28/04/2006

الجميع يعرفون أن حربا ستنشب مع إيران

 

 بقلم الكاتب الروسي : ميخائيل زيجار

هناك نكتة روسية معروفة. عندما يسأل المريض: -هل سأموت، يا دكتور؟ طبعا. ولكن كيف! إن المباحثات السداسية التي دارت في موسكو، بمشاركة كل من روسيا والولايات المتحدة والصين والترويكا الأوروبية المتمثلة بفرنسا وبريطانيا وألمانيا، حول الأزمة النووية الإيرانية هي أصدق تعبير لاجتماع لجنة استشارية من الأطباء الذين يعرفون جيدا أن المريض سيموت إن عاجلا أو آجلا. وفي الحقيقة، فجوهر الحديث لا يتمحور إطلاقا حول إمكانية إنقاذ حياة المريض من عدمه، حتى وإن كان الأطباء لا يزالون يرون أن هناك إمكانية لعمل ذلك. والأمر ببساطة، وببرجماتية شديدة، يدور النقاش عن: متى تحل لحظة الوفاة؟ وفي فترة مَنْ مِنْ الأطباء المناوبين بالضبط؟ وماذا سيفعلون بالجثة؟

وفي واقع الأمر، ومهما تحدثوا، فإن العالم أصبح مستعدا على المستوى النفسي ليس فقط لتقبل فكرة الحرب مع إيران، بل وأيضا لنشوبها، حتى الرئيس الصيني هو جينتاو نفسه، الذي بدأ جولة واسعة النطاق يزور خلالها الدول الرئيسية المصدرة لمصادر الطاقة إلى الصين، والذي أعلن صراحة أن بكين تدرك جيدا أنه لا مفر من نشوب الحرب. وليس سرا أن الجميع لديهم مصالح بشكل أو بآخر في مثل هذه الحرب. فالولايات المتحدة الأمريكية ببساطة شديدة ملزمة، أو بالأحرى مجبرة على إنهاء ما بدأته من خطط وسيناريوهات في ما يتعلق بإعادة بناء الشرق لأوسط الكبير.

كما أن الحرب في أفغانستان والعراق أسفرت عن نتيجة في غاية الخطورة، ألا وهي وقوع هاتين الدولتين تحت التأثير والنفوذ الإيرانيين. إذ أصبح الجنوب العراقي-الشيعي، ومنطقة هيرات الغربية في أفغانستان تداران فعليا من جانب طهران وليس إطلاقا من واشنطن كما يبدو للوهلة الأولى. وهذا الأمر لا يمكن أن يعجب الولايات المتحدة. إضافة إلى كل ذلك، وكما جرت العادة، فأي رئيس أمريكي يعمل في فترة حكمة الأولى من أجل انتخابه لفترة رئاسية ثانية. وفي الفترة الثانية يعمل من أجل دخول التاريخ. وبالتالي فالرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ملزم بأن ينهي رسالته التاريخية، في فترة رئاسته الثانية، بالإطاحة بالنظام الإيراني الحالي.

على الضفة الأخرى من نهر الخطر، نجد أن إيران ليست أقل اهتماما بضرورة تحقيق سيناريو القوة في مواجهتها مع الولايات المتحدة الأمريكية. فالقيادة الإيرانية في طهران تدرك جيدا أن الإدارة الأمريكية في واشنطن لا تملك القدرة على إزاحة نظام الملالي في إيران. وبالتالي فالحرب بالنسبة للسلطة الحاكمة الحالية أمر محبذ ومرغوب ويتوافق تماما مع توجهاتها وطموحاتها المستقبلية.

ومن الواضح للجميع أن "الأمة الإيرانية" تبدو أكثر تكاتفا واتحادا وتجانسا مما كانت عليه قبل عامين بالضبط وبشكل لم يكن له مثيل من قبل: فأمام وجه الخطر المحدق والعدو الخارجي، لم يعد أحد يسمع صوت المعارضة الذي خفت تماما. وفي مثل هذه الحالة، يمكن أن يسفر نشوب الحرب عن جبهة إيرانية موحدة تشبه حائط بناء صلد. وستنسى جميع الأقليات أفكارها ومساعيها الانفصالية، وسيقف الجميع صفا واحدا في مواجهة العدو، بل وسيدخلون الحرب بصدور مكشوفة من أجل الدفاع عن "وطن الجميع". كما أن الشباب المحايد أو "السلبي"، الذي كان منذ فترة ليست ببعيدة يشارك في المظاهرات الطلابية ويدعو إلى إبعاد الملالي عن الحكم في هتافات من نوع (فليسقط حكم الملالي)-هذا الشباب بالذات سوف يتحول كرهه وحقده نحو الولايات المتحدة.

هنا يأتي دور الصين. فبدون مبالغة، نجد أنه حتى بكين أيضا ترى لنفسها مصالح في هذه الحرب لأسباب كثيرة، من بينها:

-أولا، سوف تتوفر فرصة ذهبية أمام الصين، وفي ظل الضجة والهرج والمرج والانشغال، للاستيلاء على تايوان. ومن المشكوك فيه كثيرا أن تتمكن الولايات المتحدة الغارقة في مستنقع الحرب من الدفاع عن هذه الجزيرة، أو حتى من مد يد العون إليها.

-ثانيا، ستلعب الصين دورها المحبب حين تتخذ وضع الحكيم الجالس على الهضبة، والذي يراقب بهدوء واستغراق الصراع الضاري بين نمرين. في مثل هذه الحالة، لا يمكن للقادة الصينيين ألا يبتهجوا عندما يرون عدوهم المحتمل، أو القادم، يفقد قوته، ويبدد طاقته في صراع مع إيران.

وفي الحقيقة، فجميع من تصب الحرب في مصالحهم لديهم تقريبا نفس المشكلة، ألا وهي أنهم لا يريدون بدء الحرب بشكل مباشر وفي الوقت الراهن تحديدا. فالصين، على سبيل المثال، في حاجة ماسة إلى اتفاقات مع أطراف بديلة للدول التي تستورد منها النفط. والولايات المتحدة تجهز الرأي العام، وتسعى الإدارة الأمريكية للحصول على موافقة الكونجرس لشن حرب جديدة. ومن الواضح أن الجميع يحاولون إطالة الوقت، بينما إيران لديها متسع من الوقت لإظهار عجرفتها واستعراض عضلاتها.

إن "الأطباء" الآن، وبطبيعة الحال، يحاولون التخمين: متى يموت المريض؟ وليس سرا أن انتخابات الكونجرس سوف تجري في الولايات المتحدة في شهر نوفمبر من العام الحالي. وطبعا، من الأفضل أن تقوم بتوجيه ضرباتها لإيران قبيل ذلك مباشرة. معنى ذلك أن هناك حوالي 6 أشهر تقريبا أمام "الأطباء" للحديث والمشاورات والنصائح، والاستعداد أيضا.

 

إلى صفحة مقالات وأراء 5