27/03/2006

بعد ثلاث سنوات من الاحتلال:

خسارة العراق تعوض ونصيب اميركا الهزيمة

 
بقلم : عوني القلمجي

 

مع مرور كل سنة على الاحتلال يتناول العديد من الكتاب والمحللين السياسين ما جناه العراق من مصائب واهوال ومخاطر جسيمة، ابرزها فقدان الاستقلال والسيادة والمساس بالوحدة الوطنية من خلال اثارة النعرات الطائفية، واحتمال تقسيمه الى دويلات طائفية وعرقية ، يضاف الى ذلك اقدام المحتل على تحطيم الدولة ومؤسساتها المختلفة وحل الجيش العراقي وتدمير البنى التحتية وغيرها . وظني ان كل ما فعله المحتل في العراق ليس غريبا فمثل المحتل  كمثل الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها،  لكن لم يجر الانتباه بالقدر الكافي الى ما جنته الولايات المتحدة وقواتها المحتلة من خسائر كبيرة وفي مجالات مختلفة حالت دون تحقيق اهدافها، ووضعتها جراء ذلك في مأزق حرج لن يتنتهي سوى بخروج القوات المحتلة او الهزيمة اذا اصر المحتل على البقاء.
 
بمعنى اوضح  ان العراق ليس وحده الذي تعرض للمخاطر وانما تعرضت الولايات المتحدة نفسها كدولة محتلة الى مخاطر اكبر ولكن من نوع اخر ستهدد حتما مستقبلها كـ قوة عظمى وحيدة في  العالم وتسقط  احلامها في بناء الامبراطورية المنشودة التي يراد لها ان ينتهي التاريخ عند ابوابها . لكن هنالك فرق كبير بين خسائر الطرفين. فخسائر العراق يمكن تعويضها  بعد التحرير وسيعاد للعراق استقلاله السياسي وسيادته ووحدته الوطنية ويتم بناءه من جديد بما يليق به  كبلد عريق وشامخ، وهكذا فعلت كل الشعوب التي تعرضت للاحتلال بعد التحرير.
 
 اما امريكا المهزومة فلن تتمكن من استعادة هيبتها  واحترامها بين الشعوب وستنكفيء الى داخلها وتنتهي احلامها التوسعية وتصبح دولة من بين الدول الكبيرة الاخرى . بعد ان تفقد قدرتها على استباحة اراضي الغير بالقوة وتدميرها ونهب ثرواتها، فهذه المرة لن يكون هاجس الامريكين هزيمة فيتنام وحدها وانما يضاف اليها هاجس الهزيمة في العراق. اذ لا يكفي امريكا احتلال بلد ما جراء تفوقها العسكري وانما الاهم القدرة على البقاء فيه، وقد اخبرنا التاريخ بان ليس هناك شعب قبل بالاحتلال ورفض المقاومة. ولا يفيد كثيرا ان نقيم الدليل على اقتراب هزيمة القوات المحتلة  ويكفي ان نشير الى ان بوش والمحافظين الجدد تخلوا عن عنجهيتهم وغلوائهم ومشاريعهم التوسعية، وباتوا  يستجدون حلفاءهم لانقاذهم من الهزيمة، حتى وصل بهم الحال اللجوء الى اضعف خلق الله وهي الجامعة العربية لارسال قوات عسكرية الى العراق ثم اضطرارهم  من جهة اخرى  الى كشف تحالفهم السري  مع ايران وفتح الحوار معها عساها ان تقدم ما تبقى لديها من خدمات تنقذهم من ورطتهم.
 
دعونا من مستقبل امريكا المظلم والهزيمة التي ستواجهها حتما  ونرى ما حل بها بعد مرور ثلاث سنوات  على الاحتلال . فلقد ظهرت امريكا  على حقيقتها وليس كما صورها الاعلام الامريكي  على انها الدولة الاقوى والاعظم في العالم والقائمة على قواعد الحرية والديمقراطية، والحريصة على حقوق الانسان وحاملة راية العدل والسلام . فهي دولة خارجة على القوانين والاعراف الدولية، وهمجية اكثر من هولاكو بعد ان قتلت اكثر من 150 الف عراقي خلال العدوان على العراق وقبلها مليوني عراقي جراء الحصار بحجة امتلاك العراق اسلحة دمار شامل، وفاشية اكثر من هتلر وموسيليني لاصرارها على جعل العالم برمته منطقة حيوية لمصالحها، ودكتاتورية متجبرة بعد فضائح تعذيب المعتقلين في سجن ابي غريب والعديد من السجون الاخرى، صحيح ان العالم وهيئاته ومحاكمه الدولية لم تستطع محاسبة امريكا على جرائمها جراء قوتها وجبروتها، لكن المقاومة الوطنية العراقية اخذت على عاتقها القيام بهذه المهمة وانزلت بها العقاب العادل. وفي هذا الصدد نحاول ان نوضح ما فعلته المقاومة بهذه الدولة العظمى وكيف اصبحت موضع سخرية امام الناس في كافة ارجاء المعمورة.
 
بعد ان دخلت القوات الامريكية بغداد اعلن بوش بان الحرب في العراق انتهت وجرت احتفالات النصر في كل انحاء امريكا، وصورت اجهزة الاعلام الجيش الامريكي بانه القوة الجبارة التي لا تقهر ووصفت جندي المارينز بانه اكثر قدرات من رامبو الهوليودي. وفي اعقاب ذلك بدأ بوش يستعد لاختيار الهدف التالي من المسجلين على قائمته، وساد الرعب في كل انحاء العالم وبدات الدول الكبيرة قبل الصغيرة تستجدي رضا البيت الابيض لتكون في مأمن من شرورها. وتصرفت امريكا على انها القوة الوحيدة المؤهلة لقيادة العالم، ووضعت نفسها الخصم والحكم وصارت تعاقب كل من يخرج على ارادتها، واستخفت بحلفائها واستهانت بالامم المتحدة ومجلس الامن واعطت لنفسها الحق في شن الحرب على من تشاء من دول العالم . لكن المقاومة الوطنية العراقية اعادت بوش الى صوابه ليعلن بان الحرب في العراق لم تنته بعد وانها ستكون حربا طويلة وقاسية وطالب الشعب الامريكي  بالصبر وتحمل التضحيات،  وتوالت على راس بوش واقطاب ادارته الهزيمة تلو الاخرى، ولم تكن محاولاته لتحقيق نصر سياسي افضل من محاولاته في الجانب العسكري فما يسمى بالعملية السياسية انتهت الى السقوط على الرغم من جميع المحاولات التي  جرت لبعث الروح فيها بعد دخول اطراف جديدة اليها .
 
 باختصار شديد فان سمعة امريكا العسكرية والسياسية قد ساءت بسبب سياساتها العدوانية والخرقاء، اما حلفاء امريكا فيما يسمى القوات المتعددة الجنسية فقد بداوا الهروب من العراق كما الجرذان الفارة من سفينةغارقة. ولم تقتصر البلوى على الجانبين العسكري والسياسي، وانما تعدتهما لتمس الاقتصاد الامريكي وتعرضه لتحديات كبيرة اثرت على هيكليته،  وضمن الاحصائيات المنشورة  فان الاقتصاد الامريكي " يواجه اتساعا  متزايدا  في الفجوة  بين قدرات امريكا الاقتصادية والعسكرية لصالح الاخيرة من جهة، بمقابل تعاظم حالة عدم الاستقرار "النظام الدولي" وما يرتبه من اعباء عسكرية واقتصادية متزايدة على الولايات المتحدة. وهذا ما يؤيد الاستنتاج القائل ان بؤر الصراعات وتزايد التدخلات الامريكية ربما تدفع هذه الدولة الى حالة من التفكك مشابهة لما حصل للاتحاد السوفيتي" .يضاف لذلك العجز في الميزانية الفدرالية الامريكية والذي بدأ بعد احداث الحادي عشر من سبتمر، تمثل في زيادة الانفاق العسكري ومترتبات الاستراتيجية التوسعية للمحافظين الجدد  ومع احتلال العراق تفاقمت التخصيصات المالية للعمليات العسكرية.
 
 وتشير التقديرات الى ان حجم هذه التخصيصات سيرتفع مع زيادة التورط الامريكي في العراق ومع استمرار التواجد العسكري، واذا استمر الانفاق العسكري على هذا المنوال لفترة طويلة سيخلق حتما انعكاسات سيئة  على هيكل الاقتصاد الامريكي، وبهذا الخصوص قالت دراسة نشرت  قبل شهرين وتحديدا يوم 9/1/2006 : "ان تكاليف حرب العراق قد تتخطى 2 ترليون دولار وهو ما يفوق كثيرا تقديرات البيت الابيض قبل الحرب". من جانب اخر فان <جوزيف استيجليتس> استاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا و<ليندا بيملز> المحاضرة في جامعة هارفارد في دراستهما مدفوعات التعويض عن العجز للجنود الامريكيين والجرحى وعددهم 16 الفا يعاني نحو 20 بالمئة من اصابات خطيرة في المخ والعمود الفقري وقالا ان دافعي الضرائب الامريكيين سيتحملون اعباء تكاليف سوف تبقى طويلا بعد انسحاب القوات الامريكية من العراق، ناهيك عن النفقات غير المنظورة لتجنيد عناصر جديدة للانظمام الى الجيش وتباطؤ نمو الاقتصاد الامريكي على المدى المنظور.
 
اما مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي يمتد من شرق الباكستان الى المغرب والذي اريد له ان يكون مرتكزا من مرتكزات بناء الامبراطورية الامريكية، وسدا منيعا في وجه البلدان الواعدة كالصين والهند وربما روسيا،ويشكل قوة اقتصادية بوجه اوربا الموحدة حين تتحد التكنلوجيا الاسرائيلية والمال العربي فقد انتهى ليودع في الرفوف العالية. ولكن ليس هذا كل شيء، فمشروع احتلال افغانستان والسيطرة على منابع نفط  بحر قزوين مهدد هو الاخر بالانهيار ففي الشهور الاخيرة تصاعدت حدة المقاومة الوطنية الافغانية واصبحت القوات الامريكية في موضع حرج يكاد يقترب من وضع القوات الامريكية في العراق. وحين ستهزم قوات الاحتلال في العراق عند ذاك لن يصمد الجنود الامريكان في افغانستان طويلا وستنهار معنوياتهم وتنكسر ارادة القتال لديهم في حين سترتفع معنويات المقاومين الافغان وسيلتحق الاهالي بصفوف المقاومة افرادا وجماعات، وهذا من شانه ان يحرم امريكا من السيطرة على مصادر الطاقة في بحر قزوين التي  خططت امريكا للسيطرة عليها قبل ثلاثة عقود وهذا بدوره سيشجع الشعوب الاخرى على تعزيز استقلالها والحفاظ على ثرواتها وحمايتها من النهب الاستعماري وخاصة الولايات المتحدة. اما وضعها في امريكا اللاتينية فسيكون اسوا بكثير بعد ان انتفضت عدة دول ضد السياسة الامريكية، وفنزويلا ورئيسها الشجاع شافيز خير دليل على ذلك. واذا فقدت امريكا تفوقها الاقتصادي بعد ان تمرغت سمعتها  العسكرية في العراق فان الامبراطورية الامريكية ستفقد ساقيها وهما  قوة المال والسلاح.
 
 نعم العراق هو مركز العالم واحتلاله من قبل الامريكيين  جرى على هذا الاساس، واذا هزمت امريكا في العراق وستهزم حتما فانها ستخسر العالم كله. ونصر المقاومة الوطنية العراقية المرتقب لم يعد في علم الغيب وانما اصبح حقيقة واقعة لا محاله. فالمقاومة الوطنية العراقية تسير بثبات على طريق التحرير والقوات المحتلة تتراجع مع مرور الايام ولم يبق سوى انتظار ساعة الانهيار التي لن تدع للقوات المحتلة فرصة الرحيل بامان. وجميع التقارير والتحليلات السياسية والعسكرية الصادرة عن المعاهد الاستراتيجية ومراكز متخصصة وخبراء عسكريين من مختلف الجنسيات، اكدوا على هذه الحقيقة ونصحوا بوش وقادة حربه بالانسحاب من العراق والاحتفاظ بماء الوجه. اما العدد القليل من هذه المعاهد ومراكز الدراسات وبعض الخبراء العسكرين الذين يعز عليهم هزيمة امريكا، فانهم لا يرفضون هذه الحقيقة وانما يخففون من وقعها بالقول بان تحقيق نصر في العراق امرا بات مستحيلا. وقبل ان يصرخ في وجوهنا عملاء امريكا واتباعها ومريدها بان امريكا لن تقبل الهزيمة ولن تقف مكتوفة الايدي حتى اذا تطلب الامر هدم العراق عن بكرة ابيه او كما قال لي صحفي امريكي بان لدى امريكا استعداد لاستخدام السلاح الذري ضد العراق لتجنيب قواتها الهزيمة اجيبكم ايها السادة بان هذا لن يغير من الامر شيئا لقد فعلتها امريكا في اليابان واستخدمت قنبلتين ذريتين بدل قنبلة واحدة وها هي امريكا تخشى اليابان وعلى وجه الخصوص قوتها الاقتصادية. فالحتمية التاريخية وتجارب الشعوب اكدت لنا بان الانتصار هو حليف المقاومين وليس حليف الغزاة مهما امتلكوا من جبروت وقوة، وان جميع قوى الاحتلال على مدى عصور التاريخ المختلفة قد هزمت وهزمت معها امبراطوريات استعمارية لم يبق لها من اثر يستحق الذكر سوى في سجلات التاريخ .
27/3/2006

شبكة البصرة

إلى صفحة مقالات وأراء4