20/04/2006

بين الولاء لإيران ، والولاء لأمريكا .... تنتهك عروبة العراق

 بقلم عبد الله الحوراني

هؤلاء الذين استفزهم اتهامهم بالولاء لإيران ، وراحوا يطلقون تصريحات النفي والإنكار لهذه التهمة ، كان بودنا أن نرى أو نسمع ولو جزءً بسيطاً من غضبهم هذا عندما اجتاحت قوات الغزو الأمريكي أرض العراق واحتلته ، ودمرت كل ما فيه ، أو أن نرى ونسمع موقفاً منهم يؤكد ولاءَهم للعراق ، ودفاعهم عن عروبته وهويته القومية ، عبر رفضهم للاحتلال ، وانخراطهم في مقاومته ، والتصدي لكل التدخلات الإقليمية التي سهلت عملية الاحتلال ، وساهمت فيها ، وأطلقت عملاءَها ينشرون الفوضى والدمار بأرض العراق ، ويطمسون هويته القومية العربية ، ويحولونه إلى وطن تأكله الطائفية والمذهبية .

وأولئك الذين تذكروا الآن فقط ، أن هناك تدخلاً إيرانيا في العراق ، وأن قوى موالية لإيران في العراق وخارجه ، تلعب دوراً تخريبياً في العراق ، وتغلب الولاء لإيران ، والانتماء المذهبي ، على الولاء للوطن والانتماء للعروبة ، كان بودنا أن يسألوا أنفسهم أو يُسائلوها ، هل كان ولاؤهم للوطن العربي ، وانتماؤهم للأمة العربية ، هو من يتحكم في سياساتهم ومواقفهم أكثر مما تتحكم فيها ، وتحددها ، التبعية للسياسة الأمريكية ومخططاتها في المنطقة ؟ أم أن العكس هو الصحيح ، وهو ما بدا واضحاً من خلال دورهم في غزو العراق واحتلاله .

وبمراجعة موقف الطرفين ، هؤلاء وأولئك ، لا نجد بينهما بريئاً ، فكلاهما متهم ، وكلاهما مدان . فكل من سهل عملية الغزو الأمريكي للعراق ، أو التدخل الإيراني فيه ، هو إما موال لأمريكا أو موال لإيران ، أو لكليهما معا . ولنستعرض موقف كل منهما ودوره في ذلك.

فالذين ثاروا على اتهامهم بالتبعية لإيران ، كان معظمهم طرفاً في المخططات الإيرانية المعادية للعراق خلال السنوات العشر التي سبقت الغزو الأمريكي ، وشاركوا مع الجيش الإيراني خلال سنوات حربه مع العراق ، وكانوا جزءً من عمليات التآمر الإيراني داخل العراق لضرب نظامه القومي العربي ، وساهموا بالعديد من عمليات التفجير والاغتيال داخل المدن العراقية ، وقاموا بتعذيب الأسرى العراقيين وقتلهم ، وشاركوا ، تحت إمرة المخابرات الإيرانية ، في عمليات السلب والنهب وقتل الجنود والمواطنين والمسؤولين العراقيين ، وحرق وتدمير مؤسسات السجل المدني والطابو ، في مدن الجنوب العراقي ، خلال العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991 .

ثم ألم تكن قيادات بارزة منهم تقيم في إيران ، ويتلقون ، من جهة ، التمويل والتدريب والتسليح من إيران ، ومن جهة أخرى كانوا هم أنفسهم جزءً من المعارضة التي تعمل تحت إمرة القيادة الأمريكية في التخطيط لغزو العراق ، بل كانوا أكبر المحرضين على الغزو ، والمفبركين للأكاذيب والتهم التي استندت إليها الإدارة الأمريكية في تبريرها للغزو . وحين بدأت عمليات الغزو كانت قواتهم المرتبطة بإيران أول من عبر الحدود الإيرانية نحو العراق، مدعومين بأجهزة وقوى إيرانية رسمية جاءَت لتعبث عرقيا ومذهبيا في الجنوب العراقي وصولاً إلى بغداد ، لتغير الوجه العربي للعراق ، وليحل الولاء المذهبي المرتبط بإيران ، محل الولاء الوطني المرتبط بالأمة العربية .

وإذا كانوا بالفعل يحتجون على اتهامهم بالولاء والتبعية لإيران فكيف يفسرون موقفهم المؤيد للاحتلال الأمريكي لوطنهم العراق ؟ ولماذا سكتوا عن تصريحات نائب رئيس الجمهورية الإيرانية في الأيام الأولى للاحتلال عندما أعلن رسمياً أنه لولا المساعدة الإيرانية لما تمكنت أمريكا من احتلال العراق ؟ لماذا صمت زعيمهم الروحي عن إطلاق أي تصريح ضد الاحتلال ، أو أي دعوة للجهاد ؟ لو لم ير هو ومرجعيته وتبعيته الإيرانية أن احتلال العراق سيصب في مصلحة إيران !! أليس في ذلك خيانة لآل البيت ، والرسالة السماوية التي تحض المؤمنين على الجهاد ومقاومة المحتلين !!! لماذا قبلوا بمقولات وسائل الإعلام العربية والأجنبية، الموجهة أمريكيا ، التي ربطت مقاومة الاحتلال بالعرب السنة فقط ، أو بالمثلث السني . بما في ذلك من إهانة لأهلنا من عرب العراق ممن ينتمون للمذهب الجعفري ، مع أن دورهم ، في كل مناطق العراق ، لا يقل عن دور كل الوطنيين والقومين الآخرين في مقاومة المحتل الأمريكي ، كما كان هذا دورهم عبر التاريخ في مقاومة الاحتلال البريطاني والاحتلال الفارسي .

ثم ألم يكن الولاء لإيران ، والتبعية لها ، وراء مطالبة المدعو عبد العزيز الحكيم للعراق بدفع مائة مليار دولار لإيران تعويضاً لها عن خسائرها في حربها مع العراق ؟ أليس في هذه المطالبة تنازل عن العراق بأكمله ، وتحويله إلى تابعية إيرانية ؟ وحين يدعو فاقد العزة والحكمة هذا ، إلى إجراء حوار أمريكي إيراني حول مصير العراق ومستقبله ، ألا يعتبر بهذه الدعوة ناطقاً باسم الحكومة الإيرانية وممثلاً لها ؟

أما من يسمى بالمقتدى ـ ولا ندري ما الذي يُقتدى فيه ـ فقد أعلن أن جيشه ، المسمى بجيش المهدي ، سيهب للدفاع عن إيران إذا ما تعرضت للعدوان الأمريكي ، في الوقت الذي لم تأخذه مثل هذه الحمية تجاه وطنه العراق وما تعرض له . بل إنه تخلى عن المقاومة وسلم سلاحه لسلطات الاحتلال الأمريكي والحكومة المرتبطة بها ، وانخرط في عملية الصراع المذهبي والطائفي ، وبات يلعب دوراً معروفاً في مطاردة المقاومين الأبطال . فلمن يا ترى يكون ولاء من يسلك هذا الطريق ؟.

وإذا كان هؤلاء المحتجون ينكرون ارتباطهم بإيران ، فكيف يفسرون تواطأهم مع سلطة الاحتلال الأمريكية على صياغة دستور جديد ينكر عروبة العراق ، ويلغي هويته القومية ، ويقوم على تقسيم سلطته وأرضه وسكانه وفق محاصصات طائفية ومذهبية وعرقية ؟ هذه التقسيمات التي أدت إلى تشويه صورة العراق العربي الأصيل ، باعث الحضارة العربية الإسلامية ، ومشعها في العالم ، وصاحب المشروع النهضوي القومي الذي كان يحلم به كل عربي ، ...... وتحويل وجهه السيادي في أعلى المستويات ، وفي كل المؤسسات السيادية الداخلية والخارجية ، إلى وجه غير عربي .

ومن المضحك المبكي أن أصحاب هذه الولاءات الأمريكية الإيرانية يبررون مواقفهم الطائفية والمذهبية هذه ، بادعاءات كاذبة عن طائفية النظام القومي الذي كان يحكم العراق ، وتفريقه بين المذاهب ، وتفضيله مذهباً على آخر ، في الوقت الذي يعرفون ، كما يعرف كل أبناء العراق والوطن العربي ، أن النظام الذي قاده الرئيس صدام حسين كان يقوم على المبدئية لا على المذهبية ، وعلى الوطنية والعلمانية لا على الطائفية والعرقية . ويؤكد كل الكتاب والباحثين الذين دققوا في مثل هذه الاتهامات ، أن نسبة المنتمين إلى المذهب الذي يدعي العملاء أنه كان مظلوماً ومضطهداً كانت ، في كل مؤسسات الدولة العراقية ، في الحزب والجيش ، والوزارات والأجهزة الأمنية ، وعلى كل المستويات القاعدية والقيادية ، .... أعلى بكثير من نسبة المنتمين إلى أي مذهب آخر . ولم يكن أحد يسأل عن مذهبه أو طائفته أو عرقه، وإنما كان المقياس هو الإخلاص في العمل والكفاءة ، والولاء للعراق والأمة العربية.

أما إذا كانوا يعتبرون أن القيود التي وضعها النظام الوطني للحد من المظاهر المتخلفة التي تمارس في المناسبات الدينية من ضرب الرؤوس والصدور والظهور بالسلاسل والسيوف، وإدمائها ، نوعاً من الظلم أو الاضطهاد ، فإن موقف النظام هذا يعتبر من باب الحرص على صحة العراقيين، وعلى الوجه الحضاري للعراق . وفي هذا الموقف ما يرضي آل البيت الكرام ويطمئن أرواحهم التي يقلقها وتزعجها تلك المظاهر الدخيلة والكاذبة من اللطم والعويل .

وإذا ما انتقلنا للحديث عن موقف الحكام والمسؤولين العرب الذين أخذوا ، منذ سنة أو أكثر ، يتحدثون عن التدخل الإيراني في الشأن العراقي ، وتأثيراته المستقبلية على المنطقة ، ومنهم من تحدث عن طموحات إيرانية لإقامة هلال شيعي يمتد من إيران حتى لبنان . فهل كان هؤلاء يجهلون أن الغزو الأمريكي للعراق سيفتح أبوابه للتدخل الإيراني ، وأن إيران ستجد في ذلك فرصة للانتقام من العراق ، ولتنفيذ مطامعها التوسعية ، وتعزيز سيطرتها المذهبية . وأنها ستجعل من العراق ساحة للمساومة مع الولايات المتحدة الأمريكية على المصالح والنفوذ في المنطقة ، وأن التقسيمات العرقية والمذهبية التي ستزرعها في العراق ، ستكون منطلقاً لها لخلق الصراعات المذهبية في دول الجوار العربي النفطية مما يزعزع الاستقرار في هذه البلدان ويؤدي إلى تعزيز الدور الإيراني الإقليمي .

كان الحكام والمسؤولون العرب الذين ينتقدون التدخل الإيراني والموالين له ، يتوقعون مثل هذه النتائج لعملية الاحتلال الأمريكي للعراق ، لكن أحداً منهم لم يجرؤ على أن يرفع صوته أو حتى عينه في وجه السيد الأمريكي عندما دعاهم للاستجابة لمتطلبات الغزو ، وكانت استجابتهم أكثر مما توقعه أو طلبه ، إذ فتحوا أمامه أراضيهم لتكون قواعد انطلاق للغزو ، وبحارهم ومياههم الإقليمية وممراتهم المائية لعبور سفن الغزو الحربية ، ومجالاتهم الجوية لتنطلق منها وعبرها الطائرات والصواريخ لتدمير العراق . حتى بات البعض يعتقد أن العدوان على العراق كان عربياً نفذته قوات أجنبية . وبذلك التقوا مع إيران في التآمر على العراق ، وفي تسهيل عملية غزوه ، وفي تكريس النتائج التي نجمت عن الغزو ، حينما اعترفوا بالحكم العميل في العراق ، وقبلوه ممثلاً لعراق العروبة في جامعة الدول العربية ، برغم وجهه اللا عربي ، وصورته المذهبية والطائفية ، وولائه الأجنبي .

إذن ما الذي دفع هؤلاء الحكام الذين لعبوا مثل هذا الدور ، أن يرفعوا أصواتهم ، منتقدين الموقف الإيراني والموالين له ؟؟

مرة أخرى يعتبر موقفهم هذا استجابة للإرادة الأمريكية ، والطلب الأمريكي . فكما استجابوا لها بالتحالف مع إيران في تسهيل غزو العراق ، يستجيبون الآن في ترديد الموقف الأمريكي بانتقاد إيران ، بعد أن فقدت أمريكا سيطرتها على العراق ، وبعد أن تجاوز الدور الإيراني في العراق الحدود التي رسمتها له في إطار تسهيل عملية الغزو ، وبعد أن أصبح النفوذ الإيراني في العراق يهدد مصالحها ، ويطالبها بتقاسم النفوذ ، ويحاول فرض شروطه للتخفيف من الضغوط الأمريكية في موضوع البرنامج النووي الإيراني .

وهكذا ، وبعد أن اتضحت صورة الولاء لأمريكا وإيران والأطراف المنخرطة فيها ، ومخاطر ذلك على عروبة العراق ، فإن أصحاب هذه الولاءات إذا ما أرادوا أن يتطهروا مما فعلوه ، لن تبرأهم بيانات النفي أو الإنكار أو الاستنكار ، خاصة أولئك المدانون بالولاء لإيران على حساب الولاء للعراق وعروبته . فالطريق الوحيد أمامهم هو التخلي عن سياسات التقاسم الطائفي والمذهبي ، وتأكيد انتمائهم للعراق وأمته العربية عبر الانخراط في المقاومة ، والتصدي ، للاحتلال الأمريكي ، والتدخل الإيراني .

أما النظام الرسمي العربي فلن يغفر له جرائمه إلا التمرد على السياسات والمخططات الأمريكية وطرد الوجود والنفوذ الأمريكي من الأرض العربية ، وتغيير موقفه الحالي من العراق عبر الاعتراف بالمقاومة العراقية الباسلة وقيادتها ، ممثلاً شرعياً وحيداً للعراق ، ورفض الاحتلال الأمريكي للعراق ، ومواجهة التدخلات الإقليمية في شؤونه ، وسحب اعترافه بالنظام اللاشرعي القائم فيه ، ووقف أي تعامل رسمي معه .

ترى هل يستجيب هؤلاء المتورطون جميعاً لهذه المطالب ؟ وهل يقدرون عليها !!!.

 

 شبكة البصرة

إلى صفحة مقالات وأراء4