06/05/2006

مقتطفات من (طليعة لبنان الواحد) لشهر نيسان

في ذكرى ميلاد القائد الرمز صدام حسين

من حقنا أن نحتفل بها لأنها احتفاء بأحد أهم رموز الأمة العربية

 شبكة البصرة

يتهم البعض حزب البعث بأنه يحتفي بـ«عبادة الفرد»،  كلما أظهروا تقديرهم للرئيس صدام حسين، أو كلما هتفوا له. وفي اتهامهم ما يحمل الكثير من الاستغراب. والكثير من التساؤلات وعلامات الاستهجان، نجملها بما يلي:

بين عبادة الفرد والاحتفاء بالرمز وتكريمه، مسافة على الفكر أن يجتازها، وعلى المفكرين، وأصحاب الرسالات التحررية أن ينظروا إليها ليس من زاوية الإيديولوجيا، بل من زاوية القيم الإنسانية الموضوعية التي لا تستطيع أن تفصل بين إنجازات التحرر وصانعيها.

وإذا كانت عصبية الإيديولوجيا تشكل حاجزاً يحول دون الإجماع على رمزية فرد متميز في تاريخ أمته، فالحاجة الإنسانية، كواقع أثبتته أحداث التاريخ الإنساني منذ القِدم حتى الآن، لا تشترط مثل هذا الإجماع.

كان صدام حسين، ولا يزال، ذلك الفرد الذي تحوَّل إلى رمز في تاريخ الأمة العربية. ولكي نثبت ذلك، طبعاً أمام العصبيات الإيديولوجية التي تعامت عن دوره، وراحت تنهش فيه تشويهاً، لا بدَّ من أن نُذكِّر بالعوامل التي تؤكد تصنيفه في لائحة الرمزية.

إذا خرج الفرد من دائرة الاهتمام بحاجاته كفرد، وأدخل في أولوياته العمل من أجل مصالح الآخرين في بيئته الاجتماعية أو الوطنية أو القومية، فيمثِّل في هذه الحالة قمة التعالي عن فرديته ليستبدلها بالحالة المجتمعية، وبذلك التحول يشكل بداية الطلاق مع الفردية ليدخل إلى باب الرمزية.

كثيرة هي الأمثلة التي تؤكد أن صدام حسين خرج من فرديته إلى رمزيته. وإذا كانت عيون الإيديولوجيين لا تريد أن ترى فيه تلك المزية، فهذا عائد إلى حالة من المزاج العدائي الذي يتولد من التعصب والعمى الإيديولوجي.

صدام حسين، منذ أن تولى مسؤولية قيادة النظام السياسي لحزب البعث في العراق، لم ير في السلطة إلاَّ وسيلة للارتقاء بمجتمعه الوطني العراقي إلى درجة النهوض، وللارتقاء بأمته العربية إلى مستوى النهوض والتقدم أيضاً. فكان مشروعه النهضوي القومي أكثر من دليل. ذلك المشروع الذي لم تتبيَّن تفاصيله للكثيرين لأن الآلة الإعلامية الأمبريالية والصهيونية كانت تحول دون ذلك، وهو ما استهوى أصحاب الإيديولوجيات المنافسة، او الكارهة أحياناً، لمشروع حزب البعث القومي.

ولكن، ولأن مجابهة الاستعمار والصهيونية، ومجابهة القطريين والانفصاليين والرجعيين والطائفيين، هي من أولويات مشروع صدام حسين، كأحد أهم قيادات الحزب، تكاثر أعداؤه، وتوسَّعت رقعتهم، فأعملوا تشويهاً به، وتحالف ضده أكثر من تيار وحركة ومشروع.

ولأن الأنموذج الأكثر دلالة، والذي أصبح الأكثر وضوحاً في تاريخ صدام حسين، هو اعتباره أسبقية مواجهة الاستعمار والصهيونية على كل ما عداها من التناقضات الأخرى، باعتبارها التناقض الرئيسي، أثبت صدام حسين أنه رجل تلك المهمة الشجاع، والأطول باعاً في مواجهتهما.

إن المرحلة الراهنة قد برهنت بما لا يقبل الجدل أن قائد تلك المواجهة الأوحد هو صدام حسين وحزبه. فهو الذي أعدَّ لها قبل الاحتلال الأميركي، وهو الذي قادها من الخندق وهو الذي يعطيها زخماً وقوة وهو في أسره. وإذا كانت بعض الأصوات التي أوغلت تشويهاً فيه وبسيرته وبمواقفه قد أعفته من إعلام أحقادها فلأنه لم يبق لديها ما تقوله بعد أن أقرن صدام حسين القول بالفعل. وليس لديها ما تقوله بعد انكشف العهر واللاأخلاقية الذي يتميز به أعداؤه وعملاء أعدائه. ولم يبق لديهم حجة يقنعون به الرأي العام أينما كان.

فصدام حسين الآن هو الفارس العالمي الذي تراهن عليه حركة التحرر العربي والعالمي في بداية مشهودة للكفاح ضد الاستعمار الأميركي ووحشيته التي لم تبق مجال تشكيك.

لقد اكتسبت رموز الثورة العالمية مواقعها في الرمزية من جراء تحقيقها الانتصارات على الاستعمار، وخاصة الاستعمار الأميركي. ومن أكثرهم شهرة: فيديل كاسترو وهوشي منه وتشي غيفارا... أفلا يحق للعرب أن تكون لهم رموزهم في ميدان مكافحة الاستعمار والصهيونية؟

إن صدام حسين أصبح رمزاً لحركات التحرر العالمية، لأنه أصبح القائد الحقيقي لأممية الثورة العراقية ووطنيتها وقوميتها.

فهل بات بوسعنا أن نفخر على العالم بأن الثورة العربية، التي يقودها صدام حسين من خندق المقاومة الوطنية العراقية، هي من أهم معالم ثورات التحرر العالمية؟

وهل بات أمامنا أي مهرب من اعتبار صدام حسين رمزاً للثورة نفتخر برمزيته ونعتز بها؟

صدام حسين رمز لنا، شاء الحاقدون أم أبوا. والاحتفاء بيوم ميلاده احتفاء باكتسابنا موقعاً كبيراً بين حركات التحرر في العالم.

 

المشهد العراقي في شهر نيسان من العام 2006

تميَّز المشهد العراقي في غضون الشهر الفائت بحصول عاملين بارزين:

الأول استئناف لمتابعة ما يُسمى بتركيز العملية السياسية في أعقاب الانتهاء من الانتخابات المسرحية في 15/ 12/ 2005، أما العامل الآخر فيتعلق بنقلة نوعية لحالة الاعتراض الأميركي ضد احتلال العراق.

أولاً: ألوان العملية السياسية العراقية الجديدة،

متنافرة ومتناقضة تؤسس لحالة احتراب دائم

بعد مخاض استمر خمسة أشهر، منذ انتهاء مسرحية انتخابات 15 كانون الأول من العام الفائت، وبعد أن تساومت قابلتاها، أميركا وإيران، على اقتسام الحصص بالوليد المسخ الجديد، وزَّعوا الأدوار بين عملائهم بدءًا من رئاسة الجمهورية ونوابه، مروراً برئيس الوزراء ونوابه، انتهاءً برئيس مجلس النواب ونوابه. وبهذا الاتفاق يكون الذئبان المفترسان قد توزَّعا الحصص السياسية في المؤسسات العراقية، مواقع التأثير في السلطات المشبوهة، وبها نال عملاؤهما جوائز ترضية في سلطة ليس القرار فيها ملك أيديهم.

لا تمثل الولادة حدثاً جديداً يحمل نتائج جديدة للعراق، بل هي نهاية مرسوم لها أن تنتهي كموجب من موجبات حددها قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1546. وهو القرار الذي جاء استجابة لتوفير حماية دولية للاحتلال الأميركي للعراق لقاء مكاسب للدول التي وقَّعت عليه. تلك المكاسب التي لم يكن لها لتبصر النور لولا المأزق الذي أوقعت المقاومة العراقية إدارة جورج بوش فيه بعد أن كانت تهدف للاستفراد بغنائم الاحتلال مستثنية مصالح حلفائها من الدول الرأسمالية.

سيعمل رئيس الحكومة المعيَّن على تشكيل حكومة، وعلى الرغم من أنها ستشهد عقبات وعقبات، إلاَّ أنها ستولد حتماً، فهي حاجة أميركية ملحة، فإدارة جورج بوش في عجلة من أمرها.

وإذا كنا على يقين بأن المقاومة العراقية ستسقط مواقع عملاء الاحتلال كما أسقطت مواقع الاحتلال، نرى أنه ليس ما يستوقفنا، إذاً، هل سيتم تشكيل الحكومة أم سيتأخر، بل ما يستوقفنا هو موقع هذه الحكومة في رسم مستقبل العراق.

إن الحكومة هي أولاً، وقبل أي شيء آخر، لا تمثل سيادة العراق وقراره المستقل، بل هي تغليف لواقع الاحتلال وتمديد في عمره. لذا يعتبر الكلام عنها بمعزل عن دورها المشبوه خدمة للاحتلال وتعتيماً على مآزقه الفعلية، وفرصة من الفرص التي يستغلها إعلامياً لتجميل صورته. وهي تتناقض أيضاً مع وحدة العراق الوطنية، وتتناقض مع عروبته للأسباب والمظاهر التالية:

هي مرفوضة أولاً لأنها انبثقت عن احتلال غير شرعي، احتالت دول مجلس الأمن الدولي على القوانين الدولية لتشريعها حسب القرار 1546.

وهي مرفوضة ثانياً لأنها مطلب أميركي وإيراني عملا على توزيع الحصص فيها بما يتناسب مع أطماعهما في الوطن العربي.

وهي مرفوضة مرة أخرى لأنها جاءت على مقاييس أصحاب المشاريع الدينية السياسية التي تستجيب لمشروع الشرق الأوسط الكبير، واتفاقية سايكس بيكو الجديدة غير المعلنة، كما توفِّر فرصة لدول الجوار الجغرافي لتحقيق أهدافها في تقسيم العراق كأنموذج لتقسيم المنطقة كلها، وفي قلبها الوطن العربي، إلى كانتونات طائفية.

فالحكومة القادمة، إذاً، صورة حقيقية لما هو مرسوم للعراق الذي يعملون على تقسيمه على قواعد طائفية دينية وعرقية. وليس هذا فحسب فهي تجمُّع للمذهبيات الدينية والعرقية، التي مثَّلت، وستمثل، امتداداً للقوى الخارجية الطامعة في الاستيلاء على العراق.

إن المظهرين مترابطان، الاتفاق الأميركي – الإيراني، وتوزيع أدوار عملائهما في مؤسسات السلطة المسخ، بحيث إن استيلاء الحليفين اللدودين على العراق لا يمكن أن يكون سهلاً وميسوراً إذا لم يستند إلى عملائهما في الداخل. كما أنه بغير مقدور العملاء المعادين لوطنية العراق وعروبته الاستمرار في اغتصاب السلطة فيه من دون إسناد من صانعيهما. وعليه نرى أن زعزعة ركائز السلطة العميلة يخدم معركة طرد المحتليْن، والعكس صحيح أيضاً.

وكما أن تحالف الاستعمار والصهيونية لا يمكن إلاَّ أن يكون معادياً للأمة العربية فهو معاد بالمقدار ذاته لوطنية العراق وعروبته، وكما أنه بالقدر الذي تلحق مشاريعهما الضرر  بالأمة فإن كل مشاريع التصدير الآتية من الخارج، ومنها جيران العراق بالجغرافيا، من أصحاب المشاريع السياسية الدينية، تلحق الضرر بالأمة أيضاً.

ولهذا السبب جاءت تسمية رئيس للحكومة، كما تسمية رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، نتيجة تسوية، ومساومة، بين إدارة جورج بوش وإدارة النظام الإيراني. وقد اتفقا على ذلك وكأن الأمر ميسور أمامهما، والطريق سالكة. ولكننا نحسب أن أمامهما العقبات الكبرى لكي يستقر الأمر لهما، فعليهما أن يجتازاها، وأنهما سيعجزان عن تحقيق ذلك، لسبب رئيس هو أن المقاومة العراقية تستهدف، وسوف تستمر باستهداف الاحتلال على شتى أشكاله وأنواعه، وعلى المقدار ذاته تؤدي الواجب المطلوب تجاه ما انبثق عنه من مؤسسات سياسية وأمنية وعسكرية.

إن المؤسسات السياسية التي بُنيت على أساس غير شرعي، تحمل في داخلها التناقضات الكفيلة التي ستتآكلها من الداخل والخارج. فالتناقضات داخل صف المتآمرين من الخارج هي من الأهمية بما يجعل أزمة المتحالفين اللدودين، إدارة جورج بوش والنظام الإيراني، مستمرة ودائمة لأن حصصهما التي ساوما على توزيعها متداخلة ومن الصعوبة بمكان أن يمنعا عوامل الاحتكاك الدائم بينها.

أما عامل عدم الاستقرار الآخر فهي أن توزيع الحصص بين المستفيدين من الداخل ليست قائمة على العدالة والمساواة، بل قائمة على الغنم المذهبي والعرقي، ويكمن في تضارب أهدافها ومقاصدها وغاياتها عامل التناقض الدائم، وهذا ما يؤسس إلى حالة احتراب مستمر في إدارة المؤسسات القائمة على تقسيم الغنائم بين الشلل التي تتبوَّأ السلطات. هذا بالإضافة إلى أنه بسبب استقوائهم بعوامل الخارج، فإنه كلما تضاربت أهداف الخارج وتناقضت تنعكس تآكلاً في مصالح تلك القوى، واختلالاً في موازين العدالة في النهب والسرقة، السبب الذي يُبقي فتيل خلافاتهم الداخلية مشتعلاً في أية لحظة.

وإذا كان تغليف الهزيمة الأميركية مرهون بتشكيل تلك الحكومة من أجل عقد اتفاقيات معها أولاً وتسليمها مهمات الأمن الداخلي ثانياً، فهي ستكون الخطوة الأولى على طريق الهروب الأميركي من العراق، وهي تأسيس لعوامل تآكل تلك المنجزات التي سيتم القضاء عليها بفعل ضربات المقاومة العراقية، ولن تكون المهمة صعبة أمامها بعد الهروب الأميركي.

وبالإجمال فإن مرحلة ما بعد الهزيمة الأميركية، فإن المؤسسات السياسية والأمنية التي رُكِّبت على قواعد التقسيم ستشكل عامل تناقض يثير مخاوف المنطقة كلها، سواءٌ ما رُكِّب منها بفعل إيراني في الجنوب، أم ما رُكِّب منها في الشمال بدعم صهيوني بارز، أم ما سوف يُركَّب منها في الوسط بدعم سعودي خليجي. وإن ما يتم تأسيسه الآن على تلك القواعد الشاذة سيثير أكثر من عامل توتر بين دول المنطقة، لأن تأسيس نظام سياسي عراقي على قواعد التقسيم لهو مشروع لا بدَّ من أن تنعكس تأثيراته السلبية على كل دول الجوار العربي وغير العربي، فهو يهددها بالتقسيم أيضاً، لذا تصبح استعادة وحدة العراق مطلباً أساسياً لتلك الدول السبب الذي يدفعها إلى الانخراط بجدية في العمل على استعادة تلك الوحدة.

ثانياً: مأزق إدارة جورج بوش يسجل تعميقاً نوعياً في الداخل الأميركي:

إضافة إلى أن استطلاعات الرأي التي دلَّت على أن شعبية جورج بوش قد انخفضت إلى 32% فإن حالة الاعتراض والاحتجاج تتصاعد على الصعيدين السياسي والعسكري في داخل الولايات المتحدة الأميركية وتشير إلى تراكم حالة نوعية في المعارضة مما يؤكد على أن تلك الحالة ستسهم بشكل جدي في إرغام إدارة جورج بوش على الانسحاب من العراق، ومن خلال رصد تلك الحالة نسجل المتغيرين الجديين التاليين:

1-على صعيد بداية انهيار المنظومة الفكرية للأميركيين المتطرفين الجدد:

أعلن فوكوياما، المنظِّر الأساسي للمحافظين الأميركيين الجدد، انشقاقه عنهم قائلاً: إنهم، كرمز سياسي، ومجموعة من الأفكار تطور إلى شيء لم يعد بإمكاني دعمه. لذا أشار الى خطأ تصدير الخير إلى العالم بقوة السلاح، ودعا إدارة المحافظين الى التركيز على أدوات السياسة والتخطيط، وأردف الدعوة للتصدي للمجاهدين والمقاومين، كما في العراق وأفغانستان، ليس بالوسائل العسكرية بل بالإقناع السياسي. كما دعا إلى إعادة النظر بموقع المسألة الديمقراطية في السياسة الخارجية الأميركية، واعتماد الواقعية بالتعامل مع الأنظمة الشمولية، أي بإقامة علاقات متوازنة بين الراعي والرعية.

وبالإجمال يرى فوكوياما، مستنداً الى رؤيته الفكرية المستجدة، أن ما تحتاجه واشنطن الآن أفكارا جديدة تتعلق بعلاقة أمريكا ونسبتها للعالم، أفكار تحافظ على دفاع المحافظين الجدد عن فكرة عالمية حقوق الإنسان ولكن بدون الإيمان بإمكانية تحقيقها عبر القوة العسكرية وتغيير الأنظمة وخداع السيادة الأمريكية.

أما بريجنسكي:  مستشار الأمن القومي السابق فيعبِّر عن عمق المأزق الذي وقعت فيه الإدارة الأميركية في العراق، ويؤكد أن أميركا في ورطة, دفعته إلى السؤال: لكن إلى أين نتجه؟ وهو يرى فيه السؤال الأصعب وهو يحتاج إلى أحكام استثنائية.

فمن مظاهر تشخيصه للورطة يختصرها بأن الحرب باهظة النفقات إلى حد لا يطاق, والأخلاقية الأمريكية قد تلطخت، والشرعية الأمريكية قد تقوضت عن طريق الانفراد بالقرار, والمصداقية الأمريكية قد تصدعت.

إن ذلك كان نتيجة لضربات المقاومة العراقية التي تعزز صفوفها وتزداد انتشاراً, وهي تحقق تفوقا على الأمريكيين لأنه في حروب الاستنزاف يكون المحتل الأجنبي دائما في الجانب الأضعف. ويخلص بريجنسكي إلى نتيجة تقول: إنها حرب استنزاف وهي حرب لا أرى بأننا منتصرون فيها، وإن «الانتصار» أمر غير محتمل. لذا يطلب أنه إذا كان الرئيس جادا فان الأجدر به ان يوسع دائرة صناع القرار لتشمل أولئك الذين يعربون عن عدم ارتياحهم من المسار الذي اندفعنا فيه.

وبدورها صرَّحت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، إنها لا تعتقد ان الرئيس صدام حسين كان يشكل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة. ولهذا لا يمكن شن الحرب على كل شخص لا نحبه.

وقالت ان الأخطاء السياسية للرئيس الأميركي جورج بوش تثير اشمئزازها من وضع الولايات المتحدة في ما يتعلق بالشؤون الدولية حاليا. موضحة أن العراق سيكون في نهاية الأمر واحدة من أسوأ الكوارث في السياسة الخارجية الأميركية.

وأوضحت ان ما يثير قلقها خصوصا هو ان الديمقراطية تتحول إلى كلمة سيئة لأنها باتت تنطبق على الهيمنة والاحتلال مؤكدة دعوتها لتطبيق الديمقراطية. لكن فرضها يتضارب مع مفهومها، ودعت إلى أنه يجب ان يختار الناس الديمقراطية ويجب ان تأتى من الشعب.

 

2-على صعيد احتمال انهيار المنظومة العسكرية للأميركيين المتطرفين الجدد:

في الوقت الذي كانت فيه المعارضة الأميركية لحرب فيتنام تتصاعد، ظلت قيادات الجيش الأميركي واقفة على الحياد، ولكن ما يميز المعارضة الأميركية للحرب على العراق هو دخول كبار العسكريين الأميركيين على خط المعارضة الحادة. تشير جريدة واشنطن بوست الأميركية، في تحليل لها عن الوضع في العراق، إلى أنه كان يجب على الرئيس بوش أن يقبل استقالة دونالد رامسفيلد منذ سنتين سبقتا. وقد ازدادت أخطاؤه إلى الدرجة التي أثارت حنق كبار القادة العسكريين في الجيش الأميركي. فطالبوا الرئيس بوش بإقالته، ووصفوا تأييده لوزير الدفاع بالخاطئ، وكان رامسفيلد قد تعرض لانتقادات حادة في الآونة الأخيرة، بلغت ذروتها بعد نقده من قبل ستة من الجنرالات الكبار المتقاعدين من بينهم ثلاثة من كبار القادة السابقين في العراق ورئيس عمليات سابق.

وأوضحت الصحيفة أن النقد الموجه لرامسفيلد من قبل الجنرالات المتقاعدين يهدد بشكل واضح وحدة الجيش الأمريكي، خاصة مع إشارة بعض الجنرالات إلى أنهم يتكلمون باسم بعض ممن لا يزالون في الخدمة.

قال الميجر جنرال جون باتيست الذي كان قائدا للفرقة الأولى مشاة التي تمركزت في تكريت بالعراق: إننا نرهن مستقبلنا وأطفالنا مقابل ثمانية أو تسعة مليارات دولار شهريا" في إشارة إلى تكلفة الحرب.

أما الجنرال غريغوري نيوبولد، وكان أرفع ضابط عمليات في المؤسسة العسكرية قبل حرب العراق،   فقد حث الضباط الذين لا يزالون في الخدمة على أن يفصحوا عن شكوكهم بشأن الحرب.

وقال المدير السابق لوكالة الأمن القومي الأمريكي الجنرال المتقاعد ويليام أودم إن غزو العراق قد يكون أكبر خطأ استراتيجي في تاريخ الولايات المتحدة. وقال إنه ينبغي على الرئيس بوش أن يطلب من جنرالاته العسكريين وضع خطة لسحب القوات الأمريكية من العراق في غضون بضعة أشهر.

وأوضح أودم أن بوش لن يتراجع عن موقفه الحالي الذي يدعو فيه إلى مواصلة الحرب على العراق إلا إذا بدأ الجمهوريون في الكونغرس يغيرون من مواقفهم تجاه الحرب مشيرا في هذا الاتجاه إلى عدد من الأعضاء الجمهوريين في مجلس النواب الأمريكي الذين بدؤوا الحديث عن ضرورة فتح النقاش واسعا في الكونغرس حول جدوى الحرب ومن بين هؤلاء النائب عن ولاية كارولينا الشمالية والتر جونز

من واقع المأزق الذي تعاني منه إدارة جورج في تشكيل مؤسسات عراقية عميلة، سياسية وعسكرية وأمنية، ولكنها مخترقة بنفوذ إيراني واضح.

ومن واقع مأزقه الداخلي بعناصره الأساسية، والتي تسهم في تسريع اتخاذ قرار الهزيمة، خاصة وأن الانقسام لم يطول المجتمع الأميركي فحسب، بل دخل أيضاً إلى صف إدارة بوش نفسها، سواءٌ أكانت انقسامات فكرية تشكك بجدوى إيديولوجيا المحافظين الجدد، أم عسكرية ترى أن النصر في العراق مستحيل، تسجل المقاومة العراقية نقاطاً نوعية ستكون مدخلاً لمتغيرات دراماتيكية في المدى المنظور.

إلى صفحة مقالات وأراء5