31/03/2006

  

بمناسبة الذكرى الثالثة لاحتلال العراق

سيبقى البعث رمزاً للوطنية الحقيقية

  بقلم : د. فيصل الفهد

شكّل احتلال العراق صدمة كبيرة ليس على المنطقة وحسب بل والعالم وأحدث تخلخلاً في هيكلة النظام الدّولي مثلما أحدث اضطراباً واضحاً في نسيج العلاقات بين شعوب العالم وأفرزا أوضاعاً شاذة من شأنها إن استمرّت أن تدفع المجتمع الدّولي إلى حواف الهاوية ، هذا في الشأن العالمي.

أمّا على صعيد الشأن المحلي الداخلي للشعب العراقي فإنّ الاحتلال (كان) بالنسبة للكثيرين أشبه بالزلزال الذي قلب الموازين وجعل أسفلها عاليها وبالعكس ورغم مرور ثلاث سنوات على الاحتلال ووضوح أغلب الحقائق وانجلاء أكثر المواقف وفكّ الاشتباك بين كثير من التداخلات إلاّ أنّ أعداداً لا يستهان بها من أبناء شعبنا لا سيّما من كان يعول عليهم أن يكون لهم مواقف محسوبة ومهمة لصالح العمل الجهادي الوطني لا يزالون أسيري صدمة الاحتلال الأمر الذي انعكس بشكل سلبي (وسيء) على مواقفهم الوطنية ، وبما أنّ خلق انطباعات ستترك بصماتها واضحة على درجات تقويم هؤلاء وستكون هي الحكم الفيصل في طريقة التعامل معهم في مرحلة ما بعد التحرير.

لقد انطلق كثير من هؤلاء من نظرة مجتزأة لكلّ تداعيات الأوضاع في العراق منذ 9/4/2003 ولحدّ الآن ، خصوصاً وأنّهم استسلموا للحالة الآنية التي حاول أن يرسخها المحتلون في الأيام التي أعقبت احتلال بغداد عبر ممارسة هدفها خلق قناعات عند العراقيين توحي أنّ كلّ شيء قد انتهى في العراق وعلى الجميع أن ينمطوا أنفسهم مع  الوضع الجديد الذي فرضه  الاحتلال وتحديداً الحالة التي تدفع الغالبية إلى التعاطي مع إفرازاته والخنوع لها وكانت هذه النظرة هي السائدة عند كثيرين من العراقييّن (للأسف الشديد) فمنهم من أخذته الصدمة وأعمته (ربما لحدّ الآن)، وآخرين منوا أنفسهم بأن يحظوا برضى المحتلين وعملائهم وينعموا بالحصول على جزء ولو يسير مما سيجنيه المحتلون من سرقتهم خيرات العراق وقسم آخر وهم أعداد لا يستهان بها لا تزال تتفرّج على المشهد من خارجه رغم أنّها جزء من نسيجه الداخلي بانتظار اللحظة التي ستظهر فيها مواقفهم (الوطنية على الأغلب) وهذه اللحظة محكومة بفعل القوى المحركة للواقع العراقي وتوجهات سير الأحداث فيه وضبابية الرؤيا لأسبابها وخلط الأوراق في تحديد نتائجها بحكم تأثيرات آلة الدعاية الكبيرة التي تسخرها قوى الاحتلال والعملاء لصالحهم باستمرار وهذا ما طبع كلّ التداعيات التي ترتبت على احتلال العراق ولا تزال تتحكّم فيه.

إنّ المرشحات التي طغت وأثبتت مصداقيتها وستكون الإطار الذي سيحدد مستقبل العراق هي تلك المواقف المبدئية لأبناء العراق الشرفاء وفي مقدمتهم مجاهدوه الأبطال رجال المقاومة الوطنية العراقيّة الذين يعمّدون أرض العراق الغالية بأنهار من الدماء الذكية الطاهرة وهم بذلك لا يرسمون صورة العراق العربي الحر المستقل الموحد المؤمن بالله ورسله فحسب بل ومستقبل الأمتين العربيّة والإسلاميّة ويعيدون للعالم توازنه الذي فقده جراء السياسة العدوانية للإدارات الأمريكيّة المتعاقبة ودعمها اللامحدود للكيان الصهيوني وارتكاب جريمتهم الكبرى بحقّ الإنسانيّة والحرية والديمقراطية باحتلالهم أرض المقدسات والأجداد والأمجاد والحضارات (العراق العظيم).

لقد اعتقد الأغبياء في البيت الأبيض ومنوا أنفسهم بأنّ العراق وشعبه وتاريخه وخيراته سيكونون لقمة سائغة يبتلعونها بسهولة وفقاً لتقديرات عملائهم وجواسيسهم إلاّ أنّ الذي حصل وفاجأ الجميع كان تلك الانطلاقة العظيمة لأشرف وأسرع مقاومة وطنية مجاهدة تلاحم فيها العراقيون وامتزجوا تحت راية تحرير العراق والدفاع عن وحدته الوطنية والقومية والإسلاميّة المجاهدة التي وحدت إرادتها وجهودها نحو أسمى الأهداف وهو تحرير العراق واستعادة عافيته.

وتأسيساً على ما تقدّم فإنّ الإنصاف للحقيقة والإمعان في الوقائع لابدّ وأن يقودنا إلى تقويم الأداء للقوى الوطنية.... مع إقرارنا بكلّ الأدوار الشريفة والكبيرة لهذه القوى إلاّ أنّ هناك تباين واضح بينها لابدّ وأن يجعلنا نستنتج أنّ هذا التباين سببه الأساسي عوامل ذاتية وموضوعية وخلفيات حكمت ظاهرة تكوين هذه القوى وفرضت عليها شكل ومضمون معيّن فيما تلعبه من أدوار كان يمكن أن تكون أكثر فاعلية لو أنّها تخلصت من إرهاصات معينة لا تزال تحجب عنها رؤية الوقائع والحقائق كما تقتضيه مرحلة الجهاد ضدّ الاحتلال وعملائه في ذات الوقت الذي جعلت بعض هذه القوى لا تنظر بموضوعية لأهم قوة حقيقية على الأرض اضطلعت بقيادة العمل الجهادي والسياسي لتحرير العراق وطرد المحتلين ومحاسبة من جاءوا خلف دباباته ومن تعاونوا معه.

إنّ الوطنية الحقة تفرض على المؤمنين بها أن يثمنوا ويؤازروا  الدور الكبير لمناضلي ومجاهدي حزب البعث العربي الاشتراكي وهم الذين كانوا في مقدمة من شرعوا في مقارعة الاحتلال مع إخوانهم من المجاهدين وشكلوا معهم العمود الفقري لأسرع وأنضج وأقوى مقاومة وطنية عرفها التاريخ البشري المعاصر.

لقد كان البعث وسيبقى نموذجاً رائداً في تجسيد الوطنية في أفكاره وأطروحاته ونضاله وهو لذلك جمع كلّ ألوان الطيف العراقي تحت لوائه وسار بهم طيلة القرن الماضية بعيداً عن كلّ الأمراض الدخيلة على مجتمعنا العراقي كالتعصّب العرقي العنصري والطائفية البغيضة فالعراقيون تحت خيمة البعث كانوا (وسيبقون إن شاء الله) لوحة جميلة لم تشوهها دعوات الفرس الطائفية ولا محاولات العملاء في شمالنا الحبيب.

فالعراقيون لم يألفوا هذه الأطروحات والممارسات الغريبة التي نفث فيها المحتلون وعملاؤهم سمومهم لتجزئة الوحدة الوطنية للشعب العراقي ومن ثمّ تمزيق أوصال العراق قبل خلق كيانات هزيلة بما أسموه الفدراليات في الشمال وفي الجنوب والتي إذا ما تحققت فإنّها لن تؤذي العراق فقط بل إنّها ستكون نقطة انطلاق الشرّ وأعوانه لتعميمها على كلّ دول المنطقة التي لم تعِ لحدّ الآن خطورة ما تقوم به لمساندة المحتلين في تنفيذ برنامجهم المقيت ضدّ العراق وشعبه.

إنّنا حينما نتحدّث عن هذا الجانب فإنّنا نأمل أن يتذكّر الآخرون في دول الجوار الحكمة التي تقول (إذا كان بيتك من زجاج فلا ترمي الناس بالحجارة)، فإذا كان في العراق (كما يعتقدون) فرصة لتحريك ذيل الأفعى الطائفية والتعصّب القومي البغيض لمن باعوا أنفسهم للأعداء فإنّ من يحيطون بالعراق لديهم من نقاط الوهن ما يبرّر تمزيق بلدانهم فلو أنّ إيران مثلاً إذا كانت تؤمن بالفدرالية وتدفع ذيولها لتطبيقها في جنوب العراق فعليها أن تعطي الفدرالية لخمس قوميات هي الآن أكثر جاهزية واستعداداً لتقبّل النظام الفدرالي مقارنة بالعراق ، وكذا الحال بالنسبة لتركيا والسعودية ودويلات الخليج العربي والأردن ففي كلّ هذه الدول مساحات من الاستعداد لدى سكانها للفوز بالفدرالية لأنّها ربما تكون أكثر قبولاً وتبريراً مما يسعى إلى تحقيقه عملاء الاحتلال في العراق اليوم.

إنّ العراقييّن الوطنيين الشرفاء يعلمون علم اليقين أنّ كلّ هذه الدعوات الرخيصة للمحتلين وفئرانهم المريضة لتثبيت أوضاع شاذة في العراق سواء كانت تلك التي ثبتوها في دستورهم سيء الصيت أو التي يجرون بعض الأطراف المغرر بها ذات الطبيعة المصلحية إلى التعاطف معها... لن تجديهم نفعاً ولن تكون أكثر من محاولات تولد ميتة لأنّ العراقييّن بقيادة مقاومتهم الوطنية البطلة وحزبهم البعث العظيم قد عقدوا العزم على تحرير بلدهم من المحتلين وعندها لن تقوم قائمة لا للفدراليات ولا لدستور الاحتلال ولا لغيرهما، فكلّ ما يبنيه المحتلون وعملاؤهم سيزول بزوال الاحتلال وهذا أمر أصبح قاب قوسين أو أدنى إن شاء الله.

 

إلى صفحة مقالات وأراء4