27/03/2006

العراق في خطر.. فمن يحميه

 بقلم :عوني القلمجي

لم يكن مفاجئا  الاعلان عن اجراء حوار بين امريكا وايران ، فكلاهما ارتبطا باتفاق فيما يخص العراق وقبله افغانستان قبل غزوهما . فهو اذن حوار بين حليفين جمعتهما مصالح مشتركة في كلا البلدين المحتلين .  فدعونا اذن من صراخ نجادي وبوش واتهام كل منهما الاخر بانه العدو رقم واحد. اما التهديدات المتبادلة حول المشروع النووي الايراني فهي ليست سوى اوراق يستخدمها كل طرف لابتزاز الطرف الاخر حين تسول له نفسه بالخروج عن النص ، مثل ما حدث بين السفير زلماي زادة وبين عبد اعزيز الحكيم مؤخرا. فحين هدد زادة بسحب الوزارات السيادية من قائمة الائتلاف  في الحكومة المنتظرة ، رد عليه الحكيم بـ "الانتقال" الى المقاومة المسلحة. المهم ان كلا الطرفين بات بحاجة الى الاخر لتفادي الهزيمة على يد ابطال المقاومة الوطنية العراقية ناهيك عن فشل العملية السياسية رغم التحاق من يسمون انفسهم بـ "السنة" اليها ، اما حكومة "الوحدة الوطنية" التي تفاخروا بها ومن انها ستمثل كل اطياف ومكونات الشعب العراقي ، فقد صدئت وبان معدنها الردي قبل الاعلان عنها.  وعلى ضوء ذلك فانه من المرجح ان ينتهي هذا الحوار الى اتفاق  لتمرير مخطط تقسيم العراق وتمزيق وحدته الوطنية وزج العراقيين  في حرب طائفية مقيتة ، كمخرج اخير لتفادي الهزيمة المنكرة. اما ما يشاع من ان امريكا تريد من هذا الحوار تحجيم الدور الايراني في العراق ارضاءا  لـ "السنة" وتهدأة مخاوف دويلات الخليج العربي ، فهذا يتعاكس مع واقع الحال ، فلقد اثبتت الوقائع بان ايران تغلغلت في جنوب العراق تحت سمع وبصر قوات الاحتلال وحمايتها.

 

اذا كان هذا صحيحا وهو صحيح ، فان الشروع في تنفيذ تلك الجريمة البشعة على المدى القريب احتمال كبير جدا. خاصة وان الطرفين قد قطعا شوطا كبيرا حسب وجهة نظرهما في تهيئة المناخ الملائم لتقسيم العراق وخاصة بعد تفجير مرقد الامامين الهادي والعسكري عليهما السلام ،  وما اعقبه من هدم وحرق الجوامع وقتل الابرياء بالجملة على يد قوات بدر ومغاوير الداخلية وفرق الموت ، وتوزيع جثثهم بعد تشوهيها على المناطق السنية والشيعية على حد سواءاعتقادا منهم بان ذلك سيشجع الاهالي على الدخول في مستنقع الفتنة الطائفية . ويدخل ضمن هذا الاطار تصعيد الهجمات ضد المدن والتي كان ابرزها الهجوم على مدينة سامراء الذي يعد اكبر هجوم جوي وبري بعد الاحتلال ، والذي استخدمت فيه 50 طائرة مقاتلة و200  الية عسكرية و2000 جندي. لكن الاهم من كل ذلك ينحصر في سؤال واحد هو ما هي فرص نجاح هذا المخطط السيء الذكر؟ وهل كل ما يشتهي المرء يدركه ام ان الرياح ستجري بما لا تشتهي سفن امريكا وايران؟

 

يعتقد البعض ان لدى امريكا وايران ما يمكنهما من تنفيذ هذا المخطط الغادر ، فهناك قوات الاحتلال لم تزل قادرة على الصمود بوجه المقاومة لفترة من الصعب تقديرها ، وهنالك المليشيات المسلحة والتي يفوق عدد منتسبيها تعداد قوات الاحتلال مجتمعة ، فضلا عن احزاب لها تاثير في الساحة العراقية ، ودول جوار متواطئة مع الاحتلال وحلفاء لا تسرهم هزيمة امريكا ، لكن الحقيقة شيء والحسابات بهذه الطريقة السطحية شيء اخر. بدليل ان كل هذه الممكنات التي هي موجودة اصلا لم تسعف قوات الاحتلال في انهاء الصراع بينها وبين المقاومة لصالحها ، بل ان الوقائع اثبتت بان نتائج هذا الصراع  تسير لصالح المقاومة الوطنية  ، الامر الذي ولد قناعة لدى معظم الخبراء العسكرين والمحللين السياسين بان مشروع الاحتلال قد فشل وان لا طريق امام الامريكان سوى الانسحاب والاحتفاظ بماء الوجه. اما قدرة امريكا وايران على جر المجتمع العراقي الى حرب طائفية تحرق الاخضر واليابس وتجبر العراقيين على قبول فكرة التقسيم وبالتالي توجيه ضربة قوية للمقاومة الباسلة ، فهذا امر تعوزه ادلة الاثبات. فطبيعة المجتمع العراقي وخصائصه الفريدة وقدرته على مواجهة التحديات والمخاطر مهما كانت كبيرة تثبت العكس تماما، ولنا فيما حدث بعد تفجير مرقد الاماميين في سامراء وما اعقبها من قتل العشرات على الهوية من السنة والشيعة خير دليل على ذلك ، حيث اخلت الفتنة والاعمال الغوغائية مكانها للتظاهرات والصلوات المشتركة بين الشيعة والسنة ، ورفع شعارات التاخي والوحدة بين الطائفتين الكبيرتين ، فالتعددية في العراق كانت على الدوام  مصدر قوة وليس مصدر للاقتتال ،و تاريخ هذا المجتمع يشير الى انه لم يعاني في حالات كهذه من هزات عميقة تؤدي الى الاخلال بوحدته او تحدث تغيرا في ملامحها  وبنيتها الراسخة . واذا حدث استثناء في تاريخ هذا المجتمع العريق في الماضي وطرا شيء من الخلل فسرعان ما يستعيد هذا المجتع تماسكه وتعود الامور الى مجاريها الطبيعية. ومع ذلك فليس من الحكمة الاستهانة بالمحتل وحلفائه وما يخططون والاعتماد على تاريخنا العريق في مواجهة التحديات على خطورتها ، فالتغلب علي مثل هذه التحديات والمخاطر في الماضي كان مقرونا دائما بوحدة الموقف  والاصفاف في خندق واحد وزج طاقات المجتمع في المواجهة. ترى هل توصلنا ونحن نقاوم الاحتلال الى هذه الالية ام ان هناك ما يجب عمله ولم ينجز بعد ؟

 

لا شك في ان المقاومة الوطنية العراقية وخاصة المسلحة منها ادركت هذه الاهداف الخبيثة وان الاحتلال لم يات الى العراق الا من اجل تحقيقها ومن دون ذلك  فانه لا امل لانسحاب قوات الاحتلال طواعية ، وانه لا طريق لاسقاط مشروع الاحتلال سوى المقاومة بكل اشكالها وفي المقدمة منها المقاومة المسلحة. ولذلك ركزت المقاومة هجماتها على قوات الاحتلال  وكبدتها خسائر جسيمة في الارواح والمعدات مما افقدها توازنها وثقتهاالعالية بنفسها ، ليس هذا فحسب وانما اتخذت قرارا صعبا واعتبرت ما يسمى بالجيش الوطني والشرطة واجهزة الامن اهدافا مشروعة للمقاومة ، وحين جرى تفجير مرقد الامامين الهادي والعسكري عليهما السلام ، تصدت المقاومة لعمليات هدم وحرق المساجد وقتل الابرياء واعتبرتها مهمة ملحة ، يضاف الى ذلك جهد المقاومة الحثيث لتجميع القوى المناهضة للاحتلال في جبهة وطنية عريضة بدأت نواتها بالجبهة الوطنية والقومية والاسلامية ، وهي تطور يضاف الى تطور عملها باستمرار في جميع الميادين ، لكن المقاومة ومع كل هذه الانجازات الكبيرة تعاني من اضرار ذوي القربى  سواء فعلوا ذلك عن قصد او حسن نية. والمقصود هنا وعلى وجه التحديد هيئة علماء المسلمين والتيار الخالصي والتيار القومي المنضوين تحت خيمة المؤتمر التاسيسي اضافة الى التيار الصدري. ومن دون توان اوخشية او مجاملة او انحياز مسبق لا بد من التعرض لمواقف هذه القوى الفاعلة عساها ان تعيد النظر ارائها خاصة وان العراق يحتاج لحماية نفسه من تلك المخاطر الى عودة هذه القوى الى المكان اللائق بها في صفوف المقاومة الوطنية فعلا لا قولا والمساهمة الجادة في عملية تحرير العراق.

 

لا نريد في هذا الصدد الدخول في مناظرات سياسية حول النضال السلمي واهميته وحاجة النضال العسكري اليه او ما هو مفهوم النضال السلمي وفي اي الظروف تكون له الاولوية. من الافضل ان  نتجنب كل هذا ونحسبها "حسبة عرب" كما يقول العراقيون اي حسبة بسيطة لنرى ماذا جنت هذه القوى بعد تخليها عن مساندة المقاومة والدخول في نفق العملية السياسية المظلم. فحين قبلت هذه القوى حضور مؤتمر القاهرة واجراء "مصالحة وطنية"  مع احزاب الاحتلال التي شاركت في تدمير بلدنا وشعبنا ، قدمت دون ان تحصل على مقابل اعترافا صريحا بالاحتلال كامر واقع يجب التعامل معه من خلال اعترافها بعملائه والجلوس معهم تحت سقف واحد ومنحهم صفة الوطنية ، ووافقت على البيان الختامي الذي الزم  الجميع بشرط المشاركة بالانتخابات ودعم العملية السياسية. واذ بررت هذه القوى مشاركتها في المؤتمر السيء الذكر بانها انتزعت اعترافا بالمقاومة الوطنية العراقية فان هذ الاعتراف وان كان عموميا نسفته احزاب الاحتلال ووصفوا المقاومة  وهم داخل المؤتمر بالارهاب واعتبروا انفسهم المقاومة الحقيقية وما عدا ذلك ارهاب اما جدولة الانسحاب فعلى الرغم من ربطه بتحسن الوضع الامني الذي قد يستغرق سنين طويلة في حال بقاء الاحتلال ، فان الادارة الامريكية اعتبرت اي انسحاب جزئي او كلي هو بمثابة هدية للارهابيين اي المقاومة بل وزادت عدد قواتها خلال الاسبوعين المنصرمين ليصل بـ 8 الاف جندي امريكي وصلوا الى المنطقة  ثم هل حافظت هذه القوى على عروبة العراق حين حضرت المؤتمر المشؤوم؟ لم يحدث هذا على الاقل نظريا بتغيير المادة ذات الصلة في الدستور الجديد . اما الحد من الهيمنة الايرانية على جنوب العراق او العراق كله ، فالامر هنا اكثر من مخيب للامال فبدل ان تكون هذه الهيمنة قد تمت خرقا للقوانين المحلية والدولية ها هي امريكا تفتح حوارا مع ايران بشان العراق مما يضفي على هذه الهيمنة صفة الاعتراف الكامل بها ، بل ان عبد العزيز الحكيم المتحدث باسم ايران قال ان من حق ايران ان يكون لها دور فاعل في العراق ودور في تحديد مستقبله ، ثم ماذا فعلت القوى التي شاركت في الانتخابات وحظيت  بتاييد واحترام هذه القوى سوى ظهور قادتها مثل عدنان الدليمي ومحسن عبد الحميد على شاشات التلفزة وهم غارقون في الضحك مع عملاء الاحتلال في نفس الوقت الذي يجري فيه قتل العراقيين الابرياء  بالجملة ورمي جثثهم في الشوارع والازقة اما تحقيق الامن والاستقرار فهذه علمها عند هذه القوى فهم اكثر دقة منا في وصف الحال.

 

امام هذه الوقائع زائدا عزم امريكا وايران على تدمير العراق ارضا وشعبا وفي وضح النهار وامام التخطيط لزج البلاد في حرب طائفية واهلية وامام اصرار امريكا على البقاء في العراق الى اجل غير مسمى ، كان من المفترض ان تعلن هذه القوى تنصلها من اتفاق القاهرة وتراجع مسيرتها السياسية وتنتقدها علنا وتعود الى مواقع المقاومة السلمية بمفهومها الصحيح وبالاخص مقاطعة الاحتلال ورفض التفاوض معه والتظاهر ضد جرائمه وصولا الى العصيان المدني ، لا ان تكتفي بعقد مجالس عزاء للضحايا الابرياء واصدار بيانات الادانة والاستنكار ضد مجهول

 

ترى هل ستقوم هذه القوى بمثل هذه المراجعة وتساهم فعلا في دحر المخطط الامريكي الغادر وتساعد المقاومة البطلة الباسلة على انجاز مهمة التحرير النبيلة وتحمي العراق واهله من شرور الاحتلال؟

العراق والمقاومة بحاجة إليكم فافعلوها والا فان التاريخ لن يرحم المقصرين أيام الشدة.

19/3/

 شبكة البصرة

 

إلى صفحة مقالات وأراء4