02/04/2006

  

إيران تعاضد جهود الأمريكان وتستعد لملاحقة صدام:

حقائق تاريخية تدحض الحجج الإيرانية في اتهام القيادة العراقية

 

 بقلم: علي الضاوي (نقابي)

رغم أن فصول المحاكمة المهزلة للرئيس العراقي صدام حسين من قبل قوات الاحتلال لم تنته برغم عمق المأساة التي تلحق يوميا الشعب العربي في العراق سارعت السلطات الإيرانية إلى التلويح هي الأخرى برغبتها في الملاحقة القضائية وفي تتبع القيادة العراقية على خلفية مزاعم واهية حول اعتداءات تعرضت لها الدولة الفارسية خلال سنوات الحرب المعروفة، وربما هنا لا بد من إعادة فتح صفحات تاريخية مهمّة لإنارة كل البصائر حول حقيقة ما جرى من أحداث وتطورات بين البلدين وتتبع جوهر الصراع القائم في المنطقة حتى لا يبقى أي تشكيك أو غموض.
يجد المتتبعون للتاريخ العراقي الإيراني أن العلاقة بين البلدين وعلى مر السنين كانت دائما متوترة وتشهد عدم الاستقرار، فمنذ عهود بعيدة وبلاد فارس تواقة إلى التوسع الإقليمي على حساب جيرانها وخاصة العراق الشيء الذي انعكس سلبا على العلاقات بين البلدين ومارس الشاه خلالها نفس السياسة التوسعية بعد مجيء ثورة العراق في 1968 سالكا نهج أسلافه الأكاسرة خاصة بعد أن مكنه الغرب من دور الشرطي في الخليج العربي لحفظ مصالحهم هناك وإمكانية تنفيذ مشروعه التوسعي المتمثل في «مخلب القط» لمواجهة الحركات التحررية والقومية في المنطقة وبدأت أولى استفزازاته بالدعم العسكري لأكراد شمال العراق.
وبعد تدخلات عديدة للكف عن هذه الاستفزازات المتكررة من نظام الشاه جاءت اتفاقية الجزائر بتاريخ مارس 1975 سويت فيها عدة مشاكل حدودية وأمنية وشهدت العلاقات هدوءا نسبيا حتى عام 1979 تاريخ سقوط الشاه ولم تخف العراق ارتياحها للتغيير الذي حدث في إيران ووجه الرئيس صدام حسين رسالة بتاريخ 5 جوان 1979 إلى الخميني عبر له فيها عن رغبة العراق في «إقامة علاقة صداقة وجيرة حسنة... مؤكدا تطلعه إلى أن يفتح النظام الجديد فرصا واسعة بما يعزز دور إيران في خدمة السلام والعدل في العالم».
لكن ما أن استقرّ النظام وجاء بولاية «الفقيه» وقد تصور فيها مركزا لقيادة العالم الإسلامي! وقبل ذلك تقويض نظمه السياسية، وعد ذلك «واجبا إلاهيا» ومرحلته الأولى العراق... فتوالت الخطب السياسية التحريضية والمقالات الصحفية الموجهة منددة بسياسة العراق وتوجهاته القومية وتحريض أبنائه لإثارة النعرات الطائفية بهدف قلب نظام الحكم وتصريحات المسؤولين المتوالية عن فارسية العراق وأن تحريره مهمة مقدسة.
وحرصا من العراق على بناء علاقات جوار حسنة بعث نائب رئيس ملجس قيادة الثورة في 2 أوت 1979 برسالة إلى رئيس وزراء إيران مهدي بزركان يدعوه فيها لزيارة العراق قصد تطوير العلاقة، وطلب العراق انضمام إيران إلى مجموعة دول عدم الانحياز، وتمت تهنئة بني صدر برئاسته للجمهورية ومطالبته بالعمل على بناء علاقات مثمرة بين البلدين.
لكن قوبلت هذه المجهودات بالتعنت والغطرسة وتوالت التصريحات المغرضة والتحريضية فقامت على اثرها مجموعات بالاعتداء على سفارة العراق في طهران وقنصليتها في الحمرة وعلى المدارس العراقية ومكتب الخطوط الجوية بانتهاك حرمتها والاعتداء على موظفيها وتمزيق العلم وصور الرئيس ورغم الاحتجاجات فإن الحكومة لم تحرك ساكنا بل زادت اعتداءاتها بإرسال عملائها للقيام بأعمال تخريبية وتفجيرات في عدة مناطق وقذف زوار العتبات بحامض «النتريك» فضلا عما كانت تبثه الإذاعة الناطقة بالعربية من تحريض العراقيين على حكومتهم وتوجيههم إلى كيفية صنع القنابل محليا لاستخدامها في ترويع السكان.
وفي 1 جوان 1980 ألقى عملاؤها متفجرات على الجامعة المستنصرية أثناء اجتماع طلابي حضره عدد من المسؤولين وضيوف أجانب كاد يذهب ضحيته نائب رئيس الوزراء واستشهد وجرح فيها عدد من الأبرياء وأثناء تشييع شهداء الحادث ألقيت قنبلة على الموكب من المدرسة الإيرانية يوم 5 جوان 1980، وفي 12 جوان 1980 جرت محاولة لاغتيال وزير الثقافة والإعلام.
ومنذ مجيء رجال الدين إلى السلطة وإلى حدود 22 أيلول 1980 جرت انتهاكات حدودية بلغت 549 عملية انتهاك قام أثناءها العراق بتوجيه 147 مذكرة احتجاج إلى الحكومة الإيرانية وطالب فيها بإزالة التجاوزات الحاصلة وتطبيق اتفاقية الجزائر، وجاءت تصريحات المسؤولين الإيرانيين الغريبة والمفاجئة بأنهم لا يتمسكون بهذه الاتفاقية وأعلنوا تنصلهم منها «وإن هذا الاتفاق لا يخدم مصلحة إيران وأنه عقد في ظل نظام بائد».
وفي الأثناء قامت الصهيونية العالمية بإعداد المخططات التي أريد بها إيذاء العراق حيث عمدت مع أمريكا إلى مواصلة تحريض نظام الخميني وفعلا بدأت إيران بعدوانها على العراق يوم 14 سبتمبر 1980 بضرب المدن والقرى والمخافر الحدودية بالمدفعية الثقيلة بينما كان العراق يصدر المذكرات الاحتجاجية إلى سفارة إيران بالعراق وإلى السكرتير العام للأمم المتحدة والعديد من المنظمات الإقليمية منها مذكرة 21ـ9ـ1980 التي بعث بها إلى الهيئة الدولية ذاكرا فيها أن الحكومة الإيرانية لم تنفك عن إساءتها لعلاقات حسن الجوار برغم التزام العراق بكل الوساطات... ومنها وساطة (أولف بالم) مبعوث الأمم المتحدة والرئيس الكوبي فيدال كاسترو بوصفه رئيسا لحركة عدم الانحياز لوقف إطلاق النار من جانب واحد، غير أنها باءت كلها بالفشل وقبلت كذلك العراق بكل القرارات الصادرة عن الجمعية العامة وعن مجلس الأمن ثم أعلن من جانب واحد بأنه سيوقف الرد على الهجومات الإيرانية لمدة أسبوعين على أمل أن تقابل إيران بالمثل إلا أنها لم تمتثل.
وكما كان متوقعا وأمام الغطرسة الإيرانية تصاعدت في 04ـ09ـ1980 وتيرة الخلاف إلى حد خطير وأقدمت على ضرب المدن والقرى والإحياء السكنية بالمدفعية الثقيلة (خانقين، مندلي، زرباطية...) وقامت بحشد قواتها على كامل الحدود وعطلت الملاحة وأغلقت الأجواء الإيرانية مما يؤكد توسع دوائر النزاع إلى حرب شاملة على العراق وأصدرت عدة بيانات تشير فيها إلى أنها قامت بتدمير منشآت نفطية وآخرها إعلان النفير العام.
وفي حين كان النظام الإيراني يسرف في استخدام ا لقوة المسلحة بالاعتداء على السيادة العراقية ويسعى إلى التصعيد ظل العراق يحرص على وجود وسيلة تحول دون قيام حرب، لكن في 09ـ11ـ1980 احتلت إيران شبه «جزيرة الفاو» مستعينة بمخابرات أمريكية وصهيونية والتي افتضح أمرها حينها في ما عرف بفضيحة (إيران غيت) التي كشفت عن عمق التعاون التسليحي الإيراني مع من كانت تطلق عليهم «قوى الاستكبار» وقامت الإدارة الأمريكية بتزويد إيران عن طريق الكيان الصهيوني بالأسلحة والعتاد والمعلومات الاستخبارية عن العراق، وعندما سئل الرئيس رونالد ريغان فيما بعد عن أسباب دعمه لإيران في نزاعها مع العراق قال: «إن أسباب تزويدنا إيران بالأسلحة لم يكن نتيجة صفقة انتخابية... وإنما لضرورات متعلقة بالسياسة العليا للدولة وإن السياسة المعلنة كانت تستند إلى تحسين العلاقات مع إيران ولكنها في الخفاء كانت خلاف ذلك...» وكان العقيد (أوليفر نورث) المسؤول عن ترتيب التعاون العسكري بين إسرائىل وإيران إبان الحرب قد أخبر الإيرانيين أن الولايات المتحدة ستعمل على تقديم الدعم لتغيير نظام الحكم في العراق.
وردّ العراق على العدوان في 22ـ09ـ1980 لدفع العدو إلى الوراء بهدف إبعاد ساحة المعركة عن الأراضي العراقية وحماية مدنه ومنشآته من القصف المدفعي المتوالي وفي 22ـ09ـ1980 دخلت القوات العراقية في معارك للأراضي الإيرانية من قصر شيرين شمالا إلى شط العرب جنوبا فضلا عن محاصرة مدينة عبادان واجتياحها نهر الكارون، وأغارت القوة الجوية على القواعد والمطارات ورغم التفوق النسبي تقدم الرئيس صدام حسين في 28ـ09ـ1980 بإعلان رغبة العراق في إيقاف القتال والعمل على تسوية سلمية وإقامة علاقة حسن الجوار احتراما لقرار مجلس الأمن رقم 479 في 28ـ09ـ1980 الذي دعا الطرفين إلى تسوية سلمية غير أن إيران قابلت ذلك بالرفض والتشنج حسب الرسالة التي بعث بها رئيس الجمهورية الإيراني في 01ـ10ـ1980 إلى الأمين العام للأمم المتحدة والتي جاءت فيها (إن إيران لا ترى فائدة من مناقشة النزاع بين البلدين بصورة مباشرة...) ورغم قبول العراق بكل الوساطات إلا أن إيران رفضت كل المبادرات وهو ما عبر عنه الخميني في 9 مارس 1982 عندما ذكر أن السلام مع العراق يعد جريمة في حق السلام ورغم وساطة لجنة حركة عدم الانحياز والهند وكوبا وفي قمة هراري أعلن الرئيس الإيراني أن بلاده مقتنعة بأن (هدف كثير من الوسطاء هو تخليص العراق وليس إقامة قواعد السلم).
وفي 12 تموز 1982 أصدر مجلس الأمن القرار 514 وقبله العراق ووصفه النظام الإيراني بأنه «يقدم الدعم المبطن للعراق» ثم أصدر المجلس القرار 522 في 04ـ10ـ1982 ووافق العراق دون قيد أو شرط ورفضته إيران وجاء قرار 540 في 31ـ10ـ1983 علقت عليه إيران بأنه غير عملي وصدر القرار 582 في 24ـ02ـ1986 والقرار 588 في نفس السنة قبلته العراق في حين رفضتهما إيران ثم اتخذ مجلس الأمن القرار رقم 598 في 20 تموز 1987 رحبت به العراق إلا أن الموقف الإيراني جاء مماثلا للمواقف السابقة وعلقت عليه بقولها «إن إيران هي الطرف الرئيسي الذي يقرر كيف يمكنه إنهاء الحرب» وتوالت محاولات العراق في طلب وقف إطلاق النار والجنوح إلى تسوية سلمية تحفظ للطرفين حقهما وتبادل الأسرى وكان ذلك في أكثر من عشر محاولات عمد خلالها النظام الإيراني إلى وضع العصا في العجلة لمنعها من التقدم وفي 9 و10 شباط 1986 تمكنت إيران من تحقيق خرق في الدفاعات العراقية تم أثناءها احتلال مدينة الفاو وأطلق الإيرانيون على العملية اسم (عام الحسم) وكانت تصريحات النظام الإيراني «إن احتلال الفاو سيكون مقدمة لسقوط العراق».
وفي 17ـ04ـ1988 تم تحرير شبه جزيرة الفاو بعملية عسكرية أطلق عليها اسم عملية «رمضان مبارك» بعد احتلال دام أكثر من عامين وسماها الرئيس صدام حسين «مدينة الفداء وبوابة النصر العظيم» وأمام الضربات الموجعة وأسر أعداد كبيرة من الجيش الإيراني ورفع الراية البيضاء.
وفي 25 ماي 1988 قامت القوات العراقية بعملية أطلق عليها اسم «توكلنا على الله» تهاوت أمامها الحشود الإيرانية فتحررت منطقة الشلامجة ثم بعدها في جوان 1988 عملية «محمد رسول الله» التي حررت فيها عددا من جبال العراق في منطقة الشمال، وجاءت عمليات «توكلنا على الله» والثانية والثالثة والرابعة بتحرير ما تبقى من الأراضي العراقية المحتلة وأمام هذه الضربات الموجعة ما كان من الخميني إلا أن يعلن إذعانه وموافقته على قرار مجلس الأمن رقم 598 وقبول السلام واصفا إياه بأنه «أشدّ عليه من تجرع السم».

 الشروق

إلى صفحة مقالات وأراء4