لهذا الاعتراف ألف حساب وهو أمر يتطلب ضغطا شعبيا وإدارة سياسية للمعركة من قبل المقاومة لتستفيد من التناقض بين النظام الرسمي العربي وأمريكا وإيران .وثالثها أن الوضع الدولي هو في أسوأ الأحوال على صعيد موقفه من كل أشكال المقاومة في العالم سواء بسبب السيطرة والسطوة الأمريكية على القرار الدولي والأمم المتحدة ،أو بسبب تدهور الموقف الأوروبي أكثر وأكثر وهو ما يتطلب تحركات سياسية دولية مترافقة بطبيعة الحال مع ضغط المقاومة على الأرض .ولعل الزيارة التي قام بها الشيخ حارث الضاري إلى موسكو هي بداية لنشاطات متعددة بهذا الاتجاه .

 

 

 

1

إلى صفحة مقالات وأراء4