29/04/2006

 

العراق وصراع الاحتمالات

 

بقلم : محمود شنب

mahmoudshanap@yahoo.com

mahmoudshanap@hotmail.com

 

يتحسس بوش وعصابته الإجرامية مخرجًا لهم ولقواتهم من جحيم العراق .. يفعلون ذلك بخطى ثقيلة ومتعثرة مستخدمين أساليب غاية فى الإنحدار والوضاعة واليأس وقلة الحيلة .

لقد فشل بوش وجنوده فشلا ذريعًا فى العراق ، لكنه مازال مُصرًا ـ إصرار الذباب الوقح ـ على تحقيق أى نوع من أنواع النصر الوهمى أو المزعوم عن طريق مجموعة من الخونه وأرباب السوابق والعملاء ممن فقدوا المشاعر الإنسانية والوطنية وفقدوا الوفاء والإنتماء وعاشوا فى الظل الأمريكى راغبين فى مناصب زائلة وشهرة جائرة على حساب وطن دمرته أمريكا بحقد وعنجهية بطريقة لم يعرف لها التاريخ مثيلا .

لقد طلب أعضاء الحكومة العراقية الجديدة المجد عن طريق العار ، وتمنوا الشهرة عن طريق الغدر ، واقتسموا المناصب اقتسام المحررين وليس اقتسام الخونه والمأجورين .

إن كل الوجوه العميلة التى نراها الآن على الساحة العراقية تمثل النماذج الوضيعة التى تعلق آمالها على أمريكا ، وتعلق أمريكا آمالها عليهم بغية الخروج المشرف من العراق تحت دعاوى تحقيق الديمقراطية وتحرير الشعوب .

والفرق ـ بالتأكيد ـ شاسع وواسع بين من يعمل لصالح وطنه وقومه وبين من يعمل طامعًا فى سلطة وشهرة مندفعًا بعقد شخصية وأمراض نفسية ألمت به وحجبت عنه كل الحقائق والأحداث .

إن كل عضو من أعضاء الحكومة العراقية العميلة يبحث لنفسه الآن عن موضع شهرة أو منصب وجاه حتى لو تم ذلك على أنقاض الوطن وأشلاء الضحايا ، وكم يعجب المرء من كل طالب لشهرة دون استحقاق ويبحث عنها عن طريق أبواب قذرة وأمور وضيعة !!

يقول "سان جوست" عن الشهرة وطالبيها : ( إنما الشهرة قرقعة بلا طحن ، فلتصغ الآذان للقرون الماضية .. لن نسمع شيئـًا ، والذين سوف يتجولون بين قبورنا فى أزمنة قادمة لن يسمعوا شيئـًا كذلك ... ينبغى أن نسعى جميعًا إلى فعل الخير بأى ثمن ، وأن نؤثر لقب الشهيد البطل على لقب الجبان الحى ) .

كل مقاوم عراقى يطمع فى الشهادة ولقب الشهيد البطل على عكس أعضاء الحكومة العراقية الذين يفضلون لقب الجبان الحى على لقب الشهيد البطل ... وكل إناء ينضح بما فيه .

إننا نعيش عصر الإجرام الدولى والبلطجة الرسمية المنفلتة التى تحميها مؤسسات حكومية وهيئات دولية بعدما أصبح العالم كله رهينة لبضع عشرات من الظلمة والطغاه ..

ما نعيشه اليوم يفوق بكثير عصور الجاهلية الأولى وزمن ما قبل الرسالات .. نعيش عصر الطغاه والأجارم .. عصر فرعون وهامان وجنودهما .. أمريكا تمثل فرعون العصر ، ومجلس الأمن يمثل هامان أمريكا ، وحكام العرب يمثلون وكلاء الغرب وخدامه ..!!

لقد خلت الأرض من تعاليم الديانات والعقائد الصحيحة ، وصار الإسلام غريبًا ووحيدًا يقاوم طوفان الفساد والإنحلال بمفرده .. من أجل ذلك فإنه يُحارب فى كل بقاع الأرض لأنه يمثل العقبة الكئود أمام كل متسلط وغادر وكل من يريد أن يُنصب نفسه إله ويبغى فى الأرض الفساد .. الإسلام اليوم يُحارب من كل ملل الأرض بما فيهم من ينتسبوا زورًا للإسلام ، وبسبب الحروب التى يشنها الغرب على الإسلام تغيرت حقائق وقوانين وتطورت معدات وأسلحة وتحالف الخونه مع الأعداء واندمجت دول وأنظمة وأصبح الإسم الحركى للحرب على الإسلام هو "الحرب على الإرهاب" وأصبح العالم كله على قلب أفجر رجل واحد ينادى بأعلى صوته : هيا للحرب الصليبية .. هيا للقضاء على الإرهاب ـ قاصدًا الإسلام ، وما الحرب التى تشنها أمريكا ودول التحالف على العراق إلا واحدة من هذه الحروب القذرة التى تشن على الإسلام تحت دعاوى زائفة تتغير ذرائعها كل يوم تغير الجوارب والأحذية كلما تبين زيف حجتهم  وكذب ذرائعهم .

وإذا ما نجحت أمريكا فى تنصيب حكومة من العملاء فى العراق ومكنت الخونه من إحكام قبضتهم على مقاليد الحكم فى هذا البلد العظيم قبل الانسحاب من هناك ... فإنها بذلك تكون قد حققت نجاحًا كبيرًا فى العراق حتى لو انسحبت ذليلة وادعت أنها هُزمت هناك وتركت العملاء يحتفلون بالانسحاب على أنه نصر وفخر من أجل تضليل الشعوب وخداع الأمة وجعل يوم الانسحاب عطلة رسمية يحتفل بها الجعفرى وعلاوى والسيستانى وشركائهم ـ فإن ذلك لن ينطلى على أحد من الشرفاء !!

يقيم حكامنا أعياد وهمية للجلاء فى كل عواصمنا العربية يحتفلوا بها كل عام ، لكن الواقع يؤكد أن كل أعياد الجلاء التى نحتفل بها فى أوطاننا العربية مشكوك فى صحتها ، وكلها تمثل رمز خادع للإستقلال الوهمى الذى انتقلت فيه السلطة من عدو أجنبى إلى عدو محلى يكون أكثر قسوة وأشد إجرامًا على الشعب ويكون أكثر تهاونـًا وتفريطـًا فى قضايا وثروات الوطن .

إن الجلاء الحقيقى فى العراق لا يمكن أن يتحقق إلا بعد التخلص من آخر عميل وخائن ساعد أمريكا على ضرب العراق ، ولا يمكن أن يتحقق الجلاء فى ظل حكومة عميلة شاركت أمريكا فى ضرب العراق والنيل من تاريخه وأمجاده .

أكاد أسمع صرخة "نهرو" التى أطلقها منذ أكثر من نصف قرن محذرًا كل من يحتفل ويفرح بأعياد الجلاء الوهمى قائلا : ( أيها الساده ... أنتم تثيرون فزعى إلى درجة الموت .. إنكم تثيرون فزعى لأنكم لا ترون ما هو أبعد من موقع أقدامكم وتشغلون أنفسكم باللحظة التى مضت وليس باللحظة القادمة .. إن مستعمريكم السابقين رتبوا أنفسهم قبل أن يوافقوا على الاستقلال وأقاموا أوضاعًا جديدة تستبدل أعلامهم القديمة بأعلامكم الجديدة ... فهل سألتم أنفسكم : من هم هؤلاء الذين يسيطرون عليكم ؟!! ... إنهم نفس جلاديكم السابقين ) .

من أجل ذلك علينا أن نحذر وأن نفهم الأمور على حقيقتها ، وأن نعمل جاهدين على أن تكون المقاومة هى طريق الخلاص الوحيد الذى سيمكن الشعب العراقى من فرض إرادته وامتلاك زمام الأمور فى يده .

إن أمريكا تعمل جاهدة ليل نهار من أجل تنصيب حكومة عميلة فى العراق مستخدمة فى ذلك كل الوسائل والسبل معتمدة على خنوع الأنظمة العربية وعملاء العراق  وعلى خيانة مجلس الأمن لدوره ومسئوليته ... ولو تحقق ذلك فسيكون هذا الأمر بمثابة الغزو الحقيقى للعراق وسيمثل حكم العملاء الكارثة الحقيقية التى ستواجه العراق وشعبه وكل شعوب المنطقة ، فأمريكا لا تحارب الدول الإسلامية بغية البقاء فيها وإنما تحاربها من أجل تنصيب حكومات عميلة تسهل لها استعباد الشعوب ونهب ثرواتها .

إن التخلص من الأعداء أيسر بكثير من التخلص من العملاء ، الأعداء يلزمنا وقت قصير للتخلص منهم بينما العملاء يحتاجوا إلى أجيال وأجيال حتى يمكن القضاء عليهم .. حيث تتضخم فى ظلهم الأنظمة الفاسدة وأجهزة الشرطة والمخابرات وأمن الدولة وفرق مكافحة الشغب وتكثر السجون والمعتقلات ، ويصبح الخارج على النظام خارج على الشرعية ، ويصبح الذى يريد الإصلاح متطرف وإرهابى وضمن الفئة الضالة ، وبسبب كل ذلك يعيش الشعب العربى كله الآن تحت قهر النظام وسطوته ويصعب عليه التخلص من الخونه والعملاء مثلما هو حادث الآن فى كل عواصمنا العربية دون استثناء .

إن للإستقلال الحقيقى دلائل وعلامات لا تخطئها العين أبدًا ..

فلا نهضة فى ظل عبودية ..

ولا حرية فى ظل ديكتاتورية ..

ولا استقلال فى ظل تبعية ..

والدول التى تستقل حقيقة تتداول فيها السلطة ويتناوب عليها حكم الشرفاء .

الدول المستقلة فعلا تكره الخضوع لهيمنة الغير ويكره حاكمها أن يتحكم فى سياساته الآخرين ..

الدول المستقلة فعلا لا يعرف حكامها إنفصام الشخصية ولا الحكم بوجهين .. وجه للشعوب ووجه للطغاه ..

الدول المستقلة فعلا يمشى حاكمها وسط أبناء شعبه لا يفصله عنهم فاصل .. يتجول فى شوارع بلاده على قدميه دون خوف أو حراسة ..

الدول المستقلة فعلا لا يفعل حاكمها إلا ما يطلبه شعبه وترغبه أمته ..

الدول المستقلة فعلا يحكمها قانون وتكون قواتها المسلحة أعلى ـ عددًا وعدة ـ بما لا يقارن مع قوات الشرطة وفرق مكافحة الشغب ..

أين نحن من كل ذلك ومؤتمرات القمة تعقد وتنفض بأوامر أمريكية ، وحركة دولنا العربية بالسالب والموجب والتنافر والتجاذب تفرضها علينا قوى الغرب ، ولينظر كل منا الآن إلى ما تفعله السلطات الأردنية فى حماس وإلقاء التهم جزافا عليها !!

أمريكا تجمع علينا الخلق من كل حدب وصوب وتحاربنا على أرضنا فى الوقت الذى يمنعنا فيه الحكام من المساندة أو المساعدة بالمال أو السلاح من أجل الزود عن الأوطان ..

أمريكا تمد حكامنا بوسائل التعذيب وتمد إسرائيل بالأسلحة ووسائل الإنتاج ..

أخذنا من تركة الإتحاد السوفيتى الراقصات وأخذت إسرائيل الأساتذة والعلماء ..

إن كل ما حدث لنا في عواصمنا العربية تحاول أمريكا فعله الآن فى العراق .. كل غايتها تنصيب حكومة عميلة ونظام عميل .. من أجل ذلك فإن كل من يتصور أن المحنة العراقية ستزول بتشكيل الحكومة العراقية وخروج القوات الأمريكية من العراق مخطئ ، ومخطئ أكثر من يروج لهذا الإفك والضلال .

إن محنة العراق الحقيقية سوف تبدأ يوم انسحاب أمريكا وتمكين العملاء من حكم العراق .

العراق يعيش اليوم على أبواب محنة حقيقية لا يعلم مداها إلا الله .. يعيش المخاض العسير الذى يسبق ميلاد إما الحرية بالجهاد أو العبودية بحكم العملاء ، وبين الأمرين قد تلد الأحداث طفلا مشوها تجلبه الحرب الأهلية والتطاحن الطائفى الذى تزداد فرص حدوثه وتذكيته فى هذه الأيام .

العراق يذبح فى كل يوم مائة مرة بألف يد وألف سكين ، ولولا عمق هذا الشعب وإيمانه ورصيده الإيمانى والنضالى ما استمر واقفا على أقدامه أسبوعًا واحدًا ، فلا توجد دولة على ظهر الأرض تحملت ما تحمله العراق وأهله .. العراق أصبح اليوم كالثروة التى غاب صاحبها وبات الكل يتنازعها .. العراق فى محنة حقيقة ، وفى محنته هذه لم يجد أمته التى ينتمى إليها ، ولم يجد أى من جيرانه ، ولم يجد ظهرًا واحدًا يستند إليه .. لقد خانه الجميع دونما سبب واكتفوا بالفرجة على مصائبه وكوارثه رغم بوادر الحرب الأهلية التى لاحت فى الأفق والتى تمثل الخطر الحقيقى على وحدة وتماسك العراق .

يقول "باتريك كوكبيرن" مراسل صحيفة الإندبندنت : ( لقد بدأت حرب أهلية دموية ووحشية فى البلد الذى وعد الرئيس الأمريكى جورج بوش ورئيس الوزراء البريطانى تونى بلير أن يتم تحريره من الخوف وإرساء قواعد الديمقراطية فيه ، إننى أقوم بزيارة العراق منذ عام 1978 ولكن للمرة الأولى أصبحت لدى قناعة تامة أن هذا البلد لن ينجو ) !!

كما يؤكد "بيرجان لويزان" الخبير الفرنسى فى شئون العراق : ( بأن العراق محكوم عليه بحرب أهلية لا نهاية لها ) .

والحرب الأهلية فى أى وطن تمثل المدخل الطبيعى للفرقة والتقسيم وخصوصًا إذا ما خرجت الأمور على السيطرة وأصبحت كل جماعة تعمل من أجل حماية نفسها ومصالحها وهذا ما يقترب العراقيون منه الآن .

وعلى الشعب العراقى أن يحذر كل الحذر مما يخطط له وأن يتمسك بثلاثة أمور لا بديل له عنهم : عدم الإنجرار إلى السقوط فى حرب أهلية لن تبقى ولن تذر ، وعدم التخلى عن المقاومة بحال من الأحوال ، وعدم التعامل مع أى حكومة عميلة شكلت برعاية أمريكية فى ظل قوات الاحتلال حيث سيمثل هذا الإعتراف بداية النهاية لشعب عظيم ودولة عظيمة تحملت فى سبيل استقلالها ما لم تتحمله أى دولة أخرى فى العصر الحديث .

نصحت ونحن مختلفون دار       ولكن كلنا فى الهم شرق

 1

إلى صفحة مقالات وأراء 5